إِیَّا: ضَمِيرٌ مُنفَصِلٌ للـمَنصُوبِ، وَالکَافُ وَالهَاءُ وَالیَاءُ اللَّاحِقَة بِهَا في إِیَّاكَ وَإِیَّاهُ وَإِیَّاي؛ لبَیَانِ الخِطَابِ وَالغَیبَة وَالتَّکَلُّم، وَلا مَحلَّ لهَا مِنَ الإِعرَابِ؛ إِذ هِي حَرفٌ عِندَ الـمُحَقِّقین، وَلَیسَت بِأَسمَاءٍ مُضمَرَةٍ کَما قالَ بَعضُهُم[1].
وَتَقدِیمُ الـمَفعُولِ لِقَصدِ الإختِصَاصِ، أَي: نَخُصُّكَ بِالعِبَادَةِ، وَنَخُصُّكَ بِطَلَبِ الـمَعونَةِ[2].
وَالعِبَادَةُ: ضِربٌ مِنَ الشُّکرِ، وغَایَةٌ فِیه، وَهي أَقصَى غَايَةُ الخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ؛ وَلِذَلك لَا تَحسُنُ إلَّا للَّـهِ[3].
وَإِنَّمَا عَدِلَ فِیهِ عَن لَفظِ الغَیبَةِ إِلى لَفظِ الخِطَابِ عَلى عَادَة العَرَبِ فِي تَفَنُّنِهم في مُحَاوَرَاتِهم، وَیُسَمَّى هَذَا إِلتِفَاتَاً، وَقَد یَکُونُ مِنَ الغَیبَةِ إلى الخِطَاب، ومِنَ الِخطَابِ إِلَى الغَیبَة، وَمِنَ الغَیبَةِ إِلى التَّكلُّمِ، کَقَولِه سُبحَانَه: }حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم{[4]وقَولُه: }وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ{[5].
وَأَمَّا الفَائدَةُ الـمُختَصَّةُ بِه فِي هَذَا الـمَوضِعِ؛ فهي: إنَّه الـمَعبُود، وَالحَقِيقُ بِالحَمدِ وَالثَّنَاءِ لـمِا أَجرَى عَلَیه.
وَقَدَّم نَعبُدُ عَلَى نَستَعِینَ؛ أَي: العِبَادَةُ عَلَی الإِستِعَانَةِ؛ لأَنَّكَ بَعدَ أَن قُلتَ: إِیَّاكَ یَا مَن هَذِه صِفَاتُه، نَخَصُّ بِالعِبَادَةِ وَالإستعَانَة؛ فَلأَنَّ تَقدِیمَ الوَسِیلَة یَکُونُ قَبلَ طَلَبِ الحَاجَةِ لِیَستَوجَّبُوا الإِجَابَةَ إِلَیهَا.
وَأُطلِقَت الإِستِعَانَةُ لِیتَنَاوَلَ کُلُّ مُستَعَانٍ فِیهِ، وَالأَحسَنُ أن یُرَاد الإِستِغَاثَةُ بِه، فَهوَ حَقِيقَةٌ عَلَى أَدَائه العِبَادَة[6].
فَیکُونُ قَولُه: }ٱهْدِنَا{ بَیانَاً لِلـمَطلُوبِ مِن الـمَعًونَةِ، کَأنَّهُ قِیلَ: کَیفَ أُعِینُکُم؟ فَقَالًوا: إهدِنَا الصِّرَاطَ الـمُستَقِیمِ.
[1] ينظر: تفسير أبي السعود: 116، زبدة التفاسير، الكاشاني: 1/29، مقتنيات الدرر، الحائري: 1/17.
[2] الكشاف عن حقائق التأويل، الزمخشري: 1/56.
[3] التبيان في تفسير القرآن، الطوسي: 2/82،مجمع البيان في تفسير القرآن،الطبرسي: 1/473.
[6] جوامع الجامع، الطبرسي: 1/56.