

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

مقالات متفرقة في علم الحديث

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة


علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

مقالات متفرقة في علم الرجال

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الائمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري
شرح الأبيات 768 ــ 771
المؤلف:
شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي
المصدر:
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للعراقي
الجزء والصفحة:
ج4، ص 47 ــ 56
2026-02-22
41
[النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ]
[تعريفه]
768 - وَالنَّسْخُ رَفْعُ الشَّارِعِ السَّابِقَ مِنْ ... أَحْكَامِهِ بِلَاحِقٍ وَهْوَ قَمِنْ
769 - أَنْ يُعْتَنَى بِهِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ... ذَا عِلْمِهِ ثُمَّ بِنَصِّ الشَّارِعِ
770 - أَوْ صَاحِبٍ أَوْ عُرِفَ التَّارِيخُ أَوْ ... أُجْمِعَ تَرْكًا بَانَ نَسْخُ وَرَأَوْا
771 - دِلَالَةَ الْإِجْمَاعِ لَا النَّسْخَ بِهِ ... كَالْقَتْلِ فِي رَابِعَةٍ بِشُرْبِهِ
[مَعْنَى النَّسْخِ لُغَةً]
(النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ) مِنَ الْحَدِيثِ.
(وَالنَّسْخُ) لُغَةً: يُطْلَقُ عَلَى الْإِزَالَةِ، يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ؛ إِذَا أَزَالَتْهُ وَخَلَّفَتْهُ. وَعَلَى النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، يُقَالُ: نَسَخْتُ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنَ الْعَسَلِ وَالنَّحْلِ إِلَى أُخْرَى. وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ، وَالْمُنَاسَخَاتُ فِي الْمَوَارِيثِ، وَهُوَ انْتِقَالُ الْمَالِ مِنْ وَارِثٍ إِلَى آخَرَ. وَلَا يَتَحَتَّمُ فِيهِ الْمَحْوُ وَالِانْعِدَامُ، فَلَيْسَ نَسْخُ الْكِتَابِ إِعْدَامًا لِلْمَنْسُوخِ مِنْهُ. وَبِالنَّظَرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَسَّمَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لِخَمْسَةِ مَعَانٍ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ: أَزَالَتْهُ وَخَلَّفَتْهُ، وَالرِّيحُ الْأَثَرَ: أَذْهَبَتْهُ، وَالْفَرِيضَةُ الْفَرِيضَةَ: نَقَلَتْ حُكْمَهَا إِلَيْهَا، وَاللَّيْلُ النَّهَارَ: بَيَّنَ انْتِهَاءَهُ وَعَقَبَهُ، وَنَسَخْتُ الْكِتَابَ: صَوَّرْتُ مِثْلَهُ. قَالَ: وَهَذَا أَنْسَبُ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي حَقِيقَتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْإِزَالَةِ وَالتَّحْوِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ، مَجَازٌ فِي الثَّانِي. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. قَالَ الْأَصْبَهَانِيُّ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ: وَالْأَخِيرَانِ الْأَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، فَالْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِرَاكِ. عَلَى أَنَّ الْعَضُدَ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ عِلْمِيٌّ.
[تَعْرِيفُ النَّسْخِ اصْطِلَاحًا وَمُحْتَرَزَاتِهِ]
وَاصْطِلَاحًا: هُوَ (رَفْعُ الشَّارِعِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ – الْحُكْمَ (السَّابِقَ مِنْ أَحْكَامِهِ بِـ) حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ (لَاحِقٍ)، هَكَذَا عَرَّفَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَالَ: إِنَّهُ حَدٌّ وَقَعَ لَنَا سَالِمٌ مِنَ اعْتِرَاضَاتٍ وَرَدَتْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْمُرَادُ بِارْتِفَاعِ الْحُكْمِ قَطْعُ تَعَلُّقِهِ بِالْمُكَلَّفِينَ؛ إِذِ الْحُكْمُ قَدِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ يُقَالُ: تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ. وَإِذَا جُنَّ يُقَالُ: ارْتَفَعَ عَنْهُ الْحُكْمُ؛ أَيْ: تَعَلَّقَهُ. وَلِذَا صَرَّحَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: رَفْعُ تَعَلُّقِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ. ثُمَّ لِكَوْنِ الرَّفْعِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الثُّبُوتِ، خَرَجَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْحُكْمِ، مُبَيِّنٌ لِغَايَتِهِ، لَا سِيَّمَا مَعَ التَّقْيِيدِ بِالسَّابِقِ. وَاحْتَرَزَ بِالشَّارِعِ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: خَبَرُ كَذَا نَاسِخٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا وَإِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْخَبَرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ إِنَّمَا حَصَلَ بِإِخْبَارِهِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ قَبْلُ. وَبِالْحُكْمِ السَّابِقِ مِنْ أَحْكَامِهِ عَنْ رَفْعِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا. وَلِلِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْحُكْمَ بِالشَّرْعِيِّ، وَقَالَ: لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي مُسْتَنَدُهَا الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَمْ تُنْسَخْ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَتْ بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ. وَلَكِنَّ هَذَا الْقَيْدَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ. وَبِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ عَنِ الرَّفْعِ بِالْمَوْتِ، وَكَذَا بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ وَالْجُنُونِ، وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ النَّائِمَ وَمَا بَعْدَهُ رُفِعَ الْحُكْمُ عَنْهُمْ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ -: ( «رُفِعَ الْقَلَمُ» ) ؛ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا كَمَا أَفَادَهُ الْأَصْبَهَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ فِي رَفْعِ الْحُكْمِ عَنْهُمْ ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ التَّعَقُّلُ، وَقَدِ اشْتَرَكُوا فِي عَدَمِهِ. وَالْحَدِيثُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّافِعَ هُوَ النَّوْمُ وَمَا مَعَهُ، لَا لَفْظُ الْخَبَرِ. وَبِلَاحِقٍ عَنِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ الْوَقْتِ؛ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّكُمْ لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا». فَالصَّوْمُ مَثَلًا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيْسَ بِنَسْخٍ مُتَأَخِّرٍ، وَإِنَّمَا الْمَأْمُورُ بِهِ مُؤَقَّتٌ، وَقَدِ انْقَضَى وَقْتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ الْمَأْمُورِ بِإِفْطَارِهِ. وَوَرَاءَ هَذَا أَنَّ الْبُلْقِينِيَّ زَادَ فِي الْحَدِّ كَوْنَ الْحُكْمِ الَّذِي رُفِعَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ؛ لِيُخْرِجَ بِهِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ مِنْ خَمْسِينَ إِلَى خَمْسٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا؛ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ، أَيْ: تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا؛ لِعَدَمِ إِبْلَاغِهِ لَهُمْ. فَأَمَّا فِي حَقِّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـفَمُحْتَمَلٌ، إِلَّا أَنْ يُلْمَحَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَهِيَ غَيْرُ مَسْأَلَةِ النَّسْخِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ؛ لِوُجُودِ التَّعَلُّقِ بِخِلَافِ الْبَيَانِ.
وَلَكِنْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْقَيْدَ قَبْلَ مَا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: الْحُكْمُ؛ إِذِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا قَبْلَ وُجُودِهِ تَنْجِيزِيًّا بَعْدُ، حَسْبَمَا أُخِذَ فِي حَدِّ الْحُكْمِ؛ حَيْثُ قِيلَ فِيهِ: خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفُ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّنْجِيزِ. فَحِينَئِذٍ لَفْظُ الْحُكْمِ يُغْنِي عَنْهُ. عَلَى أَنَّ فِي تَعْرِيفِ شَيْخِنَا السَّابِقِ مَا يُخْرِجُهُ. وَاخْتَارَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي تَعْرِيفِهِ
أَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِخِطَابٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَقْرَبُ الْحُدُودِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَوْنُهُ رَافِعًا هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِلَّا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ أَمَدِ الْحُكْمِ، وَالنَّاسِخُ مَا دَلَّ عَلَى الرَّفْعِ الْمَذْكُورِ، وَتَسْمِيَتُهُ نَاسِخًا مَجَازٌ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي هَذَا النَّوْعِ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْعِلْمِ، بَلْ هُوَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ أَشْبَهُ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْأَثِيرِ: مَعْرِفَةُ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْمُحَدِّثَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا، بَلْ هِيَ مِنْ وَظِيفَةِ الْفَقِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنْبِطُ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُحَدِّثُ فَوَظِيفَتُهُ أَنْ يَنْقُلَ وَيَرْوِيَ مَا سَمِعَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنْ تَصَدَّى لِمَا رَوَاهُ فَزِيَادَةٌ فِي الْفَضْلِ، وَكَمَالٌ فِي الِاخْتِيَارِ. انْتَهَى.
[فضله]
[يَنْبَغِي لِلْعَالَمِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَذَا الْفَنِّ] (وَهْوَ)؛ أَيْ: هَذَا النَّوْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، (قَمِنْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ؛ أَيْ: حَقِيقٌ، (أَنْ يُعْتَنَى بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ جَلِيلٌ ذُو غَوْرٍ وَغُمُوضٍ، دَارَتْ فِيهِ الرؤوس، وَتَاهَتْ فِي الْكَشْفِ عَنْ مَكْمُونِهِ النُّفُوسُ، بِحَيْثُ يَسْتَعْظِمُهُ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَدَارُ حَدِيثِ الْحِجَازِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ فِيهِ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فِي الْفُتْيَا.
وَقَالَ: إِنَّهُ أَعْيَا الْفُقَهَاءَ وَأَعْجَزَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا نَاسِخَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـمِنْ مَنْسُوخِهِ. (وَكَانَ) إِمَامُنَا (الشَّافِعِيُّ) (ذَا)؛ أَيْ: صَاحِبَ، (عِلْمِهِ)، لَهُ فِيهِ الْيَدُ الطُّولَى وَالسَّابِقَةُ الْأُولَى، فَخَاضَ تَيَّارَهُ وَكَشَفَ أَسْرَارَهُ، وَاسْتَنْبَطَ مَعِينَهُ وَاسْتَخْرَجَ دَفِينَهُ، وَاسْتَفْتَحَ بَابَهُ وَرَتَّبَ أَبْوَابَهُ ؛ وَلِذَا نَسَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ابْنَ وَارَةَ ؛ حَيْثُ قَدِمَ مِصْرَ وَلَمْ يَكْتُبْ كُتُبَهُ، إِلَى التَّفْرِيطِ، وَقَالَ: مَا عَرَفْنَا الْمُجْمَلَ مِنَ الْمُفَسَّرِ، وَلَا نَاسِخَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـمِنْ مَنْسُوخِهِ؛ حَتَّى جَالَسْنَاهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ نَرَ لَهُ فِيهِ تَصْنِيفًا مُسْتَقِلًّا، إِنَّمَا يُوجَدُ فِي غُضُونِ الْأَبْوَابِ مِنْ كُتُبِهِ مُفَرَّقًا، وَكَذَا فِي الرِّسَالَةِ لَهُ مِنْهُ أَحَادِيثُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ -، ثُمَّ كَانَ مُتَدَاوَلًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُتَفَرِّقًا فِي كُتُبِ شُرُوحِ السُّنَّةِ، إِلَى أَنْ جَرَّدَ لَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مُصَنَّفَاتٍ؛ كَأَبِي دَاوُدَ (صَاحِبِ السُّنَنِ)، وَأَبِي حَفْصِ بْنِ شَاهِينَ، وَكَابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُصَنَّفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الرَّدِّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ دَعْوَى النَّسْخِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ. ثَانِيهِمَا: فِي تَجْرِيدِ الْأَحَادِيثِ الْمَنْسُوخَةِ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ جِدًّا، وَكَالْحَازِمِيِّ فِي مُصَنَّفٍ حَافِلٍ، وَقَدْ قَرَأْتُهُ مَعَ ثَانِي تَصْنِيفَيِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ بِعُلُوٍّ. وَكَالْبُرْهَانِ الْجَعْبَرِيِّ.
وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِتَوَقُّفِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ. وَقَدْ مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [عليه السّلام]، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْهُ، بِقَاصٍّ فَقَالَ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ. وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ خَلَّطَ. وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَحْظَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآثَارِ إِلَّا بِآثَارٍ، وَلَمْ يُحَصِّلْ مِنْ طَرِيقِ الْأَخْبَارِ إِلَّا بِالْإِخْبَارِ أَنَّ الْخَطْبَ فِيهِ جَلَلٌ يَسِيرٌ، وَالْمَحْصُولَ مِنْهُ قَلِيلٌ غَيْرُ كَثِيرٍ، فَعَانَاهُ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِهِ فِي صِنَاعَتِهِ وَضَبْطِهِ، فَأَدْخَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ؛ لِخَفَاءِ مَعْنَى الْمَنْسُوخِ وَشَرْطِهِ.
[دَلَائِلُ النَّسْخِ]
(ثُمَّ بِنَصِّ الشَّارِعِ) ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ عَلَى إِبْطَالِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَتَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: هَذَا نَاسِخٌ، أَوْ فِي مَا مَعْنَاهُ؛ كَقَوْلِهِ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ». وَكَرَجْمِ مَاعِزٍ دُونَ جَلْدِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ». كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ. (أَوْ) بِنَصِّ (صَاحِبٍ) مِنْ أَصْحَابِهِ صَرِيحًا؛ كَقَوْلِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»، أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا شُرِعَ بِمَكَّةَ، وَالْآخَرَ بِالْمَدِينَةِ. (أَوْ) بِغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ كَأَنْ (عُرِفَ التَّارِيخُ) لِلْخَبَرَيْنِ الْمُتَعَذَّرِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَتَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ. (أَوْ أُجْمِعَ تَرْكًا)؛ أَيْ: عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِمَضْمُونِ الْحَدِيثِ. (بَانَ)؛ أَيْ: ظَهَرَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ نَصُّ الشَّارِعِ أَوِ الصَّحَابِيِّ أَوِ الْعِلْمُ بِالتَّارِيخِ أَوِ الْإِجْمَاعُ، (نَسْخٌ) لِلْحُكْمِ الْآخَرِ، وَأَصْرَحُهَا أَوَّلُهَا. وَأَمَّا ثَالِثُهَا فَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ. أَمَّا إِذَا فِي أَحَدِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ أَنَّهُ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْآخَرِ فَفِيهِ خِلَافٌ لِلْأُصُولِيِّينَ،
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ، وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ. وَحُجَّةُ الطَّرَفِ الْآخَرِ أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمُتَوَاتِرِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مُعِينٌ لِلنَّاسِخِ، لَا نَاسِخَ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ، وَالْآخَرَ مَنْسُوخٌ بِدُونِهِ.
وَكَذَا مَحَلُّ ثَانِيهِمَا فِيمَا إِذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ النَّقْلَ، أَوْ قَالَ: الْقَوْلُ بِكَذَا مَنْسُوخٌ، أَوْ: هَذَا هُوَ النَّاسِخُ. وَكَذَا إِنْ قَالَ: هَذَا نَاسِخٌ، وَذَكَرَ دَلِيلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: هَذَا نَاسِخٌ، أَوْ: هَذَا نَسْخٌ لِهَذَا، لَمْ يُرْجَعْ إِلَيْهِ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَالَهُ عَنِ اجْتِهَادٍ نَشَأَ عَنْ ظَنِّ مَا لَيْسَ بِنَسْخٍ نَسْخًا، لَا سِيَّمَا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَسْبَابِ النَّسْخِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَلَكِنْ قَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِأَهْلِ الْحَدِيثِ الْقَوْلَ بِمَعْرِفَةِ النَّسْخِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، بَلْ وَأَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا ؛ حَيْثُ ذَكَرَ الْأَدِلَّةَ الْأَرْبَعَةَ، فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (الْمَدْخَلِ) مِنْ طَرِيقِهِ: وَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إِلَّا بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ -، أَوْ بِوَقْتٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، أَوْ بِقَوْلِ مَنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ الْعَامَّةِ، يَعْنِي الْإِجْمَاعَ. وَهُوَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْضَحُ وَأَشْهَرُ؛ إِذِ النَّسْخُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَالصَّحَابَةُ أَوْرَعُ مِنْ أَنْ يَحْكُمَ أَحَدُهُمْ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِنَسْخٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ تَأَخُّرَ النَّاسِخِ عَنْهُ.
لَيْسَ مِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا يَرْوِيهِ الصَّحَابِيُّ الْمُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ مُعَارِضًا لِمُتَقَدِّمٍ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ؛ لِتَجْوِيزِ سَمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ بَعْدَ الْمُتَأَخِّرِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ أَقْدَمَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِ الْمَذْكُورِ أَوْ مِثْلِهِ فَأَرْسَلَهُ، لَكِنْ إِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيَتَّجِهُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَحَمَّلْ عَنِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ شَيْئًا قَبْلَ إِسْلَامِهِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِلتَّجْوِيزِ السَّابِقِ قَرِيبًا. وَحِينَئِذٍ فَطُرُقُ كَوْنِ حَدِيثِ شَدَّادٍ الْمَرْفُوعِ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّهُ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ)؛ لِكَوْنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّمَا صَحِبَهُ مُحْرِمًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَشَدَّادٌ قُيِّدَ حَدِيثُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ؛ إِمَّا بِزَمَنِ الْفَتْحِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَكَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَإِمَّا بِرَمَضَانَ كَمَا فِي أُخْرَى، وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَحَجَّةُ الْوَدَاعِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ رَمَضَانُ.
احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَحَمَّلَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: وَإِسْنَادُ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا مُشْتَبِهٌ. قَالَ: وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمْثَلُهُمَا إِسْنَادًا.
(وَ) أَمَّا رَابِعُهَا فَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ نَاسِخًا. بَلِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْمُحَدِّثِيِنَ وَالْأُصُولِيِّينَ إِنَّمَا (رَأَوْا دِلَالَةَ الْإِجْمَاعِ) عَلَى وُجُودِ نَاسِخٍ غَيْرِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ بِالْإِجْمَاعِ يُسْتَدَلُّ عَلَى وُجُودِ خَبَرٍ مَعَهُ يَقَعُ بِهِ النَّسْخُ، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَسَائِرِ الْمُطْلِقِينَ، (لَا) أَنَّهُمْ رَأَوْا (النَّسْخَ بِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ بِمُجَرَّدِهِ؛ إِذْ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بَعْدَ الرَّسُولِ، وَبَعْدَهُ ارْتَفَعَ النَّسْخُ، وَكَذَا لَا يُنْسَخُ. وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ ؛ كَنَسْخِ رَمَضَانَ صَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ فِي الْمَالِ، وَ(كَـ) حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَجَابِرٍ، وَجَرِيرٍ، وَشُرَحْبِيلَ بْنِ أَوْسٍ، وَالشَّرِيدِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَغُطَيْفٍ، وَأَبِي الرَّمْدَاءِ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا فِي (الْقَتْلِ) لِشَارِبِ الْخَمْرِ (فِي) مَرَّةٍ (رَابِعَةٍ) صَدَرَتْ مِنْهُ بَعْدَ شُرْبِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ قَبْلَهَا، أَوْ فِي مَرَّةٍ خَامِسَةٍ، كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (بِـ) سَبَبِ (شُرْبِهِ)؛ حَيْثُ حَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ جَامِعِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: قَتْلُ الشَّارِبِ فِي الْخَامِسَةِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَا يُخْدَشُ الْإِجْمَاعُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: (ايتُونِي بِرَجُلٍ أُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، يَعْنِي ثَلَاثًا، ثُمَّ سَكِرَ فَإِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ فَأَنَا كَذَّابٌ).
وَلَا بِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ رَأَيْتُ أَحَدًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَاسْتَطَعْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ لَقَتَلْتُهُ). وَلَا بِحِكَايَةِ الْقَتْلِ فِي الرَّابِعَةِ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِ أَهْلِ الظَّاهِرِ؛ مِنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ، قَالُوا بِهِ؛ لِانْقِطَاعِ أَوَّلِهِمَا؛ فَإِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ عَمْرٍو كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ، وَلِلِينِ سَنَدِ ثَانِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهِمَا حُجَّةٌ، كَمَا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيمَا عَدَاهُمَا؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ.
وَأَمَّا خِلَافُ الظَّاهِرِيَّةِ فَلَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ. وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَبْقَ لِمَنْ رَدَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَرْكِ الْقَتْلِ مُتَمَسَّكٌ، حَتَّى وَلَوْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ الْعُذْرُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ نُدْرَةِ الْخِلَافِ.
وَلِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي الْجُمْلَةِ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْكِ الْقَتْلِ فِي الرَّابِعَةِ، وَاسْتَثْنَى شَاذًّا مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ، بَلْ وُقُوعُ الْخِلَافِ قَدِيمًا لَا يَمْنَعُ حُصُولَ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَلَفَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ شَيْخِنَا فِي (فَتْحِ الْبَارِي) عَقِبَ حِكَايَةِ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ بَعْدُ؛ لِنَقْلِ غَيْرِهِ الْقَوْلَ بِهِ، وَأَشَارَ لِمَا تَقَدَّمَ. وَمِمَّنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ أَيْضًا النَّوَوِيُّ، وَقَالَ: الْقَوْلُ بِالْقَتْلِ قَوْلٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ مَنْسُوخٌ؛ إِمَّا بِحَدِيثِ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ». وَإِمَّا بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ. انْتَهَى.
هَذَا كُلُّهُ مَعَ وُرُودِ نَاسِخٍ مِنْ حَدِيثَيْ جَابِرٍ وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، بِحَيْثُ عَمِلَ بِمَضْمُونِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ الْإِطَالَةِ بِهَا. قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمِنْ مِثْلِ مَعْرِفَةِ النَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ قَالَ لِوَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ وَرَجُلٍ آخَرَ: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءَ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ»، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ.
فَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ الصَّيْرَفِيَّ شَارِحَ (الرِّسَالَةِ) لَمْ يَجْعَلِ الْإِجْمَاعَ دَلِيلًا عَلَى تَعَيُّنِ الْمَصِيرِ لِلنَّسْخِ، بَلْ جَعَلَهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ النَّسْخِ وَالْغَلَطِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ (الدَّلَائِلِ): فَإِنْ أُجْمِعَ عَلَى إِبْطَالِ حُكْمِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ غَلَطٌ - يَعْنِي مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ - وَالْآخَرُ ثَابِتٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ.
الاكثر قراءة في علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)