التزام المحكم بالإخطار
المؤلف:
يقين كريم محيبس
المصدر:
التزام المحكم بضمان التوازن الاجرائي بين الخصوم في أطار العلاقات الخاصة الدولية
الجزء والصفحة:
ص 86-96
2026-10-18
16
إن الالتزام بالإخطار في عقود التجارة الدولية هو عبارة عن التزام يرتبط بالشفافية أي بمدى صدق وصراحة المحكّم في تقديم المعلومات للأطراف المتنازعة، فلا يجوز له إخفاء شيء عن أي طرف أو تركه مخدوعا في أمر يعلم حقيقته(1).
وهناك عدة تسميات فقهية لالتزام بالإخطار، لا تخرج عن تسميات الالتزام بالأخبار أو الالتزام بالتبصير أو الالتزام بالإعلان (2)، فيلزم القانون المحكّم إعلام الأطراف بما لديه من بيانات ومعلومات وحقائق تتعلق بموضوع النزاع؛ ومن أجل أن يضع طرفي العقد في صورة دراية وعلم بكل ما يجري من تغيرات وتطورات من بينها الوقائع التي تنتج بسبب قوة قاهرة والغاية من ذلك من أن يتخذ كل طرف أي إجراء يراه مناسب بشرط عدم الأضرار بالطرف الاخر لتفادي الخسائر التي قد تصيبه ولو لم يقم المحكم بهذا الالتزام (3).
ويعرف جانب آخر الأخطار، هو التزام يقع على عاتق المحكم بإحاطة أطراف النزاع علماً بكافة الظروف والمستجدات التي من شأنها إعاقة سير إجراءات التحكيم أو التأثير على حيادته واستقلاله، وهو التزام يتأسس على مبدأ حسن النية الإجرائي، ويفرض بدوره واجب التعاون المثمر بين المحكّم والخصوم لضمان سلامة العملية التحكيمية (4).
ويعرفه جانب آخر، هو التزام المحكّم في حال طرأ أي ظرف أو قوة قاهرة تعطل مهمته بالمبادرة إلى إخطار الأطراف بهذا الحدث في أقرب وقت ممكن؛ بهدف تلافي عنصر المفاجأة الذي قد يضر بمصالح الدفاع، ولتمكين الأطراف من تدارك المخاطر واتخاذ الإجراءات التحفظية المناسبة في الوقت الملائم (5).
ويستمد هذا الالتزام أساسه الجوهري من مبدأ المواجهة، إذ يحظر على المحكّم اتخاذ أي تدبير أو الاستناد إلى أي مستند دون تمكين الأطراف المعنية من العلم به، وذلك لضمان فرص متكافئة لممارسة حقهم المقدس في الدفاع والرد(6).
وتعرف الباحثة الإخطار بأنه التزام إجرائي يفرض على المحكّم إحاطة الأطراف بكافة الوقائع والإجراءات التنظيمية للدعوى، تفعيلاً لمبدأ المواجهة، وضماناً للعلم اليقيني الذي يتيح ممارسة حق الدفاع، وينفي عنصر المفاجأة أو الجهالة أثناء سير التحكيم.
وعليه فإن التزام المحكّم بالإخطار لا ينصرف إلى مجرد إعلام شكلي، وإنما يخضع لجملة من المبادئ العامة التي تسيطر على بيانات الإخطار ،ذاته، وتحدد مدى صحته وآثاره الإجرائية.
وفي هذا الإطار، فإنّ العبرة في بيانات الإخطار لا تكون بالتقيد الحرفي بالشكل، وإنما بتحقق الغاية التي شرع من أجلها الإخطار، والمتمثلة في إحاطة أطراف النزاع علمًا حقيقيًا بما يجري من إجراءات.
ومن ثم، يخضع الإخطار لمبدأ تكافؤ البيانات، ومؤداه أنّ بيانات الإخطار تعد متكافئة متى أدت الغرض المقصود منها، ولو شابها نقص أو خطأ غير جوهري طالما أمكن استدراك هذا النقص أو تصحيحه، أو أمكن استخلاص البيان الصحيح من مجمل البيانات الواردة فيه.
ويستند هذا المبدأ إلى فكرة مرونة الشكل والاقتصاد في الإجراءات، وتجنب الآثار غير المرغوب فيها للبطلان الشكلي.
كما تخضع بيانات الإخطار لمبدأ مرونة الشكل، إذ لا يشترط استعمال ألفاظ أو عبارات محددة ما دام الإخطار يؤدي إلى الدلالة على المقصود منه دلالة واضحة فلا يعتد بالشكل لذاته، وإنما بما يحققه من علم حقيقي لدى المخاطب، متى كان البيان كافيا لتحقيق الغاية التي ابتغاها الإجراء.
وفي الوقت ذاته، فإنّ الإخطار يتمتع بطابع رسمي باعتباره إجراءً من إجراءات الخصومة، بما يضفي عليه حجية فيما ورد به من بيانات إلى أن يثبت عكسها. غير أن هذه الرسمية لا تمتد إلى كل بيان على نحو مطلق، وإنما تقتصر على البيانات التي يتطلبها القانون لتحقيق الغاية الإجرائية، دون أن تحول دون تصحيح ما قد يشوب الإخطار من نقص غير جوهري(7).
ويستفاد كذلك من المبادئ الحاكمة لبيانات الإخطار، أنّ البطلان لا يفترض ولا يحكم به لمجرد مخالفة شكلية، وإنما يشترط أن يكون النقص أو الخطأ في البيان قد ترتب عليه ضرر فعلي يتمثل في الإخلال بحق العلم أو المساس بحق الدفاع، أما إذا تحققت الغاية من الإخطار وأنتفى الضرر فلا محل للقول ببطلانه.
وعلى هذا الأساس، فأنّ بيانات الإخطار تقيم في ضوء الغاية التي تؤديها لا في ضوء شكلها المجرد، ويعتد بها متى حققت علم أطراف الخصومة بالإجراء ومكنتهم من ترتيب أوضاعهم الإجرائية على نحو سليم بما ينسجم مع طبيعة الالتزام بالإخطار بوصفه ضمانة إجرائية لا وسيلة لتعطيل الخصومة أو إثقالها بالشكليات (8).
ويقتضي الالتزام بالإخطار وجود محل يرد عليه، إذ يتعين على المحكم إخطار أطراف النزاع بوقوع الحدث محل الإخطار فور تحققه، وفي أقرب وقت ممكن بما يمكنهم من اتخاذ ما يلزم من إجراءات مناسبة لمواجهة آثاره (9).
كما يجب أن يتم الإخطار خلال مدة ملائمة تتناسب مع طبيعة الحدث وأهميته، وبما لا يجاوز في جميع الأحوال الأجل المحدد لذلك وهو ما يعبر عنه فقهيا بوجوب إتمام الإخطار دون إبطاء (10).
أما موقف مشروع قانون التحكيم العراقي من التزام المحكّم بالإخطار، فيلاحظ أنه لم يورد تنظيماً عاماً ومباشراً لهذا الالتزام تحت تسمية مستقلة، ولم يستعمل مصطلح «الإخطار» بوصفه واجباً إجرائياً جامعاً، وإنما عالج مضمونه من خلال نصوص متفرقة استعمل فيها لفظ «التبليغ» أو «التسليم» بحسب طبيعة الإجراء.
فقد ألزمت المادة (20/أولاً) "هيئة التحكيم بأن تتولى تبليغ الأطراف بموعد المرافعة بوقت مناسب"، وهو النص الأوضح في تقرير واجب الهيئة بإعلام الخصوم بالإجراءات التي تمس حقهم في الحضور والدفاع.
كما عزز المشروع هذا الاتجاه في المادة (23 / رابعاً/أ) عندما أوجب تبليغ جميع البيانات والمستندات والمعلومات التي يقدمها أحد الطرفين إلى الطرف الآخر، وكذلك تبليغه بأي تقرير خبير أو دلیل مستندي قد تعتمد عليه هيئة التحكيم في قرارها".
ويستفاد من ذلك أنّ المشروع لم ينظر إلى الإخطار بوصفه إجراء شكلياً فحسب، بل بوصفه ضمانة لازمة لتحقيق المواجهة وتكافؤ الفرص وحق الدفاع بين أطراف الخصومة التحكيمية. ومع ذلك، يؤخذ على المشروع أنّه لم يضع قاعدة عامة تنظم وسائل الإخطار ومواعيده وآثاره بصورة دقيقة، واكتفى بمعالجات جزئية، الأمر الذي يجعل الالتزام بالإخطار مستفاداً من مجموع النصوص لا من نص عام مستقل.
فلم ينص في قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 المعدل صراحة على التزام المحكم بإخطار أطراف الخصومة بمواعيد جلسات التحكيم وإجراءاته، وإن كان قد نظم التبليغات القضائية بوجه عام. كما أوجب في المادة (271) " بعد ان يصدر المحكمون قرارهم على الوجه المتقدم يجب عليهم اعطاء صورة منه لكل من الطرفين وتسليم القرار مع أصل اتفاق التحكيم الى المحكمة المختصة بالنزاع خلال ثلاثة الايام التالية لصدوره وذلك بوصل يوقع عليه كاتب المحكمة".
أما في قانون التحكيم المصري رقم (27) لسنة 1994 ، فقد كأن موقف المشرع أكثر وضوحاً؛ إذ وضع في المادة (7) قاعدة عامة لكيفية تسليم الرسائل والإعلانات في التحكيم، ثم ربط ذلك بضمانة المساواة وحق الدفاع في المادة (26) ، التي أوجبت معاملة طرفي التحكيم على قدم المساواة وتهيئة فرصة متكافئة وكاملة لكل منهما لعرض دعواه".
كما نصت المادة (33/ثانيا) صراحة على وجوب إخطار طرفي التحكيم بمواعيد الجلسات والاجتماعات التي تقرر هيئة التحكيم عقدها، قبل التاريخ المحدد لها بوقت كافٍ تقدره الهيئة بحسب الظروف".
ولم يقف القانون عند إخطار الجلسات، بل أوجب في المادة (31) إرسال صورة الامر الذي يقدمه أحد الطرفين من مذكرات أو مستندات إلى الطرف الآخر، وكذلك صورة من تقارير الخبراء والمستندات والأدلة المقدمة إلى الهيئة؛ الأمر الذي يجعل الإخطار في القانون المصري ضمانة جوهرية لتحقيق المواجهة وتكافؤ الفرص لا مجرد إجراء شكلي.
أما في القانون الفرنسي، فأن المشرع لم يعالج الإخطار بذات التفصيل اللفظي الموجود في القانون المصري، وإنما ربطه بالمبادئ الحاكمة للخصومة التحكيمية، فالمادة (1464) من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي قررت أنّ هيئة التحكيم تحدد الإجراءات، مع بقاء المبادئ الأساسية للمحاكمة واجبة الاحترام، كما ألزمت الأطراف والمحكمين بالسرعة والنزاهة في إدارة الخصومة.
أما على الصعيد الدولي، فقد أكدت اتفاقية نيويورك لعام 1958 أهمية الإخطار بوصفه إحدى الضمانات الأساسية لحق الدفاع، إذ أجازت المادة الخامسة / 1 / ب رفض الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه متى ثبت أن الطرف المحتج عليه بالحكم لم يُخطر إخطارًا صحيحًا بتعيين المحكم أو بإجراءات التحكيم، أو تعذر عليه لسبب آخر عرض دفاعه. وبذلك، وإن لم تضع الاتفاقية تنظيمًا تفصيليا لآلية الإخطار، فإنها رتبت على الإخلال به أثرًا يمس قابلية الحكم للاعتراف والتنفيذ.
وقد اتخذ قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي موقفًا أكثر وضوحًا بشأن الإخطار، إذ أوجب في المادة (2/24) منح الطرفين إخطارًا مسبقًا بوقت كافٍ عن جلسات الاستماع وعن اجتماعات هيئة التحكيم المخصصة للمعاينة ، كما أوجبت الفقرة الثالثة من المادة ذاتها إبلاغ كل طرف بما يقدمه الطرف الآخر من بيانات ومستندات ومعلومات، فضلا عن تقارير الخبراء وأدلة الإثبات التي قد تستند إليها هيئة التحكيم في إصدار حكمها. ويكشف ذلك عن ارتباط الإخطار ارتباطا وثيقا بضمان حق الدفاع وتحقيق المساواة والمواجهة بين الخصوم.
ولا يكتمل بيان موقف التشريعات من التزام المحكّم بالإخطار إلا ببيان موقف القضاء، إذ أنّ التطبيق القضائي يمثل المعيار العملي لمدى فاعلية النصوص التشريعية، ويكشف عن الكيفية التي تعاملت بها المحاكم مع الإخلال بهذا الالتزام وآثاره في صحة إجراءات التحكيم وحكمه.
ومن ثم، يقتضي الأمر الوقوف على موقف القضاء المقارن من الالتزام بالإخطار، ولا سيما القضاء العراقي والمصري والفرنسي للوقوف على مدى اعتباره الإخطار ضمانة إجرائية يترتب على الإخلال بها بطلان حكم التحكيم أو رفض تنفيذه.
أما في موقف القضاء العراقي، فيُلاحظ أن القضاء لم يقف عند مضمون النزاع التحكيمي فحسب، وإنما امتدت رقابته إلى مدى مراعاة القرار التحكيمي للمتطلبات الشكلية والإجرائية اللازمة لصحته، فقد ذهبت محكمة التمييز الاتحادية إلى إلغاء قرار التحكيم عند الإخلال بالأمور الشكلية الجوهرية التي تؤثر في صحة القرار، وهو اتجاه يمكن الاستناد إليه للقول أن الإخطار، بوصفه إجراء شكليا جوهريا يهدف إلى تمكين الخصم من العلم بإجراءات التحكيم وممارسة حقه في الدفاع، يدخل ضمن نطاق هذه الرقابة. ومن ثم، فأنّ عدم التزام المحكم بالإخطار الصحيح يمكن أن يشكل سببًا لإبطال قرار التحكيم متى ترتب عليه المساس بحق الدفاع أو الإخلال بالتوازن الإجرائي بين الخصوم (11).
اتجه القضاء المصري إلى اعتبار الإخطار الصحيح بتعيين المحكم وبإجراءات التحكيم يمثل ضمانة أساسية لكفالة حق الدفاع، وإن الإخلال به لا يؤدي إلى بطلان حكم التحكيم، إلا إذا ترتب عليه حرمان أحد الخصوم من تقديم دفاعه.
كما أكدت محكمة النقض المصرية أن حالات بطلان حكم التحكيم واردة على سبيل الحصر في المادة (53) من قانون التحكيم رقم (27) لسنة 1994، ومن بينها حالة تعذر تقديم أحد طرفي التحكيم لدفاعه بسبب عدم إعلانه إعلانا صحيحًا بتعيين محكم أو بإجراءات التحكيم أو لأي سبب آخر خارج عن إرادته، وكذلك إذا وقع بطلان في إجراءات التحكيم وكأنّ لهذا البطلان أثر في الحكم (12).
أما على صعيد القضاء الفرنسي، فقد اتجه إلى التشدد في التحقق من صحة الإخطار في إجراءات التحكيم، وعده من الضمانات الأساسية لحق الدفاع ومبدأ المواجهة، ويتضح ذلك من حكم محكمة استئناف باريس الصادر في 1 أكتوبر 2024 في القضية رقم (11112/21)، إذ قضت بإلغاء الأمر القاضي بمنح الصيغة التنفيذية لحكم التحكيم، بعد أن تبين لها أن الدولة الليبية لم تخطر إخطارًا صحيحًا بإجراءات التحكيم وأنّ الإخطارات وجهت إلى عناوين بريد إلكتروني واردة في العقد الأصلي، دون أن تتضمن اتفاقية التحكيم ذاتها تحديدا لوسائل الإخطار المتعلقة بالإجراءات التحكيمية. ورأت المحكمة أن استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي يمنع الاكتفاء بوسائل الإخطار المنصوص عليها في العقد، الأمر الذي أدى إلى حرمان أحد أطراف النزاع من ممارسة حقه في الدفاع، وهو ما يشكل مخالفة لمبدأ المواجهة المنصوص عليه في المادة (4/1520) من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، الأمر الذي يبرر رفض تنفيذ الحكم التحكيمي (13).
وإذا كان الإخطار يمثل التزامًا إجرائيا يقع على عاتق المحكم، فأنّ هذا الالتزام لا يقصد به مجرد القيام بإجراء شكلي، وإنما يستهدف تحقيق غاية محددة تتمثل في (علم أطراف الخصومة) بالإجراءات المتخذة في مواجهتهم.
ومن ثم، يقتضي الأمر التمييز بين الإخطار بوصفه التزاما إجرائيا، والعلم بوصفه الأثر المقصود من هذا الالتزام الأمر الذي يستوجب بحث العلاقة بينهما وحدود كفاية الإخطار في ذاته لتحقيق هذا العلم.
وتأصيلا لذلك، فأن هذا العلم لا يقف عند حدود الإجراءات الوضعية، بل يجد جذوره في مبادئ القانون الطبيعي التي أسبغت على حقوق الدفاع قدسية خاصة، واعتبرت حق الخصم في العلم بمنزلة قدس الأقداس من هذه الحقوق(14).
وتكمن العلة في ذلك في ضرورة وضع الخصم أمام مسؤولياته وتمحيص مركزه القانوني فمتى تحقق العلم اليقيني أمكن التمييز بدقة بين موقف القصور وموقف الحرمان.
فإذا عجز الخصم عن رد الادعاء بعد علمه ،به كان عجزه قصورًا موضوعيًا مرده افتقاره للحجة والبرهان لا فسادا في إجراءات المواجهة، وحينئذ لا يكون لخسارته محل من الظلم الإجرائي إذ استقر في الضمير القانوني والفقهي وتأسيسا على القواعد الشرعية المستقرة أنه لا عبرة بحق يدعيه صاحبه ما لم يملك نفاذا له أو دليلاً ينهض به في مواجهة خصمه(15).
ومن ثم يعتبر حق العلم أحد مكونات فكرة العدالة لأن عدمه ظلم ولذلك قد نصت اغلب التشريعات الدولية والإقليمية فضلا عن التشريعات الوطنية لذا اعتبرت الاخلال بحق العلم في خصومة التحكيم سببا مستقلا لبطلان الحكم ومانعا من موانع التنفيذ.
أما بخصوص موقف القوانين من حق العلم وابتدائها بموقف قانون المرافعات المدنية العراقية حيث نص في المادة (273) على أربعة أسباب للطعن ببطلان حكم المحكّم يجوز للخصوم عندما يطرح قرار المحكمين على المحكمة المختصة أن يتمسكوا ببطلانه وللمحكمة من تلقاء نفسها أن تبطله في الاحوال الاتية
- إذا كان قد صدر بغير بيئة تحريرية، أو بناءً على اتفاق باطل، أو إذا كان القرار قد خرج عن حدود الاتفاق.
- إذا خالف القرار قاعدة من قواعد النظام العام، أو الآداب، أو قاعدة من قواعد التحكيم المبينة في هذا القانون.
- إذا تحقق سبب من الأسباب التي يجوز من أجلها اعادة المحاكمة.
- إذا وقع خطأ جوهري في القرار، أو في الاجراءات التي تؤثر في صحة القرار(16)، كما نصت المادة (1/265) "يجب على المحكمين اتباع الأوضاع والإجراءات المقررة في قانون المرافعات ..........
ويفهم من المادتين أعلاه أنّه يجب على المحكمين اتباع الأوضاع والإجراءات المقررة في قانون المرافعات المدنية العراقي، ومن بينها أعمال حق العلم والاخطار (17) ، ولا يمكن للطرفين اعفاء المحكمين منها وبذات الاتجاه ذهبت أيضا المادة (266) من القانون نفسه (18).
ويؤيد الباحث ما ذهب به قانون المرافعات المدنية العراقي، بالتزام المحكم بالإخطار والعلم، لكونهما من الالتزامات الجوهرية التي تقع على عاتقه قبل بدء الخصومة التحكيمية، كما لا يمتلك المحكم سلطة تجاوز هذا الاجراء أو حتى تعطيله، كما لا يملك الأطراف سلطة الاتفاق على مخالفته أو إسقاطه.
وأما بخصوص موقف قانون التحكيم المصري حيث ذهبت المادة (53) منه "لا تقبل دعوى البطلان حكم التحكيم الا في الأحوال التالية (ج) إذا تعذر على طرفي التحكيم تقديم دفاعه بسبب عدم إعلانه أعلانا صحيحا بتعيين محكم أو بإجراءات التحكيم أو لأي سبب آخر ". على ضرورة التزام المحكم بإعلان لكونه أحد وسائل إعمال حق العلم (19) ، كما ذهبت المادة (58/2) من ذات القانون(20) حيث نصت على أهمية التزام المحكم.
ويرى البعض من الفقه أنّ العلم ليس مجرد تطبيق من تطبيقات حقوق الدفاع، بل هو وسيلة لا عمالها جميعا (21).
أما بخصوص موقف الاتفاقيات الدولية وابتداءً من اتفاقية نيويورك في شأن الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها، حيث نصت في المادة (5/1)(22) على ضرورة الربط الحتمي بين التجهيل واستحالة الدفاع؛ فالحكم الصادر في هذه الحالة غير معترف به وغير قابل للتنفيذ (23).
أما بخصوص موقف القانون النموذجي للتحكيم الصادر لسنة 1985، فقد نص على هذا الالتزام في مادتين الأولى مادة (34) عندما بين أسباب بطلان حكم التحكيم، ومرة أخرى في المادة 36 عندما نص على أسباب رفض الاعتراف أو تنفيذ حكم التحكيم(24).
وعليه إذا كان العلم هو الغاية التي يستهدفها التزام المحكّم بالإخطار، فانّ هذا العلم لا يتحقق في الواقع إلا من خلال وسائل إجرائية محددة، يأتي في مقدمتها ( إعلان الورقة القضائية) ويعد الإعلان في هذا الإطار أداة قانونية تهدف إلى إيصال الإجراء إلى علم الخصم بصورة منضبطة، بما يكفل احترام مبدأ المواجهة وتحقيق التوازن الإجرائي بين أطراف الخصومة التحكيمية.
يشكل الإعلان القضائي ركيزة أساسية لترسيخ حق العلم بالدعوى، إلا أنه سلاح ذو حدين فبقدر أهميته قد يصبح عاملاً رئيساً في تعطيل العدالة وتأخير الفصل في النزاعات.
ومن هنا، تبرز الحاجة الماسة إلى وضع ضوابط دقيقة توازن بين ثلاث مصالح جوهرية(25):
أولاً- صيانة حقوق الدفاع عبر ضمان العلم بالدعوى.
ثانيا- مراعاة الجانب الزمني وسر. عة التقاضي. ثالثاً احترام مبدأ سلطان الإرادة للأطراف.
ولا تختفي أهمية الاعلام سواء قبل البدء في الخصومة أم أثناء السير فيها بل حتى بعد الانتهاء منها لكون يتحقق به مبدأ المواجهة واحترام حق الدفاع الأمر الذي ينأى بالحكم عن الطعن عليه بالبطلان بعد صدوره (26).
كما لا بد أن نشير الى كون المشرع العراقي يستخدم في قانون المرافعات المدنية العراقي مصطلح تبليغ، بينما يستخدم المشرع المصري مصطلح إعلان، ويذهب البعض من الفقه الى تفضيل مصطلح الإعلان الذي يستخدمه المشرع المصري؛ كونه أعم وأشمل من مصطلح تبليغ، فضلا عن كونه يشمل الاخبار والتنبيه والاخطار والانذار والاعذار (27).
ويعرف جانب من الفقه الإعلان هو الوسيلة الرئيسية التي رسمها قانون المرافعات وذلك لتمكين الطرف الآخر من العلم بإجراء معين وذلك بتسليمه صورة من الورقة المعلنة (28). في حين ذهب اتجاه آخر بأنه وسيلة رسمية يبلغ بها الخصم بواقعة معينة تمكنه من الاطلاع عليها وكذلك تسليمه صورة منها (29).
ويُعرف الباحث الإعلان هو المسلك الإجرائي الحصري الذي يقع على عاتق المحكّم من اجل نقل الواقعة القانونية من نطاق الكتمان إلى نطاق المواجهة، وبموجبه يتحقق الأثر القانوني للعلم بالخصومة.
أما بخصوص موقف القوانين من الإعلان فابتداء من قانون المرافعات المدنية العراقي حيث نص على الشخص الذي يقوم بمهمة التبليغ (30).
أما بخصوص موقف المشرع المصري، فقد سلك مسلكا متميزا في تنظيم إعلانات التحكيم؛ لفك الارتباط بينها وبين القواعد الجامدة لقانون المرافعات، وذلك ضماناً لسرعة الفصل في النزاع. وتأسيساً على ذلك، أقر المادة (7) من قانون التحكيم (31) ، نظاماً مرناً يقوم أولاً على احترام اتفاق الأطراف، فإذا غاب الاتفاق، حدد المشرع قنوات محددة للإعلان تتدرج من التسليم الشخصي، مروراً بمقر العمل أو الإقامة المعتادة، وصولاً إلى العنوان البريدي المعروف.
ولم يقف المشرع عند هذا الحد؛ بل وضع حلا عمليا لحالة تعذر الاستدلال على الخصم، رغم إجراء التحريات اللازمة، متمثلاً في الاعتداد بـ العلم الحكمي عبر الإرسال إلى آخر موطن أو مقر عمل معلوم، قاطعاً بذلك الطريق على أي محاولات لتعطيل سير الخصومة، مع التأكيد على أن هذه المرونة هي استثناء خاص بالتحكيم ولا ينسحب على الدعاوى القضائية العادية(32).
__________
1- خالد جمال احمد الحسن الالتزام بالأعلام قبل العقد، أطروحة دكتوراه، دراسة مقارنة، كلية الحقوق، جامعة أسيوط، 1996 ، ص 32 .
2- نور عقيل طاهر الالتزام بالأخطار في عقود التجارة الدولية، مجلة جامعة كربلاء العلمية، المجلد الخامس عشر، العدد الثاني، 2017، ص17.
3- جعفر الفضلي، الالتزام بالنصيحة والسلامة والحذر في عقد المقاولة، دراسة تحليلية مجلة الرافدين للحقوق، جامعة الموصل العدد 13، 2002، ص2.
4- عبد الحليم عبد اللطيف القوني، مبدأ حسن النية وأثره في التصرفات القانونية، أطروحة دكتوراه، دراسة مقارنة كلية الحقوق جامعة القاهرة، 1997، ص 344.
5-Kahn (ph.) Force majeure et contrats internationaux de longue duree, JDI, 1975, P.418.
6- نبيل إسماعيل عمر، إعلان الأوراق القضائية دراسة تحليلية وعملية، كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2004، ص 13.
7- أحمد أبو الوفا التحكيم الاختياري والاجباري، منشاة المعارف بالإسكندرية، ط5 ، 2001، ص103.
8- نبيل إسماعيل عمر، إعلان الأوراق القضائية دراسة تحليلية وعملية، مصدر سابق، ص 43.
9- لطيف جبر كوماني، مسؤولية البائع في البيوع البحرية، دراسة في البيع سيف والبيع فوب، مؤسسة الثقافة العالمية، بغداد 1982، ص 157.
10- Michel Strassinopulos, le droit de la défense devant les autorités administra tives, L.G. DL. 1976.pp. 50 et s.
11- قرار محكمة التمييز الاتحادية الهيئة المدنية، رقم القرار 2315/ تاريخ القرار 22/4/2025، المنشور على موقع محكمة التمييز الاتحادية.
12- نقض مدني مصري، الطعن رقم 12854 لسنة 85 ق جلسة 2024/3/4، موقع قوانيين الشرق Eastlaws، متاح على الرابط https://www.eastlaws.com تاريخ الزيارة: 2026/7/5.
13- Teynier, Notification Procedures in Arbitration Proceedings and Respect for the Adversarial Principle, Teynier Avocats, 29 November 2024, available at:
تاريخ الزيارة: 2026/7/5 https://www.teynier.fr
14- ينظر في المعنى القريب من ذلك سيرجيو كوتا، القانون الوضعي والقانون الطبيعي، مجلة تبين العدد 49، المجلد 13، 2024، ص 159 - 160.
15- طلعت محمد دويدار ضمانات التقاضي في الخصومة التحكيم، ط 2 ، دار الجامعة الجديدة 2009، ص190.
16- المادة 237 يجوز للخصوم عندما يطرح قرار المحكمين على المحكمة المختصة أن يتمسكوا ببطلانه وللمحكمة من تلقاء نفسها أن تبطله في الاحوال الاتية :-
- إذا كان قد صدر بغير بيئة تحريرية أو بناء على اتفاق باطل او إذا كأن القرار قد خرج عن حدود الاتفاق.
- إذا خالف القرار قاعدة من قواعد النظام العام أو الآداب او قاعدة من قواعد التحكيم المبيئة في هذا القانون.
- إذا تحقق سبب من الأسباب التي يجوز من اجلها اعادة المحاكمة.
إذا وقع خطا جوهري في القرار او في الاجراءات التي تؤثر في صحة القرار.
17- إبراهيم نجيب سعد، قاعدة لا تحكم دون سماع الخصوم أو ضرورة احترام الحرية والمساواة والتقابل في الدفاع، منشأة المعارف، 1981، ص11.
18- المادة 266 " فصل المحكمون في النزاع على اساس عقد التحكيم او شرطه والمستندات وما يقدمه الخصوم لهم وعلى المحكمين أن يحددوا لهم مدة لتقديم لوائحهم ومستنداتهم ويجوز لهم الفصل في النزاع بناء على الطلبات والمستندات المقدمة من جانب واحد إذا تخلف الطرف الاخر عن تقديم ما لديه من اوجه الدفاع في المدة المحددة".
19- وجدي راغب دراسات في مركز الخصم أمام القضاء المدني، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 1976.
20- المادة (58/2) " لا يجوز الأمر بتنفيذ حكم التحكيم وفقا لهذا القانون إلا بعد التحقق الأمر الذي يأتي ............ (ج) أنه قد تم إعلانه للمحكوم عليه إعلانا صحيحا".
21- قارن عزمي عبد الفتاح، واجب القاضي في تحقيق مبدأ المواجهة باعتباره أهم تطبيق لحق الدفاع، ص 3.
22- المادة (1/5)" لا يجوز رفض الاعتراف وتنفيذ الحكم بناء على طلب الخصم الذي يحتج عليه بالحكم إلا إذا قدم هذا الخصم للسلطة المختصة في الدولة المطلوب الاعتراف والتنفيذ فيها الدليل على: (ب) أن الخصم المطلوب تنفيذ الحكم عليه لم يعلن إعلانا صحيحًا بتعيين المحكم أو بإجراءات التحكيم أو كان من المستحيل عليه لسبب آخر أن يقدم دفاعه".
23- وهذا النص أيضا اخذت به حرفيا الاتفاقية الاوربية للتحكيم التجاري الدولي المنعقد في جنيف بتاريخ 1961/4/21(م1/9/ب)، نقلا عن طلعت محمد دويدار ضمانات التقاضي في الخصومة التحكيم، ط 2 ، دار الجامعة الجديدة 2009 ، ص 191.
24- كما أن هناك بعض القوانين العربية التي كرست حق العلم بكثافة كل من قانون التحكيم السعودي في المادة (18)، أما بخصوص موقف القوانين العربية الاخرى التي تنص عليه ضمنيا هو قانون المرافعات الكويتي في المادة 186، وكذلك أيضا قانون مرافعات المدنية الاماراتي في المادة 216 ، قانون مرافعات القطري في المادة (207)
25- طلعت محمد دويدار، الإعلان القضائي بين قيمة الوقت في الدعوى ومبدأ سلطان الإرادة في الخصومة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، ص 5 وما بعدها.
26- أحمد السيد صاوي التحكيم طبقا للقانون رقم 27 لسنة 1994 ، وأنظمة التحكيم الدولية، القاهرة، 2002، ص 120.
27- علي العبودي، التبليغ القضائي بواسطة الرسائل الالكترونية ودورها في حسم الدعاوي المدنية، ص30.
28- عبد المنعم الشرقادي الوجيز في المرافعات المدنية والتجارية، دار النشر للجامعات المصرية، ص 15.
29- أحمد أبو الوفاء أصول المحاكمات المدنية الدار الجامعية للطباعة والنشر، بیروت 1983، ص37.
30- المادة (13) الفقرة (1) " يقوم بمهمة التبليغ من يعينهم رئيس مجلس القضاء الأعلى، ويجوز اجراء التبليغ برسالة رسمية من المحكمة بواسطة البريد المسجل المرجع او ببرقية مرجعة في الأمور المستعجلة بقرار من المحكمة، وفي حالة عدم وجود مكاتب للبريد في المكان المطلوب التبليغ فيه، يقوم بالتبليغ رجال الشرطة".
31- المادة " ما لم يوجد اتفاق خاص بين طرفي التحكيم يتم تسليم أي رسالة او إعلان إلى المرسل اليه شخصيا، أو في في مقر عمله، أو في محل أقامته المعتاد أو في عنوانه البريدي المعروف للطرفين، أو المحدد في مشارطة التحكيم، أو في الوثيقة المنظمة للعلاقة التي تناولها التحكيم".
32- إبراهيم رضوان الجغبير بطلان حكم المحكم، ص 182 وما بعدها.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدولي الخاص
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة