يستفاد بجلاء من مطالعة عقائد الوثنية في كتب الملل والنحل أنّ مسألة التّوحيد في الخالقية كانت موضع اتفاق ، وأنّ الانحراف كان في مسألة التدبير أولا ، والعبادة ثانيا. فكان الوثنيون موحدين في أمر الخلقة مشركين في الربوبية ثم في العبادة.
وكان الشّرك في العبادة عاما ، بخلاف الشّرك في التدبير فلم يكن مثله في السعة والشمول.
وما ذكرناه يجده التالي للكتاب العزيز ، قال سبحانه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (1) : ومثله في سورة الزّمر ، الآية 38.
وقال سبحانه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (2).
وقال سبحانه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (3).
وهذه الآيات تعرفنا موقف الوثنيّين في مسألة التوحيد في الخالقية ، وأنّ تلك العقيدة كانت عامة للمشركين أو لأكثرهم في الجزيرة العربية.
نعم ، كان الاعتقاد بوجود مبدأين وخالقين لهذا العالم ، أحدهما : «يزدان» والآخر «أهريمن» أمرا مشهورا بين «الزرادشتيين» ولكن عقيدتهم تحيط بها هالة من الإبهام والغموض ، كعقيدة البراهمة والبوذيين والهندوكيين في هذا المجال والبحث فيه خارج عن إطار الموضوع وقد تقدم شيء عنهم آنفا.
وأمّا مسألة التوحيد في التدبير فلم تكن أمرا مسلّما عندهم ، بل الشرك في التدبير كان شائعا بين الوثنيين ، حيث كانوا يقولون بأنه ليس للكون سوى خالق واحد وهو موجد السّماوات والأرض وخالقهما ولكنه بعد أن خلق الكون فوّض تدبير بعض أموره إلى واحد أو أكثر من خيار خلقه ، واعتزل هو أمر التدبير. وهذه المخلوقات المفوّض إليها أمر التدبير كانت في نظر هؤلاء عبارة عن «الملائكة» و «الجنّ» و«الكواكب» و «الأرواح المقدسة» و... التي تكفلت كل واحدة منها تدبير جانب من جوانب الكون على حدّ زعمهم.
إنّ عبدة الكواكب والنجوم في عصر بطل التوحيد «إبراهيم» كانوا من المشركين في أمر التدبير ، حيث كانوا يعتقدون بأنّ الأجرام العلوية هي المتصرفة في النظام السفلي من العالم وأنّ أمر تدبير الكون ومنه الإنسان ، فوّض إليها فهي أرباب لهذا العالم ومدبرات له لا خالقات له (4). ولأجل ذلك نجد أنّ إبراهيم يرد عليهم بإبطال ربوبيتها عن طريق الإشارة إلى أفولها وغروبها ويقول : إذا كانت هذه الأجرام حسب زعمكم هي المدبرات للموجودات الأرضية ومنها الإنسان ، فيجب أن يكون لها إشراف دائم على المدبّرات ، واتصال دائم بالعالم السفلي الذي يقع تحت تدبيرها ولكنه لا يجتمع مع الأفول والغروب ، لأنهما يستلزمان غيبة المدبّر عن مدبّره بالفتح وجهله بحاله ، فيكون دليلا قاطعا على عدم كونها مدبّرة للموجودات الأرضية.
ولأجل أنّ شرك عبدة الأجرام كان شركا في الربوبية والتدبير نرى أنّ إبراهيم يستعمل في طرح عقيدتهم وردّها لفظ «الربّ». يقول سبحانه حاكيا عنه : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي) (5). وقال أيضا : (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي) (6). فاستعمل لفظة «الربّ» فيهما وفي غيرهما من الآيات الواردة في احتجاجه مع المشركين ، ولم يستعمل كلمة «الخالق» ، للفرق الواضح بين التوحيدين وعدم إنكارهم التوحيد الأول وإصرارهم على الشّرك في الثاني.
وأمّا لفظة «الرّب» في لغة العرب فهي بمعنى المتصرف والمدبّر والمتحمل أمر تربية الشيء ، وكأنه بمعنى الصاحب. وهذه ، أعني التدبير والتصرف ، من لوازم كون الشخص صاحبا ومالكا. فربّ الضيعة يقوم بأمرها ، وربّ البيت والغنم يقوم بالتصرف اللازم فيهما.
وباختصار ، إنّ في زعم المشركين أنّ مقام الخلق غير التدبير وأنّ الذي يرتبط بالله إنما هو الخلق والإيجاد وأمّا التدبير فيتعلق بموجودات أخرى غير الله سبحانه وتعالى. فهي المتصرفات فيه وقد فوّض إليها تدبير عالم الطبيعة ، وليست لله تعالى أية دخالة في أمر تدبير الكون وإدارته وتنظيم شئونه والتصرف فيه.
هذه حقيقة الشّرك في التدبير ووجه الفرق بينه وبين الشّرك في الخالقية
______________
(1) سورة لقمان: الآية 25.
(2) سورة الزخرف: الآية 9.
(3) سورة الزخرف : الآية 87.
(4) سيأتي البحث في التفويض عند البحث في التوحيد في العبادة.
(5) سورة الأنعام : الآية 76.
(6) سورة الأنعام : الآية 77.