قال «أندري مروا» الكاتب الفرنسي العظيم في كتابه Aspects de la Biographie P. 177:
إن الأدب لا يُقاس بالنمو والتقدم، فلا يمكننا القول: إن تنسون الشاعر الإنجليزي أعظم من «هومر» الشاعر اليوناني القديم، أو إن «بروست» أعظم من «منتاني»؛ لأن الأدب ينساب في نغمة إيقاعية ولا يسير في خط متصل، فلكل من الأدباء وقته وظروفه.
وقيمة الأدب القديم في أنه يرينا اللبنة الأولى في بناء الأدب، والجهودَ التي بذلها الأدباء القدماء في خدمته حتى وصل إلى مظهره الحديث، فلا وجه إذن للمقارنة بين الآداب القديمة — بما فيها المصري والبابلي — وبين الآداب الحديثة؛ إذ إن الثانية نتيجة نمو الأولى وتطورها، وبين الأدبين في جملتهما فروق من جهات ثلاث:
الأولى: أن الأدب المصري لم ينتج لنا أدبًا نفسيًّا عميقًا كالأدب الحديث.
الثانية: أن الأدب المصري قدرته محدودة في تصوير الجو الذي يناسب القصة.
الثالثة: قوة التأثير والأسر.
فأما عن الناحية الأولى، فترى أن المصري لم يهمل التحليل النفسي جملة، بل أخذ منه بطرف كما نرى في قصة «سنوهيت» التي حلَّلت لنا ناحية من نفسيته حين نفي عن بلاده واشتاق إلى وطنه، ولكن ذلك يُعتبَر يسيرًا إذا قرَنَّاه بالتحليل العميق الذي يلجأ إليه فحول علم النفس الآن في قصصهم الرائعة، مثل قصة Daisy Miller التي كتبها «هنري جيمس»، أو قصة الاتصال السامي Die Wahlverwandlachaften التي كتبها «جيته» الألماني الفذ في أدبه، ومع ذلك فإن التحليل النفسي الذي نقرؤه في قصة «سنوهيت» المذكورة خير مما نجده في قصص الجن والعفاريت الشائعة في آداب العالم عامة. ولا يضير الأديب المصري أن تحليله خلا من العمق والروعة، فيكفيه فخرًا أنه وضع الأساس وجاء غيره فشيَّد على قواعده، ثم جاء التطور الحديث فأعلى البناء وزخرفه.
وأما الناحية الثانية، ناحية الجو الذي يخلقه الأديب لقصته أو لموضوعه فينتقل بالقارئ إلى العالم الذي يريده؛ فهذه أيضًا للمصري فيها نصيب المؤسِّس الأول، فإن أول مأساة — دراما — وُضِعت على صورة تمثيلية، كانت من فعل الأدباء المصريين، وترجع بتاريخها إلى عهد الأسرة الأولى، انظر Sethe, Dramatische Texte zu Altaegyptischen Mysterien spielen.
وهذه المأساة تشبه رواية تمثيل آلام المسيح وموته كما كانت تمثل في القرون الوسطى، ولم تصل المآسي التي ابتكرها المصريون في قوتها ما وصلته عند الإغريق وفي عصرنا الحاضر، ولا تقتصر الحاجة إلى الجو المناسب عند تأليف القصة أو الشعر القصصي، بل قد تحتاج إليه أيضًا في الشعر الغنائي كما نجده في كتابات «هومر» اليوناني — الإلياذة — وفي كتابات «فرجيل» — الإنياد — وقد وجدنا أثرًا لتصوير الجو الأدبي في الكتابات البابلية — جلجاش — ولكنه قليل، وليست المأساة المصرية السابقة هي كل ما وصلنا عن هذا النوع، فإننا نجد ذلك «الجو الأدبي» مصوَّرًا في قصة «سنوهيت»، وفي قصة «ونامون»؛ إذ إن قارئ هاتين القصتين لا يلبث أن ينتقل مع بطليهما إلى سوريا ويرى بعينهما ويحكم برأيهما، وقد تكون وسيلة المؤلف ساذجة، ولكنها على كل حال تُحدِث الأثر المطلوب، وتمتاز عن القصص الأخرى التي فقدت هذه الميزة والتي يقصها مؤلِّفها ببساطة مثل قصة «الأخوين»، وقصة الملك «خوفو والسحرة»، وغيرهما من القصص(1). وإذا كانت هذه القصص الأخيرة بمثابة قطع من الحلوى يستحلبها الأطفال في أفواههم، فإن قصتي «سنوهيت» و«نامون» غذاء عظيم للرجال الرشداء، ولا جدال في أنهما أقدم قصتين قصيرتين جيدتين في العالم كانتا ذخيرة للأدب العالمي، وإن لم تصلا في موضوعهما إلى نظائرهما في العصر الحديث.
بقيت الناحية الثالثة، وهي قوة التأثير وشدة الأسر، وهذه ترجع إلى عاملين: الألفاظ، والصوت. فإن اجتمع اللفظ العذب الرشيق مع الصوت المناسب أخذ بمجامع القلوب، وجذب الأنظار والأفكار، أما الألفاظ الجميلة فاللغة المصرية غنية بها، ونراها في موضوع «شجار بين إنسان سئم الحياة وروحه»، وفي خطب «الفلاح الفصيح» التي استهوت الملك نفسه، وأما سحر اللفظ ووقعه في النفس فقد حرمناه؛ لأن اللغة المصرية تنقصها الحياة والحركة.
وجملة القول أن مصر كان لها أدب قومي منذ 2000ق.م وأن هذا الأدب هو وليد حيويتها، ولم تأخذه عن غيرها، أو تتأثر فيه بغيرها، وهو وإن لم يبلغ مرتبة الأدب الحديث إلا أن له فضلَ الخلق والسبق والتأصيل.
وإذا كان الأدب المصري قد أخذ يتدهور في العصور المتأخرة، فإنه ترك الزمام للأمة اليونانية حتى تخلق بتفكيرها في أجواء عالية منه على سنَّة التدرُّج طبعًا؛ فإنه ليس في مقدور الأدب الإغريقي ولا الفن الإغريقي أن يولدا كاملي النمو كما ولدت «فينوس» (الزهراء) ناضجةً كاملة النمو من أمواج البحر، فالأدب المصري غذَّى الأدب العبري والأدب الإغريقي، فشبَّا ولَعِبَا دوريهما في الحياة، ونشك بحق في مقدرة الأدب اليوناني والأدب العبري على بلوغ المرتبة التي وصل إليها كلٌّ منهما، إذا لم يتخذا من الأدب المصري عونًا على النمو والارتقاء بطريقة لا نزال نجهلها.
....................................................
1- هذا الجو نجده كثيرًا مصوَّرًا في الشعر الجاهلي، حينما يصف الشاعرُ الديارَ ويبكي الأطلال والدمن (راجع المعلقات).