هل للشكر حد
قال تعالى : {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ } [الزخرف: 13، 14].
قال أبو بصير : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : هل للشكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا ؟ قال : « نعم ».
قلت : ما هو ؟ قال : « يحمد اللّه على كل نعمة عليه في أهل ومال ، وإن كان فيما أنعم عليه في ماله حق أداه ، ومنه قوله عزّ وجلّ : سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ، ومنه قوله تعالى : {رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ } [المؤمنون: 29] ، وقوله تعالى : {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] « 1 ».
وقال الأصبغ بن نباتة : أمسكت لأمير المؤمنين عليه السّلام بالرّكاب ، وهو يريد أن يركب ، فرفع رأسه ثم تبسّم ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، رأيتك رفعت رأسك ، ثم تبسّمت ؟
قال : « نعم يا أصبغ ، أمسكت أنا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما أمسكت أنت لي الركاب ، فرفع رأسه وتبسم ، فسألته عن تبسمه كما سألتني ، وسأخبرك كما أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . أمسكت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بغلته الشهباء ، فرفع رأسه إلى السماء وتبسم ، فقلت : يا رسول اللّه ، رفعت رأسك [ إلى السماء ] وتبسمت ، لماذا ؟ فقال : يا علي ، إنه ليس أحد يركب فيقرأ آية الكرسي ، ثم يقول :
استغفر اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ، وأتوب إليه ، اللهم اغفر لي ذنوبي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، إلا قال السيد الكريم : يا ملائكتي ، عبدي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري ، اشهدوا أني قد غفرت له ذنوبه » « 2 ».
وقال علي بن أسباط : حملت متاعا إلى مكة فكسد عليّ ، فجئت إلى المدينة ، فدخلت على أبي الحسن الرضا عليه السّلام ، فقلت : جعلت فداك ، إني قد حملت متاعا إلى مكة ، وكسد عليّ ، وأردت مصر ، فأركب برا أو بحرا ؟
فقال : « مصر الحتوف ، ويقيض إليها أقصر الناس أعمارا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
لا تغسلوا رؤوسكم بطينها ، ولا تشربوا في فخارها ، فإنه يورث الذلة ، ويذهب بالغيرة ».
ثم قال : « لا ، عليك أن تأتي مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فتصلي ركعتين ، وتستخير اللّه مائة مرة ومرة ، فإذا عزمت على شيء ، وركبت البر ، واستويت على راحلتك ، فقل : {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ} ، فإنه ما ركب أحد ظهرا قط فقال هذا وسقط ، إلا لم يصبه كسر ولا وبال ولا وهن . وإن ركبت بحرا ، فقل [ حين تركب ] : {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] ، فإذا ضربت بك الأمواج فاتكىء على يسارك ، وأشر إلى الموج بيدك ، وقل : اسكن بسكينة اللّه ، وقرّ بقرار اللّه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه ».
قال علي بن أسباط : قد ركبت البحر ، وكان إذا هاج الموج قلت كما أمرني أبو الحسن عليه السّلام ، فيتنفس الموج ، ولا يصيبنا منه شيء . فقلت :
جعلت فداك ، ما السّكينة ؟ قال : « ريح من الجنة ، لها وجه كوجه الإنسان ، طيبة ، وكانت مع الأنبياء ، وتكون مع المؤمنين » « 3 ».
وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « ذكر النعمة أن تقول : الحمد للّه الذي هدانا للإسلام ، وعلمنا القرآن ومنّ علينا بمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وتقول بعده : سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا إلى آخر الآية » « 4».
________________
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 78 ، ح 12 ، والآية من سورة الإسراء : 80 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 281 .
( 3 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 282 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 63 .