تاريخ استخدام الحاسوب في العمل الصحفي الاستقصائي:
1. يؤكد "تشيوات" حول تاريخ استخدام الحاسوب في العمل الصحفي أن هذا العمل ولد في أمريكا أواسط عام 1950 بعدما غزت استخدامات الحاسوب مجال الأعمال والمحاسبة والصناعة، وزيادة توسيع رقعة هيمنة الحواسيب إلى المجالات العملية والعسكرية مع تعدد لغاته.
2. أما في مجال الصحافة فلم يبدأ عصر استخدام الحاسوب بشكل حقيقي حتى عام 1952 حين استخدم مراسل شبكة "CBS News" في واشنطن "والتر كرونكايت" جهاز كمبيوتر أطلق عليه لقب "ريمنجتن راند يونيفك" لتحليل النتائج المبكرة للانتخابات الأمريكية بين المرشحين دوايت ايزنهاور وأدلاي ستيفنسون اللذين تقاربا في توقعات نتائج الانتخابات، لكن "والتر" توقع بفضل الحاسوب فوز "إيزنهاور" بفارق كبير، ومع نشر التوقع على الرغم من تردد القناة وتعرضها للسخرية الشديدة جاء تحليل نتائجها وتوقع جوها الانتخابي العام شبه دقيق.
3. دخل الحاسوب بعد انتخابات 1952 العالم الصحفي عبر ثلاث مراحل متداخلة:
- الأولى: تمثلت بالمرحلة التجارية من مهنة الصحافة ومحاسبتها وتوزيعها.
- الثانية: تجلت منتصف الستينيات بدخول الحاسوب غرفة الأخبار ومراقبة المخازن وسلك التحرير الصحفي.
- الثالثة: انطلقت بداية السبعينيات عندما بدأت الصحافة الورقية في استخدام الحاسوب لإنتاج مطبوعاتها.
وهنا يشار بالفضل إلى البروفوسور "فيليب ماير" أستاذ الإعلام في جامعة كارولينا الشمالية بوصفه أحد مبتكري توظيف الحاسوب في العمل الصحفي، عندما غطى عام 1967 أحداث الشغب في مدينة "ديترويت"، حيث استخدم الحاسوب لإجراء استطلاع رأي للمواطنين من أصول إفريقية خلال أحداث الشغب، ومن ثم بالتعاون مع "جون، روبنسون، وكابلان" "ناثان" من جامعة "متشيغان" حللت البيانات باستخدام كمبيوتر 360 IBM، ليتبين عدم وجود فروق بين أصحاب المستويات العلمية في المشاركة بين أحداث الشغب إذ يميل حملة الشهادات العليا للمشاركة في الشغب أسوة بغير المتعلمين، وعليه حقق "ماير" الحائز على جائزة "بوليتزر " نقلة نوعية في استخدام الحاسوب صحفياً و(استقصائيا) ما دفعه إلى إصدار كتاب عن استخدام وسائل الإعلام للأبحاث الإحصائية عام 1973 تحت عنوان "صحافة الدقة"، وفيه بيّن أن الصحافة بدأت تأخذ منحنى علمياً في السبعينيات بطريقتين:
الطريقة الأولى:
تظهر أن كمية هائلة من المعلومات بدأت تتوفر للصحفيين بسبب استخدام الحاسوب في مجالات الحياة.
الطريقة الثانية:
تبين أن نسب توزيع الصحف لم يكبر طرداً مع تزايد عدد السكان؛ لذا كان على الناشرين الانتباه أكثر إلى نوعية القصص التي تجذب القارئ لشراء الصحيفة.
4. عام 1974 تم توظيف كلارنس جونز من صحيفة "ميامي هيرالد" لإدخال ما يزيد عن 13 ألف سجل محكمة إلى الحاسوب، ليكتشف وجود تحيز في نظام العدالة الجنائية لمقاطعة "ديد"، وهذا أطلق تغطية الخدمات العامة في علم الصحافة، وعليه استخدم مع مرور الوقت عديد من الصحفيين الأمريكيين الحاسوب لكشف مشكلات كثير من القطاعات الحكومية كأقسام الشرطة في نيويورك، وأحكام المحاكم غير العادلة في فيلاديلفيا بولاية بنسلفانيا.
5. امتدت استخدامات الحاسوب إلى مختلف نواحي الحياة كتوصل "برنهام" في صحيفة النيويورك تايمز 1973 عبر تحليله سجلات المحاكم وتقارير الشرطة إلى نتيجة احتمالية تعرض المواطنين ذوي البشرة السوداء لجريمة قتل أكثر بثمانية أضعاف من المواطنين ذوي البشرة البيضاء.
6. إن العمل الصحفي بمساعدة الحاسوب الذي سجل استخدام الحاسبات الإلكترونية في جمع وتحليل البيانات لا بد أن يشير إلى نقطة فارقة فيه حسب "آيمان آندرسون" حيث يعد من أشهر نماذج التغطية الاستقصائية المستعينة بالحاسبات الإلكترونية في الصحافة الأمريكية تلك التي بدأت ليلة 31 مارس آذار 1981، وتتناول تعرض الرئيس الأمريكي رونالد ريغان لمحاولة اغتيال، حيث تم لاحقاً توظيف الحاسوب في البحث والوصول إلى معلومات عن نوع البندقية وسماتها وأحجامها ومصادرها وصناعتها، فقد كانت معلومات ذات صلة مخزنة بلغة الحاسبات الإلكترونية ما مكنهم من الحصول عليها وتحليلها، وعليه وصف استخدام الحاسوب في التقصي "بصندوق الأدوات الإلكترونية" التي تساعد الصحفي الاستقصائي في عمله، وعليه أن يقوم بتحديثها باستمرار، كما يجب أن يكون الجهد الذي يبذله في إعدادها جهداً تراكمياً، وأن تكون متاحة لاستخدامها بشكل يومي مع وجوب مراعاة المواقع الإلكترونية المفيدة للاستقصائيين بشكل عام، ولكل صحفي بشكل خاص يُراعى معها خصوصية استقصاءاته ومواضيعها، ما يؤسس لصندوق خاص فيه.
7. في السياق نفسه فإن تاريخ استخدام الحاسب الآلي في العمل الاستقصائي لا بد أن يرتبط باستخدام أساليب علم الاجتماع في هذا النوع الصحفي، إذ بدئ باستخدام بعض أدوات علم الاجتماع معه بما في ذلك القياسات الخالية من التداخل والتعداد، واستطلاعات الرأي، وذلك بهدف الارتقاء بمستوى تحقيق صحفي يستخدم أدوات تقليدية نحو عمل استقصائي أكثر تكاملاً.. ومن أمثلة هذه الاستخدامات ما ذكره "جون أولمان" عام 1986 حين بدأ محررا صحيفة "ستار تريبيون" "ماري جين سميتانكا/ محررة الصحيفة لشؤون التعليم"، و"بول ماكينرو / المحرر الحر الذي كان يقوم بكثير من التحقيقات للصحيفة" في إجراء بحث عن المراهقين في Twin Cities من أجل كتابة حلقات عن تعاطي المخدرات.