لا يوجد في الإسلام أي سلطة تشريعية لا فردية ولا جماعية ولا مشرّع إلّا الله وحده، وأمّا الفقهاء والمجتهدون فليسوا بمشرعين بل هم متخصصون في معرفة تشريعه سبحانه ووظيفتهم الكشف عن الأحكام بعد الرجوع إلى مصادرها وجعلها في متناول الناس.
وأمّا ما تعورف في القرن الأخير من إقامة مجالس النواب أو الأمة أو الشورى في البلاد الإسلامية ، فليست لها وظيفة سوى التخطيط لإعطاء البرامج للمسئولين في الحكومات في ضوء القوانين الإلهية لتنفيذها. والتخطيط غير التقنين كما هو واضح.
وعلى ذلك فهناك مقنّن ومشرّع وهو الله سبحانه ، كما أنّ هناك مبيّن وكاشف عن القوانين وهو الفقيه ، وهناك جماعة الخبراء الواقفون على المصالح والمفاسد وشأنهم التخطيط والبرمجة في مجالات الزراعة والتنمية والاقتصاد والصناعة وغير ذلك ممّا لا تتم الحياة في هذه العصور إلّا به وهم نواب الأمة ووكلاؤهم في تلك المجالس.
ثم إنّ هناك آيات في الذكر الحكيم تدل بوضوح على اختصاص التشريع بالله سبحانه ، نذكر بعضا منها :
قال سبحانه : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (1).
وقال سبحانه : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2).
وقال سبحانه : (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (3).
فهذه المقاطع الثلاثة تعرب عن انحصار حق التقنين بالله سبحانه وذلك لأنه يصف كل من حكم بغير ما أنزل الله تارة بالكفر وأخرى بالظلم وثالثة بالفسق ، فهم كافرون لأنهم يخالفون التشريع الإلهي بالرّد والإنكار والجحود ، وظالمون لأنهم يسلّمون حق التقنين الذي هو مختص بالله سبحانه إلى غيره ، وفاسقون لأنهم خرجوا بهذا الفعل عن طاعة الله تعالى.
وباختصار ، يعدّ الحكم صنفين : حكم الله تبارك وتعالى وحكم الجاهلية ويقول : (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (4).
«فالحكم حكمان ، حكم الله وحكم أهل الجاهلية فمن أخطأ بحكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية» (5).
وعلى ضوء ذلك فالسلطات التشريعية السائدة في العالم ، إذا كان تشريعها مطابقا لتشريع الله سبحانه فهو حكم الله ، ولو أضيف إلى المجالس فقد سبقه التشريع الإلهي ولم يكن حاجة لتشريعه. وإن كان على خلافه فهو حكم الجاهلية حسب النصّ الشريف.
____________
(1) سورة المائدة: الآية 44.
(2) سورة المائدة: الآية 45.
(3) سورة المائدة: الآية 47.
(4) سورة المائدة: الآية 50.
(5) من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 3.