كان طالوت قد أعلن عند حشد الجيوش والتعبئة العامة إعفاء المسنين. والمرضى والمديونين المعسرين والتجار المشغولين والشباب الخاطبين والمعقودين على زوجات لم يدخلوا بهنّ حتى الآن أو على وشك الدخول بهن و... من الحضور في ميادين القتال[1]؛ وقصر دعوته على مشاركة الشباب الأصحاء وغير المسؤولين عن شيء فقط بحيث يمكنهم أن يكونوا من ذوي البطش الشديد.
ولما كان بنو إسرائيل. أو الملأ منهم. غير راضين عن قيادة طالوت، وعصى العدد الكبير منهم عند امتحانهم بنهر الماء وشربهم منه، كانت نتيجة ذلك انقطاع صلتهم بقيادة طالوت علناً وعملاً؛ حيث إنهم جميعاً كانوا قد سمعوا قول طالوت: (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) [البقرة: 249].
وهناك نظريتان حول مسألة عبور النهر :
1. إحداهما ينقلها الطبري عن ابن عباس والسدي وابن جريح، وهي تقول بأن كلا المؤمن والكافر قد عبرا النهر[2].
2. ما ينقله الطبري وغيره من بعض المفسرين من أن الذين عبروا هم المؤمنون فقط[3]، لكن المتفق عليه أن الكافرين قد تسلّلوا تدريجياً ولم يشتركوا في القتال.
والذي يفهم من الآية التي هي مورد البحث أن الذين عبروا النهر كانوا هم طالوت والذين آمنوا به وتبعوه ويرى الطبري ومن يشاركه رأيه من المتقدمين، وصاحب المنار ومؤيدوه من المتأخرين أن العابرين كان فيهم المؤمن والكافر دون تخصيص[4]، في حين يرى أبو القاسم البلخي ومَن يرى رأيه أنّ الذين عبروا النهر هم فقط طالوت ومن آمن به[5].
ويتلخص استدلال الطبري على رأيه. الذي حظي بقبول بعض المتأخرين أيضاً ـ في أن (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [البقرة: 249] لا تفيد الحصر من جهة، ومن جهةٍ أُخرى أن القائلين (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) [البقرة: 249] كانوا هم الكافرين؛ إذ إنهم يقعون في قبال (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ) [البقرة: 249][6]، ومن المعلوم أن الذي يقف في مقابل الذين يظنّون لقاء الله هم الأشخاص الذين يظنون عدم ملاقاته، أو الذين يشكون في أصل الملاقاة مع الله، كما أن من الواضح أيضاً أن ظن عدم وجود القيامة أو الشك فيها هو كفر؛ إذن فقد كان هناك موقفان حول مسألة اتخاذ القرار بالحرب يتمثلان برأي المؤمنين ورأي الكافرين.
ومما ذكرنا يلزم الإذعان بعبور الكافرين للنهر كما عبره المؤمنون، ووصولهم إلى ساحة المواجهة مع جالوت وجنوده، وإن كان عبورهم ووصولهم إلى ميدان المعركة متأخراً عن عبور طالوت والمؤمنين إذ كانوا مشغولين بالشرب والارتواء. وهذا يناقض فتوى البعض القائلين بوجود نظريتين حول الحرب: إحداهما لأهل الاعتراف القائلين (لَا طَاقَةَ لَنَا...) [البقرة: 249] والأخرى للمشار إليهم: (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) [البقرة: 249] إذ الإيمان على درجات.
[1] راجع: الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 294؛ التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 179.
[2] جامع البيان، ج 2، ص 823؛ التبيان، ج 2، ص 295.
[3] راجع جامع البيان، ج 2، ص 823؛ التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص182.
[4] جامع البیان، ج 2، ص 823؛ تفسير المنار، ج 2، ص 487.
[5] التبيان، ج 2، ص 296؛ مجمع البیان، ج 1-2، ص 618.
[6] راجع: تفسير المنار، ج 2، ص 488.