1. آداب الصلاة وأحكامها المتعدّدة: من الأمور التي تميزت بها الصلاة هو اشتمالها على ألف حكم وجوبي وثلاثة آلاف حكم استحبابي، بالإضافة إلى غيرها من الآداب والأسرار الكثيرة، تما حفّز علماء الدين على تأليف الرسائل والكتب المستقلة حول كل واحدة منها[1].
ولا بد من التذكير بأن هذه الأرقام ليست قطعية، إذ إنّ الأرقام المذكورة حول أحكام الصلاة هي من باب التقدير والظن ولا ترقى إلى الجزم، وأسرار الصلاة هي. غیر آدابها، على الرغم من أن بعض الأسرار يعدها البعض آداباً، وبعض الآداب يعدّها البعض الآخر من الأسرار.
2. آثار الصلاة: للصلاة آثار مهمة، لذا أمر الله تعالى بصورة خاصة بحفظها. فالصلاة تخفف من طبيعة الإنسان التي تميل إلى الحرص فتجعله عديم الصبر منزعجاً إذا نزل به البلاء والشر، وبخيلاً احتكارياً إذا جاءه الخير والنعمة: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج: 19-23].
ولا ينال توفيق التخفيف من خصلة الهلع هذه إلا المصلّون الذين صارت إقامة الصلاة إحدى الملكات بالنسبة إليهم. ومن هنا كانت الصفة المشبهة (الْمُصَلِّينَ) [المعارج: 22] هي المستخدمة في الآية بدلاً من صيغة اسم الفاعل أو الفعل، وهو ما يشير إلى الثبات والاستمرار، والصفة المشبهة في مثل هذه الموارد التـي من الفعل الثلاثي المزيد فيه تكون على وزن اسم الفاعل مثل مستكبر ومطمئن النفس والتفصيل في الباب الرابع من المغني في الفرق بين الصفة المشبهة وإسم الفاعل.
كما أشارت آية (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج: 23] إلى صيرورة إقامة الصلاة إحدى الملكات بالنسبة إلى المصلي. أي إنّ أداء الصلاة يؤول إلى دوام ذكر الله، لا أن الإنسان يؤدي الصلاة طوال الليل والنهار. إنّ ما أمر الله سبحانه المسلمين به هو وجوب تفرقهم بعد أدائهم للصلاة وتوجههم نحو أعمالهم، لكن بشرط ألا تكون هذه المشاغل سبباً في غفلتهم عن ذكر الله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: 10] و(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: 37].
ملاحظة: اعتبر القرآن الكريم إقامة الصلاة من أكثر واجبات حكام المسلمين أهمية (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ...) [الحج: 41]، لأن الصلاة هي أهم أسباب اعتدال وتوازن المطاليب السياسية للأحزاب والجماعات. بمعنى أن الشخص الذي يصل إلى أحد المناصب نتيجة لكسبه ثقة الشعب عليه أن يحذر من مخاطر الإصابة باحتكار السلطة، مثلما يجب على منافسيه ـ الذين لم يستطيعوا أن ينالوا ما كانوا يرسمونه من أهداف ـ أن يتجنبوا الوقوع في شراك الجزع والسعي وراء الانتقام والتخريب وهتك الحرمة وتهديم شخصيات منافسيهم. فتكون نتيجة ذلك أن ينجو المجتمع المصلي وتتحرّر الحكومة المؤيدة للصلاة من لسعات الاتصاف بالهلع والجزع، فتصل إلى مـا هـو المطلوب من حياة القناعة الطيبة.
3. السؤال عن الصلاة في القيامة: روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن أول شيء يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة هو الصلاة: إذا كان يوم القيامة يُدعى بالعبد، فأوّل شيء يُسأل عنه الصلاة فإن جاء بها تامة، وإلا زج به في النار[2].
كما ذكرت آيات القرآن الكريم أنه عندما يُسأل المحكومون بالدخول إلى النار وهم في طريقهم إلى جهنّم عن الشيء الذي أدى بهم إلى هذا المصير المشؤوم، يكون جوابهم أ أن السبب هو أنهم لم يكونوا من أهل الصلاة: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [المدثر: 42-43].
وهذا على الرغم من اشتمال الإسلام على الكثير من الواجبات العبادية الأخرى كالحج والصوم والجهاد، وكذلك الواجبات غير العبادية الكثيرة، وأنّ المجرمين سوف يكونون مسؤولين عنها أيضاً، إلا أنّ أوّل ما يذكره الجهنميون في جوابهم هو عدم كونهم من المصلين.
نعم، إن ترك الصلاة والاستخفاف بها هو السبب في السقوط في شراك بقية المعاصي، كما أنّ الاهتمام بها هو الذي يهيئ الأرضية لتطبيق بقية الفروع الدينية. ومن هنا تأتي إشارة أهل النار إلى ذنوبهم الأخرى بالدرجة الثانية بعد ذنب تركهم للصلاة: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) [المدثر: 43-46].
4. تمثل الصلاة: إن الصلاة هي مناجاة بين العبد ومولاه، كما قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): المصلي يناجي ربه[3]. وهناك حقيقة في الصلاة وهي أنها تدعو الله أن يحفظ الإنسان الذي يؤدّيها في أوّل وقتها ويلتزم بشروطها، كما أنها تدعو بالضياع على من يضيعها ولا يلتزم بشروطها ويؤديها على عجل ومن دون حضور للقلب، حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام: إن العبد إذا صلّى الصلاة في وقتها وحافظ عليها؛ ارتفعت بيضاء نقية تقول: حفظتني حفظك الله. وإذا لم يصلها لوقتها ولم يحافظ عليها؛ ارتفعت سوداء مظلمة تقول: ضيعتني، ضيعك الله[4]!
كما أن هناك العديد من الروايات حول تجسّد الصلاة في القبر، وإن كانت جميع العبادات تتجسّد بـ بصور نورانيّة، وتكون (الولاية) هي الأكثر نورانية وقوة من بينها[5].
5. صلاة كافة الموجودات: كان الخصوصية الصلاة دور مهم كي يختارها الله سبحانه وحـدهـا مـن بـيـن العبادات فينسبها إلى جميع الموجودات، وإن كان الكل يسبحون الله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) [النور: 41][6]. ولكن الصلاة التشريعية تتفاوت مع الصلاة التكوينية لسائر الموجودات.
وبإثبات الصلاة لجميع الموجودات، يتضح أحد وجوه استخدام فعل المتكلم مع الغير في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] وهو أن المصلي يرى نفسه مشاركة لجميع موجودات العالم في الاشتغال بمناجاة خالـق الموجودات، وهـو مثلهم لا يطلب العون إلّا منه؛ فتتيسر له المحافظة على صلاته بفـضـل هـذه البصيرة المذكورة، إذ بها يكون قد اتضح له جيّداً أن تركه للصلاة أو تضييعها يخرجه من صف عباد الحق، وحركته المعاكسة لنظام الخلقة المتكامـل تسوقه إلى الهلاك.
6. خضوع وإطاعة جميع الموجودات: تخضع جميع مفردات عالم الوجود وتقنتُ الله سبحانه: (بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) [البقرة: 116] وهذا الخضوع يكون متصلاً دائماً لا تتخلله لحظة من العصيان: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 11].
وبعبارة أخرى نقول: إن كل مجموعة النظام الكوني قد خضعت لأمر الله سبحانه التكويني: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [آل عمران: 83]، وهم دائماً يسبحون الله ويقرنون تسبيحهم بالتحميـد: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: 44]، كما أن كل ما في الكون يسجد له: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) [النحل: 49].
7. العلاقة بين (القنوت) و(العلم): إِنْ مَن لا يخضع الله ويتضرع له ليلاً ونهاراً بالسجود والقيام، ولا يعيش بين الخوف من عاقبته والرجاء للرحمة الإلهية، فقد عاش عيشة العوام وسيموت ميتتهم؛ في حين يختلف أهل هذه الأوصاف الكمالية والعالمون بما ينفع من العلوم عن غيرهم: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 9].
والمقصود أن العلم لا تكون له قيمة إلّا إذا كان قائماً على الطاعة الدائمية الله، وهذا هو العلم النافع الذي يطلبه عباد الله في مناجاتهم ويستعيذون بالله تما عداه من العلوم: أعوذ بك من علم لا ينفع[7].
[1] ومن أمثلة ذلك الرسالة الألفية والرسالة النفلية اللتان ألفها الشهيد الأول رحمه الله.
[2] عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 2، ص35 وسائل الشيعة، ج 4، ص 30.
[3] بحار الأنوار، ج 68، ص 216.
[4] من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص209؛ بحار الأنوار، ج 80، ص9.
[5] بحار الأنوار، ج 6، ص 234-235.
[6] سورة النور، الآية 41. وفي حالة كون فاعل (قد علم) هو (كل) وليس الله تعالى، فسيثبت علم الموجودات بعملها، كما تتأيد بذلك قراءة (لا تفقهون) في آية (وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) من سورة الإسراء، الآية 44 أيضاً.