

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

مقالات متفرقة في علم الحديث

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة


علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

مقالات متفرقة في علم الرجال

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الائمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري
شرح الأبيات 772 ــ 778
المؤلف:
شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي
المصدر:
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للعراقي
الجزء والصفحة:
ج4، ص 56 ــ 66
2026-02-23
28
التَّصْحِيفُ
772 - وَالْعَسْكَرِي وَالدَّارَقُطْنِي صَنَّفَا ... فِيمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا
773 - فِي الْمَتْنِ كَالصُّولِيِّ سِتًّا غَيَّرْ ... شَيْئًا أَوِ الْإِسْنَادِ كَابْنِ النُّدَّرْ
774 - صَحَّفَ فِيهِ الطَّبَرِيُّ قَالَا ... بَذَّرَ بِالْبَاءِ وَنَقْطٍ ذَالَا
775 - وَأَطْلَقُوا التَّصْحِيفَ فِيمَا ظَهَرَا ... كَقَوْلِهِ: احْتَجَمْ مَكَانَ احْتَجَرَا
776 - وَوَاصِلٌ بِعَاصِمٍ وَالْأَحْدَبُ ... بِأَحْوَلٍ تَصْحِيفَ سَمْعٍ لَقَّبُوا
777 - وَصَحَّفَ الْمَعْنَى إِمَامُ عَنَزَهْ ... ظَنَّ الْقَبِيلَ بِحَدِيثِ الْعَنَزَهْ
778 - وَبَعْضُهُمْ ظَنَّ سُكُونَ نُونِهِ ... فَقَالَ: شَاةٌ خَابَ فِي ظُنُونِهْ
(التَّصْحِيفُ) الْوَاقِعُ فِي الْمُشْتَبِهِ مِنَ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ. وَلَوْ جُعِلَ بَعْدَ الْغَرِيبِ أَوْ بَعْدَ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ لَكَانَ حَسَنًا، وَهُوَ لِكَوْنِهِ تَحْوِيلَ الْكَلِمَةِ مِنَ الْهَيْئَةِ الْمُتَعَارَفَةِ إِلَى غَيْرِهَا فَنٌّ جَلِيلٌ مُهِمٌّ، إِنَّمَا يَنْهَضُ بِأَعْبَائِهِ مِنَ الْحُفَّاظِ الْحُذَّاقُ.
[الْكُتُبُ الْمُهِمَّةُ فِي هَذَا الْفَنِّ] (وَ) الْحَافِظَانِ أَبُو أَحْمَدَ (الْعَسْكَرِي) وَأَبُو الْحَسَنِ (الدَّارَقُطْنِي صَنَّفَا فِيمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا).
وَعَلَى ثَانِيهِمَا اقْتَصَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَالَ: إِنَّهُ مُفِيدٌ. وَأَمَّا أَوَّلُهُمَا فَلَهُ فِي التَّصْحِيفِ عِدَّةُ كُتُبٍ، أَكْبُرُهَا لِسَائِرِ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّصْحِيفُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَلْفَاظِ غَيْرَ مُقْتَصِرٍ عَلَى الْحَدِيثِ. ثُمَّ أَفْرَدَ مِنْهُ كِتَابًا يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الْأَدَبِ، وَهُوَ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّصْحِيفُ مِنْ أَلْفَاظِ اللُّغَةِ وَالشِّعْرِ، وَأَسْمَاءِ الشُّعَرَاءِ وَالْفُرْسَانِ، وَأَخْبَارِ الْعَرَبِ وَأَيَّامِهَا وَوَقَائِعِهَا وَأَمَاكِنِهَا وَأَنْسَابِهَا. ثُمَّ آخَرَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْمُحَدِّثِينَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِمَا وَقَعَ فِيهِ التَّصْحِيفُ فَقَطْ، بَلْ ذَكَرَ فِيهِ مَا هُوَ مُعَرَّضٌ لِذَلِكَ، وَفِي بَعْضِ الْمَحْكِيِّ مِمَّا وَقَعَ لِبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ مَا يَكَادُ اللَّبِيبُ يَضْحَكُ مِنْهُ.
[غَرَضُ تَصْنِيفِ تِلْكَ الْكُتُبِ الْإِفْصَاحُ]
وَكَذَا صَنَّفَ فِيهِ الْخَطَّابِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، لَا لِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ بِذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي وَاحِدٍ مِمَّنْ صَحَّفَ، وَلَا لِلْوَضْعِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُكْثِرُ مَلُومًا، وَالْمُشْتَهِرُ بِهِ بَيْنَ النُّقَّادِ مَذْمُومًا، بَلْ إِيثَارًا لِبَيَانِ الصَّوَابِ، وَإِشْهَارًا لَهُ بَيْنَ الطُّلَّابِ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ أَنَّهُ عَيَّبَ جَمَاعَةً مِنَ الطَّلَبَةِ بْتَصْحِيفِهِمْ فِي الْأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ، وَدَوَّنَ عَنْهُمْ مَا صَحَّفُوهُ، قَالَ: وَأَنَا أَذْكُرُ بَعْضَ ذَلِكَ ؛ لِيَكُونَ دَاعِيًا لِمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ إِلَى التَّحَفُّظِ مِنْ مِثْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا سِيَّمَا وَيَنْبَغِي لِقَارِئِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيمَا يَقْرَؤُهُ حَتَّى يَسْلَمَ مِنْهُ.
وَقَوْلُ الْعَسْكَرِيِّ: إِنَّهُ قَدْ عُيِّبَ بِالتَّصْحِيفِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفُضِحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ، وَسُمُّوا الصُّحُفِيَّةَ، وَنَهْيُ الْعُلَمَاءِ عَنِ الْحَمْلِ عَنْهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُتَكَرِّرِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَمَا يَسْلَمُ مِنْ زَلَّةٍ وَخَطَأٍ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَعْرَى عَنِ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ؟! وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ غَالِبًا لِلْآخِذِ مِنْ بُطُونِ الدَّفَاتِرِ وَالصُّحُفِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْخٌ يُوقِفُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْ ثَمَّ حَضَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَجَنُّبِ الْأَخْذِ كَذَلِكَ كَمَا سَلَفَ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ. وَيُعْلَمُ أَنَّ اشْتِقَاقَهُ مِنَ الصَّحِيفَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ يَنْقُلُ كَذَلِكَ وَيُغَيِّرُ يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْ صَحَّفَ؛ أَيْ: قَدْ رَوَى عَنِ الصُّحُفِ، فَهُوَ مُصَحِّفٌ، وَمَصْدَرُهُ التَّصْحِيفُ.
[أَمْثِلَةُ التَّصْحِيفِ فِي الْمَتْنِ]
ثُمَّ إِنَّهُ يَقَعُ تَارَةً إِمَّا (فِي الْمَتْنِ كَـ) ـمَا اتَّفَقَ لِأَبِي بَكْرٍ (الصُّوِلِيِّ)؛ حَيْثُ أَمْلَى فِي (الْجَامِعِ) حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا» بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ (غَيَّرْ) ذَلِكَ (شَيْئًا) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ. وَلِوَكِيعٍ فِي حَدِيثِ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـالَّذِينَ يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَ تَشْقِيقَ الشِّعْرِ»؛ حَيْثُ غَيَّرَهُ بِالْحَطَبِ بِالْمُهْمَلَةِ، وَالشَّعَرِ بِفَتْحَتَيْنِ.
وَيُحْكَى أَنَّ ابْنَ شَاهِينَ صَحَّفَهُ كَذَلِكَ أَيْضًا بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمَلَّاحِينَ: يَا قَوْمُ، كَيْفَ نَعْمَلُ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ؟ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حِرْفَتِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ. وَالْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَ (الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ) لِلطَّبَرَانِيِّ وَ (الْجَامِعِ) لِلْخَطِيبِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْقُرَشِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِهِ. وَلِمُشْكَدَانَةَ حَيْثُ جَعَلَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ قَصْعِ الرُّطَبَةِ بِالطَّاءِ بَدَلَ الصَّادِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ أَرْبَابُ الضِّيَاعِ وَالنَّاسِ يَضِجُّونَ، فَفَتَّشَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى صِحَّتِهِ. وَلِأَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيِّ الَّذِي اتَّفَقَ السِّتَّةُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَيُلَقَّبُ الزَّمَنَ؛ حَيْثُ جَعَلَ (أَوْ شَاةٌ تَنْعَرُ) بِالنُّونِ بَدَلَ الْيَاءِ. وَلِأَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، حَيْثُ جَعَلَ قَرَّ الدَّجَاجَةِ بِالزَّاءِ الْمَنْقُوطَةِ الْمَضْمُومَةِ بَدَلَ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ.
وَلِغُنْدَرٍ حَيْثُ جَعَلَ أُبَيًّا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: (رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ) أَبِي بِالْإِضَافَةِ. وَأَبُو جَابِرٍ كَانَ اسْتُشْهِدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أُحُدٍ. وَلِشُعْبَةَ حَيْثُ جَعَلَ ذَرَّةً بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ دُرَةً بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ.
وَلِمُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ السُّلَمِيِّ الْمُلَقَّبِ مَحْمِشًا حَيْثُ جَعَلَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» الْمُصَغَّرَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمِيرٍ، مَا فَعَلَ الْبَعِيرُ؟ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، فَصَحَّفَ فِيهِمَا مَعًا. حَتَّى إِنَّا رُوِّينَا فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَفِظَ اللَّهُ أَخَانَا صَالِحَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَافِظَ الْمُلَقَّبَ جَزَرَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يُبْسِطُنَا غَائِبًا وَحَاضِرًا، كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الذُّهْلِيُّ - يَعْنِي بِنَيْسَابُورَ - أَجْلَسُوا شَيْخًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: مَحْمِشٌ. فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ، وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهُ أَمْلَى أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـقَالَ: (لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ)، فَقَالَهَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَبِسُكُونِ الرَّاءِ. عَلَى أَنَّ جَزَرَةَ إِنَّمَا لُقِّبَ بِهَا؛ لِكَوْنِهِ صَحَّفَ حَدِيثَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ كَانَ يَرْقِي وَلَدَهُ بِخَرَزَةٍ؛ بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ، بِجَزَرَةٍ، بِجِيمٍ ثُمَّ بِمُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَلْقَابِ.
وَاتَّفَقَ لِبَعْضِ مُدَرِّسِي النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ أَنَّهُ أَوَّلَ يَوْمِ إِجْلَاسِهِ أَوْرَدَ حَدِيثَ: «صَلَاةٌ فِي أَثَرِ صَلَاةٍ كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ»، فَقَالَ: كَنَارٍ فِي غَلَسٍ. فَلَمْ يَفْهَمِ الْحَاضِرُونَ مَا يَقُولُ، حَتَّى أَخْبَرَهُمْ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ تَصَحَّفَ عَلَى الْمُدَرِّسِ.
وَلِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ؛ حَيْثُ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ لَهُ: بَابُ تَحْرِيمِ السِّبَاعِ، وَسَاقَ حَدِيثَ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: (السِّبَاعُ حَرَامٌ) فَصَحَّفَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الشِّيَاعُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَهُوَ الصَّوْتُ عِنْدَ الْجِمَاعِ.
وَلِعَبْدِ الْقُدُّوسِ؛ حَيْثُ جَعَلَ نَهْيَهُ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـأَنْ يَتَّخِذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا، بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنَ الرُّوحِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مِنْ غَرَضًا. فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ قَالَ: يَعْنِي كُوَّةً فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ.
وَلِرَجُلٍ سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: أَيُضَحَّى بِالصَّبِيِّ؟ فَقَالَ لَهُ: (وَمَا عَلَيْكَ لَوْ قُلْتَ: بِالظَّبْيِ؟ قَالَ: إِنَّهَا لُغَةٌ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ، فَانْقَطَعَ الْعِتَابُ).
وَلِغُلَامٍ حَيْثُ سَأَلَ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَكَ عَمْرٌو عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـنَهَى عَنِ الْخُبْزِ. فَتَبَسَّمَ حَمَّادٌ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِذَا نَهَى عَنِ الْخُبْزِ فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَعِيشُ النَّاسِ؟! وَإِنَّمَا هُوَ الْخَبَرُ.
وَلِبَعْضِ الْمُغَفَّلِينَ كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ؛ حَيْثُ صَحَّفَ قَوْلَهُمْ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَجَعَلَ عَنْ رَجُلٍ.
[أَمْثِلَةُ التَّصْحِيفِ فِي الْإِسْنَادِ]
(أَوْ) فِي (الْإِسْنَادِ كَابْنِ النُّدَّرْ) بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ، وَاسْمُهُ عُتْبَةُ؛ حَيْثُ (صَحَّفَ فِيهِ) الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ (الطَّبَرِيُّ)، وَ (قَالَا: بَذَّرَ بِالْبَاءِ) الْمُوَحَّدَةِ (وَنَقْطٍ) لِلْمُهْمَلَةِ (ذَالًا).
وَكَالزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ، قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ: خَرِيتٌ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زُهَيْرٍ التُّسْتَرِيُّ: لَا خَرِيتَ وَلَا دَرَيْتَ. وَكَجَوَّابٍ التَّيْمِيِّ بِالْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ، قَرَأَهُ حَبِيبٌ كَاتِبُ مَالِكٍ: جِرَابٌ؛ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ.
وَكَابْنِ سِيرِينَ بِالْمُهْمَلَةِ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. وَكَأَبِي حُرَّةٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ بِالْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ. وَكَالْعَوَّامِ بْنِ مُرَاجِمٍ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ، قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ بِالزَّاءِ الْمَنْقُوطَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. فِي أَمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ لِكُلٍّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ فِي التَّصَانِيفِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَكَذَا فِي جَامِعِ الْخَطِيبِ مِنْهَا نُبْذَةٌ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ الْمُلْحَقَةِ بِالْإِسْنَادِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيِّ، قَالَ السَّعْدِيُّ: كَانَ حَسَنِيًّا - يَعْنِي: الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ - عَلَى عِبَادَتِهِ وَسُوءِ مَذْهَبِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَأَبُو غَسَّانَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ لَكِنْ لَمْ يُرِدِ السَّعْدِيُّ نَسَبَهُ إِلَى الْحَسَنِ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِنَّهُ خَشَبِيٌّ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ ....
قَالَ: وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَمِنْهُ مَا ذَكَرَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْأَنْسَابِ فِي تَرْجَمَةِ الْجَرِيرِيِّ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، نِسْبَةً إِلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ. قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجَوْزَجَانِيُّ. ثُمَّ نُقِلَ عَنِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ جَرِيرِيُّ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً. قَالَ شَيْخُنَا: وَلَمْ يَنْسُبْهُ ابْنُ حِبَّانَ لِمَذْهَبِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَإِنَّمَا نَسَبَهُ لِمَذْهَبِ حَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ رَاءٍ ثُمَّ رَاءٍ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا إِلَّا مُخَالَفَةُ التَّارِيخِ؛ فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورَ فِي طَبَقَةِ شُيُوخِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ مَوْلِدِ ابْنِ جَرِيرٍ بِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ هُوَ فِي عِدَادِ شُيُوخِهِ؟! وَيَنْقَسِمُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى تَصْحِيفِ بَصَرٍ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَسَمْعٍ، وَهُوَ قَلِيلٌ. وَكَذَا إِلَى تَصْحِيفِ لَفْظٍ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَمَعْنًى، وَهُوَ قَلِيلٌ.
[أَسْبَابُ التَّصْحِيفِ فِي الْحَدِيثِ]
(وَ) كَذَا (أَطْلَقُوا)؛ أَيْ: مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْفَنِّ، (التَّصْحِيفَ فِيمَا ظَهَرَا) تَحْقِيقُ حُرُوفِهِ مِنْ غَيْرِ اشْتِبَاهٍ فِي الْكِتَابَةِ بِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ فِيهِ خَلَلٌ مِنَ النَّاسِخِ أَوِ الرَّاوِي بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ إِبْدَالِ حَرْفٍ بِآخَرَ.
فَالْأَوَّلُ: كَحَدِيثِ جَابِرٍ: «دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ يَخْطُبُ، فَقَالَ: صَلَّيْتَ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: (قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟)، وَهُوَ غَلَطٌ مِنَ النَّاسِخِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمِزِّيُّ. وَكَمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ الْمُفَسِّرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}، قَالَ: مِصْرَ. فَقَدِ اسْتَعْظَمَ هَذَا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَاسْتَقْبَحَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ: مَصِيرَهُمْ.
وَالثَّانِي: كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ يَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقِفُ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَيَسْتَقْبِلُ النَّاسَ وَهُمْ جُلُوسٌ» الْحَدِيثَ.
رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: عَلَى رَاحِلَتِهِ بَدَلَ رِجْلَيْهِ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، فَلَا رَيْبَ فِي «أَنَّهُ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى».
وَالثَّالِثُ: (كَقَوْلِهِ) فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: (احْتَجَمَ) النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ فِي الْمَسْجِدِ؛ حَيْثُ جَعَلَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي التَّمْيِيزِ لَهُ (مَكَانَ احْتَجَرَا) بِالْمِيمِ بَدَلَ الرَّاءِ؛ لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ مِنْ كِتَابٍ بِغَيْرِ سَمَاعٍ، وَأَخْطَأَ فَبَقِيَّتُهُ: (بِخُصٍّ أَوْ حَصِيرِ حُجْرَةً يُصَلِّي فِيهَا)، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ هَذَا مِثَالًا لِتَصْحِيفِ السَّمْعِ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَ) كَذَا (وَاصِلٌ) أَبْدَلَ اسْمَهُ (بِعَاصِمٍ)، بَلْ (وَ) أَبْدَلَا (الْأَحْدَبُ) لَقَبُهُ أَيْضًا (بِأَحْوَلٍ) بِالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ، لَقَبِ عَاصِمٍ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟).
وَكَذَا خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ؛ حَيْثُ أَبْدَلَهُ شُعْبَةُ بِمَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ. كُلٌّ مِنْهُمَا (تَصْحِيفَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ (سَمْعٍ)؛ يَعْنِي فِي الْإِسْنَادِ، (لَقَّبُوا) فَمِنِ الْمُلَقِّبِينَ بِذَلِكَ لِلْمِثَالِ الْأَوَّلِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِلثَّانِي أَحْمَدُ، وَلَيْسَ تَلْقِيبُهُمْ بِذَلِكَ بِأَوْلَى مِنْ تَلْقِيبِ احْتَجَمَ بِهِ، بَلْ ذَاكَ أَوْلَى؛ لِمُشَارَكَتِهِمَا مَعَ الْوَزْنِ فِي الْحُرُوفِ إِلَّا وَاحِدًا، بِخِلَافِهِ فِيهِمَا، فَلَيْسَ إِلَّا الْوَزْنُ؛ إِذْ أَكْثَرُ الْحُرُوفِ مُخْتَلِفَةٌ.
ثُمَّ إِنَّ جُلَّ التَّصْحِيفِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي اللَّفْظِ، (وَ) قَدْ (صَحَّفَ الْمَعْنَى) فَقَطْ بَعْضُ شُيُوخِ الْخَطَّابِيِّ فِي الْحَدِيثِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ، وَإِنَّهُ لَمَّا رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ عَنِ التَّحْلِيقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا حَلَقْتُ رَأْسِي قَبْلَ الصَّلَاةِ. فُهِمَ مِنْهُ حَلْقُ الرؤوس، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْلِيقُ النَّاسِ حِلَقًا. وَبَعْضُهُمْ حَيْثُ سَمِعَ خَطِيبًا يَرْوِي حَدِيثَ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ)، فَبَكَى وَقَالَ: (مَا الَّذِي أَصْنَعُ، وَلَيْسَتْ لِي حِرْفَةٌ سِوَى بَيْعِ الْقَتِّ)؛ يَعْنِي الَّذِي يَعْلِفُ الدَّوَابَّ.
وَأَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الزَّمَنُ (إِمَامُ عَنَزَهْ) حَيْثُ (ظَنَّ الْقَبِيلَ بِحَدِيثِ الْعَنَزَهْ) الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ يُصَلِّي إِلَيْهَا، فَقَالَ يَوْمًا: (نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ، قَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـإِلَيْنَا)، ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
(وَبَعْضُهُمْ)، وَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَعْرَابِيٌّ صَحَّفَ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ مَعًا، (ظَنَّ سُكُونَ نُونِهِ) أَيْ: لَفْظِ الْعَنَزَةِ، وَرَوَاهُ مَعَ هَذَا الظَّنِّ بِالْمَعْنَى (فَقَالَ: شَاةٌ)، فَأَخْطَأَ وَ (خَابَ فِي ظُنُونِهِ) مِنْ وَجْهَيْنِ؛ إِذِ الصَّوَابُ عَنَزَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ؛ وَهِيَ الْحَرْبَةُ تُنْصَبُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَلِذَلِكَ حِكَايَةٌ حَكَاهَا الْحَاكِمُ عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ: كُنْتُ بِعَدَنَ أَبْيَنَ يَوْمَ عِيدٍ، فَشُدَّتْ عَنْزَةٌ - يَعْنِي: شَاةٌ - بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ سَأَلْتُهُمْ بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ: مَا هِيَ الْعَنْزَةُ الْمَشْدُودَةُ فِي الْمِحْرَابِ؟ قَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ يُصَلِّي يَوْمَ الْعِيدِ إِلَى عَنْزَةٍ، فَقُلْتُ: (يَا هَؤُلَاءِ، صَحَّفْتُمْ، مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ هَذَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْعَنَزَةِ: الْحَرْبَةِ). قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْمِزِّيُّ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ، وَمِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ أَدَاءً لِلْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، بَلْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِيمَا يُعْلَمُ مِثْلُهُ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَيْضًا، وَكَانَ يَقُولُ إِذَا تَغَرَّبَ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِرِوَايَةٍ مِمَّا يَذْكُرُهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُ: هَذَا مِنَ التَّصْحِيفِ الَّذِي لَمْ يَقِفْ صَاحِبُهُ إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الصُّحُفِ وَالْأَخْذِ مِنْهَا.
[مَعْنَى التَّصْحِيفِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحْرِيفِ]
وَفِي بَعْضِ مَا أُدْرِجَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَمْثِلَةِ تَجَوُّزٌ بِالنِّسْبَةِ لِتَعْرِيفِهِ؛ فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنْ كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ بِتَغْيِيرِ حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ مَعَ بَقَاءِ صُورَةِ الْخَطِّ فِي السِّيَاقِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّقْطِ فَالْمُصَحَّفُ، أَوْ إِلَى الشَّكْلِ فَالْمُحَرَّفُ.
وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَتَسْمِيَةُ بَعْضِ ذَلِكَ - يَعْنِي الْمَذْكُورَ - تَصْحِيفًا مَجَازٌ. قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنَ التَّصْحِيفِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْأَكَابِرِ لَهُمْ فِيهِ أَعْذَارٌ لَمْ يَنْقُلْهَا نَاقِلُوهَا.
قَالَ غَيْرُهُ: وَمِنَ الْغَرِيبِ وُقُوعُ التَّصْحِيفِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَكَابِرِ، لَا سِيَّمَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءُ عَجِيبَةٌ مَعَ تَصْنِيفِهِ تَفْسِيرًا، وَأُودِعَ فِي الْكُتُبِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا جُمْلَةٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ.
فَائِدَةٌ: كَتَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى ابْنِ حَزْمٍ عَامِلِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ أَنْ أَحْصِ
مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ. فَصَحَّفَ الْكَاتِبُ، فَخَصَاهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ الْفِعْلِ فَكَفَّ، كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَضَبْطِهِ.
وَضِدُّ هَذَا أَنَّ الْفَرَزْدَقَ كَانَ مَنِ اسْتَجَارَ بِقَبْرِ أَبِيهِ قَامَ فِي مُسَاعَدَتِهِ حَدَّ الْقِيَامِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ الْقَيْنِيَّ خَرَجَ فِي جَيْشٍ مِنْ قِبَلِ الْحَجَّاجِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى فَرَزْدَقٍ فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَجَرْتُ بِقَبْرِ غَالِبٍ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى تَمِيمٍ فِي ابْنِي خُنَيْسٍ أَنْ يَقْتُلَهُ. فَكَتَبَ الْفَرَزْدَقُ أَبْيَاتًا إِلَى تَمِيمٍ يَسْأَلُهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَدْرِ تَمِيمٌ أَهْوَ حُبَيْسٌ أَوْ خُنَيْسٌ، فَأَطْلَقَ كُلَّ مَنْ فِي عَسْكَرِهِ مِمَّنْ تَسَمَّى بِهِمَا.
الاكثر قراءة في علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)