البدائل المتاحة في مجال المبيدات الحيوية الميكروبية... نظرة حديثة
على الرغم من جهود ومحاولات الإنسان المستمرة في الاستفادة من كل الوسائل المتاحة لوقاية مزروعاته الاقتصادية من الآفات المختلفة، فمازالت الآفات والأمراض تهلك حوالي ثلث حاصلاته الزراعية، وتسبب أمراض النبات وحدها فقد في الإنتاج النباتي العالمي مقداره حوالي 13٪، ومن المؤكد أن هذا الفقد يؤثر بشكل كبير في إنتاج الغذاء في عالم يعانى حاليًا من نقص كبير في الطعام في كثير من الدول النامية، وتصاب النباتات بالعديد من الأمراض والتي تصل في مجموعها إلى 11000 مرض، وتنشأ هذه الأمراض عن 120 جنس من الفطريات، وثمانية أجناس من البكتيريا، وثلاثة طرز من الفيروسات، وتتسبب الفطريات في الكثير من أمراض النبات وذلك على عكس الحال مع الحيوان الذي تمثل أمراضه الفطرية قلة، وحيث أن الوضع الطبيعي للنباتات أن تكون سليمة وخالية من الأمراض فإن حدوث المرض يتطلب أن يكون العائل النباتي سريع التأثر، والمسبب الميكروي للمرض شديد الضراوة، والظروف البيئية مواتية لحدوث المرض.
وقد ساهمت مبيدات الآفات الكيماوية في زيادة إنتاج الغذاء نتيجة استخدامها في وقاية النبات من الآفات ومسببات الأمراض المختلفة، إلا أن زيادة استخدام هذه الكيماويات خلال العقود الثلاثة الأخيرة أدى إلى تفاقم مشاكل بيئية جمة، ومخاطر صحية كثيرة، لذلك فقد تحول الانتباه في السنوات الأخيرة تجاه بعض البدائل الخضراء مثل استغلال إمكانيات الميكروبات المفيدة في وقاية النباتات، إذ تساعد عوامل المكافحة الحيوية الميكروبية التي تحدثنا عنها في الأبواب السابقة في تحسين نمو النبات، وتنشيط آلية المقاومة في العائل النباتي، وتزيد من نمو وإنتاجية المحاصيل، وتؤدى عوامل المكافحة الحيوية عملها من خلال آليات متعددة ومتباينة مثل التضاد الحيوي antibiosis، وإفراز المواد الأيضية السامة الطيارة، وتكوين النظم الإنزيمية التي تحفز تفاعلات تحليل كثير من المكونات في خلايا الميكروبات الممرضة، والتطفل، والتنافس على كل من المكان والغذاء.
وتمتلك البكتيريا والفطريات بما فيها فطريات الميكوريزا كثير من الإستراتيجيات التي تمكنها من التأقلم مع بيئة النبات، وهذه تتضمن عدد من التفاعلات المفيدة التي ينجم عنها الوقاية ومكافحة كثير من الأمراض التي تصيب النباتات، ومن المعروف عن النباتات أنها تمثل نظام بيئي مثالي للميكروبات، وفي هذا النظام تتباين الظروف البيئية بشكل كبير بين المجموع الخضري للنبات الموجود بالهواء الطلق ومجموعه الجذري الثابت في التربة الزراعية، وتتفاعل الميكروبات مع خلايا وأنسجة النبات بدرجات متفاوتة، ومن الملفت للنظر أن هناك تفاعلات متخصصة مفيدة للنبات تنشأ بين كل من الميكروبات - النباتات - الميكروبات الممرضة، وتصاب النباتات بالأمراض شأنها في ذلك شأن البشر والحيوانات، لكنها بمقدورها تطوير دفاعاتها تجاه الميكروبات الممرضة، وتعتمد النباتات في ذلك على الاستجابة الأصلية والاستجابة المحثة، وهذه الاستجابة قد تكون موضعية أو تنتشر خلال أنسجة وأعضاء النبات، وتتضمن الاستجابة الدفاعية عديد من الجزيئات التي تحمل رسائل تنشط جينات الاستجابة لدى الميكروب الممرض، وتنظم هذه الجينات الإنزيمات أو المواد المضادة للميكروبات، كما تنتج مركبات أكثر تخصصًا عن الجلوبيولينات المناعية immunoglobulins الموجودة في الحيوانات، وتكشف هذه الاستجابة التخصصية عن نوع من البروتين بين الخلايا النباتية خاص بالميكروب الممرض يعتمد على جين لنظام إدراك التفاعل الجيني، والهجوم البيوكيماوي المحث، وموت الخلايا المبرمج، وهناك العديد من التضمينات لمكافحة الأمراض النباتية مبنية على المعرفة بأسس التخصص لتفاعلات النبات - الميكروب، وقد تم بالفعل تطوير منتجات بيوتكنولوجية جديدة لتحفيز الاستجابة الدفاعية لدى النبات واستخدام الميكروبات المفيدة للنبات في المكافحة الحيوية للأمراض النباتية (المبيدات الحيوية) ولحث نمو النبات (الأسمدة الحيوية).
ومن المعروف عن بعض العوامل الميكروبية وثيقة الصلة بالميكروبات الممرضة - مثل السلالات الميكروبية غير الممرضة، والسلالات شديدة المرضية dsRNA-infect hypovirulent strains وميكروبات الإبيفايت epiphytes الموجودة على سطوح النباتات، وميكروبات الإندوفايت endophytes العائشة بداخل النبات - أنها تساهم في جعل التربة الزراعية بمثابة نظام بيئي بمقدوره التغلب على الأمراض بشكل طبيعي، ويتم تشجيع نمو مثل هذه العوامل الميكروبية المرغوبة عن طريق إضافة بعض المواد العضوية إلى التربة مثل سماد الكومبوست compost ومستخلصاته، وتعمل مثل هذه الإضافة على زيادة الطبيعة التثبيطية للتربة الزراعية لمسببات الأمراض النباتية.
وهناك أكثر من استراتيجية تسهل عمليات إثراء وحفظ وإدارة الميكروبات سواء القاطنة للتربة أو المتعايشة مع النبات مثل تنشيط التثبيط الطبيعي للممرضات المحمولة في التربة، واستبعاد الممرضات النباتية المحمولة في التربة الزراعية، وتحسين التضاد الحيوي بكل الوسائل الممكنة مثل التعقيم الشمسي للتربة والتبخير والتدخين تحت الحد المميت.
وتتضمن عملية تثبيط الميكروبات الممرضة للنبات المحمولة في التربة الزراعية عدد من الآليات تعتمد على إدخال كائنات حية دقيقة نافعة، وجعل التربة بمثابة نظام بيئي يثبط بشكل طبيعي الميكروبات الممرضة، ومن هذه الآليات ما يلي:
1. التضاد الحيوي أي إنتاج المضادات الحيوية مثل pyrolnitrin و phenazines و pyolutexin و pyolutiorin و 2,4-diacetylphloroglucinol.
2. التنافس على الحديد.
3. حث مقاومة النبات.
4. إنتاج سيانيد الهيدروجين.
5. تكوين مشتقات السكريات العديدة الدهنية Lipopolysaccharides (LPS).
6. استخدام ميكروبات الإندوفايت كعوامل مكافحة حيوية.
7. استخدام سماد الكومبوست ومستخلصاته في مكافحة بعض الفطريات مثل فطر الريزوكتونيا سولاني Rhizoctonia solani والفيوزاريوم أوكسيسبورم Fusarium oxysporum والفيتوفثورا Phytophthora والبيثيوم Pythium.
وتعتبر المكافحة الحيوية بواسطة الريزوبكتيريا والريزوفطريات وبكتيريا الإندوفايت واللقاحات السمادية والكومبوست ومستخلصات الكومبوست بمثابة مداخل خضراء جديدة ومقبولة في مجال المكافحة الحيوية لمسببات أمراض النباتات.
ولذلك يتم في الوقت الراهن استخدام الطرق الجديدة المبنية على المعرفة بالتفاعلات بين الميكروبات - النباتات في وقاية النباتات من الأمراض، كما هو الحال في توظيف المعرفة بالأساس الجزيئي لتفاعلات الميكروب – النبات بقصد البحث عن طرق مقبولة لوقاية النبات تعتمد على استعمال الميكروبات النافعة وتحفيز الاستجابة الدفاعية في النبات.
وتعيش الميكروبات معيشة تكافلية مع النبات أو تعيش كأبيفيت epiphytes أو اندوفيت endophyte وذلك في علاقة غير ملحوظة مع النبات، وتشمل بكتيريا النبات النافعة اللاتكافلية الريزوبكتيريا المشجعة لنمو النبات plant growth-promoting rhizobacteria PGPR، وتمنح بعض الميكروبات المتفاعلة مع النبات العائل ميزات مفيدة إلا أنها تكون غير قادرة على غزو الأنسجة والإصابة.