نشأة نماذج الاتصال وتطورها:
لا يمكن القول بأن نماذج الاتصال بالمفهوم الحديث كانت في أذهان المفكرين من العصور السابقة، ولكن تكوين هذه النماذج كان متوافرا في نظريات وآراء بعض المفكرين والفلاسفة والعلماء، حيث عنى بعض هؤلاء بالاتصال وأثره فى الناس، فأفلاطون كان يرى أن المجتمع وحدة متكاملة تشبه الجسم الإنساني، والعلاقات التي تربط الأفراد هي التي تربط بين أجزاء المجتمع، وأكد أنه من الأهمية بمكان إحاطة الحاكم بعادات المجتمع ورغباته حتى يمكنه قيادته بنجاح.
ويعتبر أرسطو من المفكرين الذين اهتموا بالاتصال اهتماما مباشرا في كتابه الخطابة: إذ يرى أنها القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أية مسألة من المسائل، بل يقسم الاتصال إلى ثلاثة عناصر: الخطيب والجمهور والخطبة، أى المرسل والجمهور والرسالة مما يجعل نموذج أرسطو من النماذج الأولى في دراسة الاتصال.
(أ) نموذج أرسطو:
بادئ ذي بدء نؤكد أن أرسطو لم يضع نموذجا أو نظرية مستقلة في الاتصال، ولكنه وضع أسسا علمية لا تزال قائمة للتفاعل بين الخطيب والجمهور تقوم على أن يُعد الخطيب خطبته بصورة شيقة وجذابة ومقنعة حتى يمكن أن تؤثر فى الجماهير بالصورة المستهدفة.
يقسم أرسطو الموقف الاتصالى إلى ثلاثة عناصر على النحو الآتي:
1- الخطيب أو المرسل وأوجب أرسطو على الخطيب أن يدرك ما يعتمل في نفوس الجمهور من قيم ومبادئ ومعايير، لأن إدراك الجمهور لرسالته يتوقف على تفسيره لها.
2- الخطبة أو الرسالة: وهى أساس الاتصال عنده حيث يسعى الخطيب إلى إبلاغ الجمهور برسالة.
3- الجمهور أو المستقبل: واستلزم أرسطو دراسة خصائص هذا الجمهور حتى ينجح الخطيب في خطبته.
ويفتقد نموذج أرسطو إلى عناصر هامة كالوسيلة ورجع الصدى، حيث لم تكن هذه العناصر موجودة أو معروفة، فهو نموذج يتفق مع التطور الاجتماعي القائم آنذاك.
(ب) نموذج ابن خلدون:
يمكن تلخيص الموقف الاتصالي عند ابن خلدون في العناصر الآتية:
1- المرسل:
يرى ابن خلدون أن الناقلين الأخصائيين فى الاتصال لا يعرفون القصد مما عاينوا أو سمعوا، وينقلون الخبر على ما فى ظنهم وتخمينهم فيقعون في الكذب في كثير من الأحيان.
2- الرسالة:
يرى أبن خلدون أهمية الرسالة في ذاتها للوقوف على مدى اتفاقها مع طبيعة الأمور والظروف والملابسات التي يحيكها الراوى (المرسل) ومناقشة مادة تلك الرسالة (الرواية).
3- المستقبل:
أوجب ابن خلدون على المستقبل التأكد من أمانة الراوى وصدقه وسلامة ذهنه وطهارة عقيدته ومتانة خلقه وقيمته الشخصية.
(ج)- نموذج هارولد لازويل:
يعتبر نموذج هارولد لازويل Lasswell من أهم النماذج في الاتصال حتى أن هذا النموذج يظهر فى دراسات بعض الباحثين في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، بل إن بعض الباحثين يقسمون بحوثهم وفقا لهذا النموذج.
يقترح عالم السياسة لازويل وصف السلوك الاتصالي بالإجابة عن خمسة أسئلة هي:
- من؟
- يقول ماذا؟
- بأي وسيلة؟
- لمن؟
- وبأي تأثير؟
حيث إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل عناصر العملية الاتصالية، وعلى الرغم من أنه نموذج مبسط، إلا أن من الممكن تطبيقه في كافة المجالات الإعلامية والدعائية والإعلانية، حيث يتيح إمكانية تنظيم البدائل والمتغيرات التي تواجه القائم بالاتصال عن طريق الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي توضح المحددات الأساسية لعملية الاتصال على النحو الآتي:
1 - المرسل أو القائم بالاتصال: سواء أكان صحفيا أم مذيعا أم أى شخص مماثل يسعى لتوجيه رسالة.
2 - الرسالة: أو المضمون أو مجموعة الأفكار والمعاني المراد توصيلها إلى جمهور معين وهي مطبوعة أو مسموعة أو مرئية.
3- الوسيلة: التى تحمل الرسالة كالصحف أو الراديو أو التليفزيون أو السينما أو البريد أو الملصقات أو اللوحات.. إلخ.
4- الجمهور أو المستقبل: الفئات المختلفة للجمهور الذين توجه لهم الرسائل الإعلامية.
5- الأثر: وهو الناتج النهائى للجهود الاتصالية سواء أكان لزيادة المعلومات أو تدعيم الاتجاهات أو تغييرها أو خلق آراء عن موضوعات جديدة... إلخ.
نقد النموذج:
ويتزعم بعض العلماء توجيه - وخاصة بعض علماء الاجتماع المهتمين بضرورة البحث عن نماذج أخرى غير نموذج هارولد لازويل - انتقادات عديدة للنموذج الذي يعتمد عليه غالبية الباحثين، ومن هؤلاء فرنسيس بال Balle, F وأوليفيه برجلان ,Burelin وكلوتييه Cloutier,J وستيفنسون Stephenson.
* ومن أهم الانتقادات الموجهة أن لازويل اهتم بالقائم بالاتصال باعتباره قادرا على الإقناع وتجاهل تماما المجال والمناخ الاجتماعي الذي يتم الاتصال في إطاره، وتناسى العامل الإيدلوجي، وأعاد روبرت اسکاربیت Escarpit صياغته على النحو الآتي:
- من؟
- يستقبل ماذا؟
- في أي جماعة؟
- بغية أي تأثير؟
* وعدل ريمون نيكسون Nixon, R النموذج على النحو الآتي:
- من؟
- يقول ماذا؟
- ولمن؟
- ما هو تأثير ما يقال؟
- في أي ظروف؟
- ولأى هدف؟
على أساس أنه قد لا يختلف تأثير الرسالة عن الهدف منها تحت تأثير عوامل كثيرة من بينها الظروف التي يتم فيها الاتصال.
* وقدمت آن ماری لولان Laulan, M نموذجا من ستة مؤشرات منبثقة من نموذج لازويل هي:
- من؟
- يفعل ماذا؟
- لمن؟
- أين؟
- كيف؟
- ومتى؟