كانت منطقةُ فلسطين ولبنان من أهمِّ مراكز استئناسِ الحيوانات — لا سيما الأغنام والمَعْز — وذلك منذ الألفِ السابعِ قبلَ الميلاد (1). هذا، ويعتقد البعضُ بأنَّ استئناسَ المَعْز كان قد تم في مرحلةٍ زمنيةٍ معاصرةٍ لاستئناس الكلبِ في بلادِ الشامِ، مستندين في ذلك إلى كثرةِ ما عُثر عليه من بقايا عظميةٍ لمَعْزٍ وأغنامٍ وكلابٍ في العديدِ من مواقع جنوب بلاد الشام، كانت قد أُرِّخت بالألفِ التاسعِ ق.م. تقريبًا (2).
وربما كانت المَعْزُ من أولِ الحيواناتِ التي استُؤنست بغرض الاعتماد عليها في الغذاء، وانتشرت عبْر صحراءِ النقبِ ومواقع شرق البحر المتوسط وسيناء، وكانت لها أهميتها الكبرى في تلك الأراضي، لا سيما أهميتها الاقتصادية (3)، إذ كان امتلاكُ عددٍ ضخمٍ من قطعانِ المَعْزِ والأغنامِ، يجعل من صاحبها مالكًا للقوة وصاحبًا للثراء، هذا بخلاف قيمتها كمصدر هامٍّ للغذاء (4). ولا شكَّ أنَّ هيمنة المَعْز تدلُّ على اختيارٍ مقصودٍ لها؛ فالمَعْزُ من الحيواناتِ السهلةِ المأخذِ أكثر من غيرها، استأنسها الإنسان ليؤمِّن بها غذاءه، وكان استئناس المَعْز بمثابة الخطوة الأولى نحو إنتاج الطعام (5).
ولقد عُثر في مغارة شقبة بوادي النطوف على بقايا حيوانيةٍ وتقدُماتٍ نذريةٍ اشتملت على عظامٍ لمَعْزٍ، وتماثيل أو هيئاتٍ حيوانيةٍ من الطين تمثِّل أنواعًا من الحيوانات المستأنسةِ كان المَعْز من بينها (6)، ولعل ذلك يدلُّنا على ما كان لهذه الحيوانات من دورٍ طقسيٍّ عقائديٍّ، قد يكون له مغزًى دينيٌّ أو سحريٌّ معينٌ (7).
وفي الخيام (8) ⋆ عُثر على الكثيرِ من البقايا العظميةِ الحيوانيةِ لصغارِ المَعْزِ، بلغت نسبتها حوالي 83٪ من إجمالي ما عُثر عليه من عظامٍ حيوانيةٍ، وتبيَّن بالدراسة أنَّ حوالي 2٪ من عظامِ تلك المَعْزِ، كانت قد ضُحِّي بها قبل أن تبلغ الشهر الأول من عمرها، ولم يُعثر في تلك العظام على أيٍّ من آثار الطهي أو نزعِ اللحم. ويرى كوفان أنَّ تلك البقايا العظميةَ التي عُثر عليها لصغار المَعْز، إنما هي نوعٌ من العاداتِ الطقسيةِ التي تمثَّلت في التضحيةِ بالمَعْزِ الصغيرةِ، لاعتباراتٍ دينيةٍ أكثر منها اقتصاديةً، وأنَّ مثل تلك العادةِ ليست من عاداتِ مجتمعاتِ الصيدِ، وأنَّ الدليل على الدورِ الدينيِّ لمثل تلك الأضحياتِ الحيوانيةِ، هو إغفالُ المبررِ الاقتصاديِّ والخسارةِ الاقتصاديةِ التي قد تترتَّب على القيامِ بذبح كل تلك المَعْزِ الصغيرةِ (9).
وأشار دوكو إلى أنَّ ذلك ربما يمثِّل أقدمَ دليلٍ على عادةِ التضحيةِ بالحيواناتِ التي سادت في العصور التاريخية في فلسطين، وتمثَّلت خاصةً في ذبح وتقديم الحيواناتِ الحديثةِ الولادةِ بشكلٍ شعائريٍّ (10)، فكانت المَعْز بذلك من الحيواناتِ التي كان يُفضَّل التضحيةُ بها لا سيما في فلسطين (11)، ويلاحظ أنه قد عُثر في مصر على شبيهِ ذلك؛ إذ جاءت مثل هذه الظاهرة في جبَّانة هيراكونبوليس وهليوبوليس.
وبالقرب من نحال بيسور (12)، ⋆ عُثر على سلسلةٍ من الحُفرِ المتعددةِ، على مساحةٍ تقدَّر بحوالي 50م، وبها عُثر على العديدِ من العظامِ الحيوانيةِ، وذلك بأربعة مستوياتٍ من مستويات الموقع، تُؤرَّخ بالعصرِ البرونزيِّ المبكرِ الأول، تنوَّعت تلك العظام الحيوانية ما بين عظام خنازير، ومَعْزٍ، ووعولٍ، وماشيةٍ، إلا أنَّ الغلبةَ فيها كانت لعظامِ المَعْز (13).
وفي منطقة عقير، عُثر على جبَّانةٍ تُؤرَّخ بنهايةِ الألفِ الثالثِ ق.م.، وبها عُثر على حوالي 46 دفنةً آدميةً كان بها الكثيرُ من العظامِ الحيوانيةِ، كان أغلبها لمَعْزٍ، وفي واحدةٍ من تلك الدفناتِ الآدميةِ، عُثر على هيكلٍ حيوانيٍّ شبهِ كاملٍ لماعزٍ، ربما كانت أضحيةً حيوانيةً، تُؤرَّخ الدفنة بالعصرِ البرونزيِّ المبكرِ (14).
وتشير تلك الكمياتُ الضخمةُ من العظامِ الحيوانيةِ التي عُثر عليها، إلى نوعٍ من الممارساتِ ذات الصبغةِ الطقسيةِ أو الشعائرية، والمتمثلة في ذبح بعض الحيوانات، وتقديمها للمتوفَّى، لا سيما وأنَّه بالفعل كان قد عُثر على تلك البقايا العظمية الحيوانية، في العديد من المقابر الآدمية وكانت الغلبةُ فيها للمَعْز، وهي من الحيوانات التي كانت معتادةَ الذبح آنذاك (15).
ولقد تكرَّر العثورُ على مثل تلك الأضاحي الحيوانية — لا سيما المَعْز — في العديد من الدفناتِ الآدميةِ في أريحا، وفي العديد من المواقع الأخرى، مما يؤكِّد على الأهمية الاقتصادية والاجتماعية والدينية لتلك الحيوانات كما سبق ذكره (16).
وكان من الدلائل الأخرى المؤكدة على ارتباط المَعْز بالعقيدة الدينية، ما جاء في تلِّ رماد من تمائمَ على هيئةِ رأس عنزة في العديد من المقابر الآدمية، التي ربما ارتبطت بأغراضٍ سحريةٍ، ضمانًا للخصوبةِ والنجاحِ في صيد الأنواع البرية من المَعْز (17).
الغرض من دفنات المَعْز
كان للمَعْزِ دورُها الطقسيُّ، الذي لا شكَّ كان له مغزاه الدينيُّ أو السحريُّ (18). فمن خلالِ ما عُثر عليه من دفناتٍ حيوانيةٍ للمَعْزِ، في بعضِ مواقعِ بلادِ الشام، ومن خلال دراسةِ مثل تلك الدفناتِ الحيوانيةِ، وما قد تشير إليه من أبعادٍ دينيةٍ وعقائديةٍ، أمكن لنا الخروجُ بنتيجة فحواها أنَّ المَعْز كانت من أكثر الحيوانات التي استُخدمت كأضحيةٍ حيوانيةٍ (19)، ولربما كان يُضحَّى بها بغرضِ استمرارِ الانتفاعِ منها. ويشهد على ذلك ما جاء بموقع الخيام (20).
ويرى Cooper أنَّ تلك العادة تتعلَّق إلى حدٍّ كبيرٍ بتقديسِ المَعْزِ؛ إذ رأى أنَّ المَعْز كانت قد ارتبطت في ذهن أهل بلادِ الشامِ بالتغيُّرِ وعدم الثبات والتجدد، وذلك لأنها من الحيوانات التي لا تستقرُّ في مكانٍ واحدٍ، وإنما تغيِّر أماكن تواجدها من وقتٍ لآخر، فاعتبروها بناءً على ذلك رمزًا للحيويةِ والتجدُّد.
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنهم كانوا قد اعتبروا سكناها للأماكن العالية رمزًا للسموِّ والارتفاعِ، واعتبروها أيضًا أحد رموز الخصوبة (21) .
وقد لعِبت المَعْز دورًا اقتصاديًّا هامًّا ببلادِ الشامِ؛ إذ كان امتلاكُ عددٍ ضخمٍ من قطعان المَعْز والأغنام، يجعل من صاحبها مالكًا للقوةِ وصاحبًا للثراء، هذا بخلاف قيمتها كمصدرٍ هامٍّ للغذاء (22).
ولقد تشابه الغرضُ من دفناتِ المَعْز في بلاد الشام مع الغرض من دفناتِ المَعْزِ في مصر، لا سيما في اعتبارها أو النظرِ إليها كواحدةٍ من أهم حيوانات الأضحية، وإن اختلفت طبيعةُ ما عُثر عليه من دفناتٍ للمَعْز في مصر، عنها في بلادِ الشام.
...................................................
(1) Mellaart, T., “The earliest settlements in western Asia, from the ninth to the end of the fifth Millennium B.C.” in: C. A. H, vol. 1 and 2, pp. 4-5, Ducos, P., “Methodology and results of the study of the earliest domesticated animals in the near east (Palestine)” in: Peter, J. UCKO and Dimplepy, G. W., The domestication and Exploitation of plants and animals, Chicago, 1969, pp. 265–266.
(2) Wasse, A., “Final results of an analysis of the sheep end goat bones from Ain Ghazal, Jordan” in: Levant, Vol. 34, 2002, pp. 59-60, 68.
(3) Davis, S. M. T., The Age profile of gazelles predated by ancient man in Israel: possible evidence for a shift from seasonality to sedentism in the Natufian” in: paleoriènt, Vol. 9/1, 1983, p. 140; Borowski, O., Op. Cit., p. 39.
(4) William and Lancaster, F., “Limitations on sheep and goat herding in the eastern Badia of Jordan: an anthnoarchaeological enquiry” in: levant, Vol. 23, 1991, pp. 133, 135; Bannig, E. B., “Herders … or homesteaders? a Neolithic form in Wadi Ziqlab, Jordan” in B. A., vol. 58, 1995, p. 4.
(5) جاك كوفان، «ديانات العصر الحجري الحديث في بلاد الشام»، ص48. سالم سليمان العيسى، مرجع سابق، ص120؛ Cranstone, B. A. L., “Animal husbandry: the evidence from ethnography” in: UCKO, P. J., The domestication end exploitation of plants and animals, Chicago, 1969, pp. 247, 261.
(6) De Vaux, R. P., Palestine during the Neolithic and Chalcolithic, Cambridge, 1966, p. 6.
عز الدين غريبة، «فلسطين تاريخها وحضارتها»، منشورات اتحاد المؤرخين العرب، 1981م، ص62–63.
«يعتقد أن يكون استئناس المَعْز عُرف أولًا في بلاد الشام، غرب آسيا، ثم انتقل إلى مصر».
(7) Rice, M, Egypt’s making, p. 48.
(8) ⋆ الخيام: قرية ظهرت بها حضارة عُرفت باسم الحضارة الخيامية، وكانت بدايتها معاصرة للمريبط (9000ق.م.) واستمرَّت بعد ذلك بكثير، واتَّسمت ببعض المزايا الدينية لا سيما عبادة الثور تمامًا كالمريبط.
(9) Cauvin, J., “le Moyen Euphrate syrien et les premieres societe’s Agro-pastorals” in: AAAS, Vof 43, 1999, p. 56.
(10) أشرف زكريا، مرجع سابق، ص121–122. جاك كوفان، المرجع السابق، ص44–48. جاك كوفان، «القرى الأولى في بلاد الشام»، ص 165.
(11) Bodenheimer, F. S., Animal and man in Bible lands, Leiden, 1960, p. 212.
(12) ⋆ تقع نحال بيسور شمال غرب صحراء النقب بوادي غزة، وبها عُثر على ثلاثة مستويات للإشغال تُؤرَّخ بالعصر البرونزي المبكِّر.
(13) Horwitz, L. M., and Tehernov, E., “The archaeozoology of three early Bronze age sites in Nahal Besor, north western Negev” in: Vanden Brink and Eliyannai, inquest of ancient settlements and landscapes, Tel Aviv University, 2002, pp. 112–116, 124.
«سادت البقايا العظمية للمَعْز — لا سيما صغار المَعْز — في بعض المناطق، وسادت البقايا العظمية لصغار الغزلان في مناطقَ أخرى، وأحيانًا وُجِدت عظامُ كليهما معًا في العديد من المواقع، ويدُل ذلك على تبادلهما الأهمية، لا سيما الأهمية الاقتصادية في بلاد الشام».
Zeuner, F., History of domesticated animals, London, 1963, p. 132; Davis, S. M. T., The archaeology of animals, London, 1987, p. 140.
(14) London, G. A., “Homage to the elders” in: BA, Vol. 50, 1987, pp. 70–72.
(15) Ibid., pp. 72–74.
(16) Maher, E. F., “Food for the gods: sacred animal use at Tel Miqne-Akron” in: A. N., no. 7, 2002, p. 11.
كانت المَعْز من أكثرِ الحيوانات المستأنسة انتشارًا وتواجدًا في أريحا، وكان لها دورها الاقتصادي الهام هناك: Mellaart, T., Op. Cit., p. 21.
(17) De Contenson, H., “Tell Ramad, a village of Syria of the 7th and 6th millenniam B.C.” in: Archaeology, Vol. 24, 1971, p. 278.
خزعل الماجدي، «أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ»، ص111.
(18) محمد رياض، «الإنسان – دراسة في النوع والحضارة»، بيروت، 1974م، ص 556.
(19) Cauvin, J., Op. Cit., p. 56; Bodenheiner, F. S., Op. Cit., p. 212.
(20) Ibid., p. 56.
(21) Cooper, J. C., An illustrated encyclopedia of traditional symbols, London, 1993, p. 74.
(22) William and Lancaster, F., “Limitations on sheep and goat herding in the eastern Badia of Jordan: An Anthnoarchaeological Enquiry” in: Levant, Vol. 23, 1991, p. 133, 135; Bannig, E. B., “Herders … or homesteaders? a Neolithic form in Wadi Ziqlab, Jordan” in: B. A., vol. 58, 1995, p. 4.