قالب الهرم المقلوب:
يعد هذا الأسلوب من أقدم أشكال الأخبار، وأكثرها ملاءمة وأعظمها نفعا، وأقلها ضرراً، ويقتضي هذا الأسلوب بأن نبدأ في تحرير الخبر بالعناصر المهمة أولاً، وهذا يتطلب حاسة إعلامية ذواقة وتدريباً ومرانًا طويلين، ولا بد أن تحرك هذه البداية انتباه القارئ، وأن تثير اهتمامه، والفرق بين المحرر الناجح وغير الناجح يكمن في هذا الاختيار الدقيق لمقدمة الخبر، فقد يكون هنالك تناقض في موقف إنساني مثير، كالرجل الذي يلقي القبض عليه ليلة زفاف أو العالم الذي يموت قبل استلامه جائزة الدولة التقديرية بأيام، وهناك المقدمة التي تحتوي على تصريح مقتبس من رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء.
ويمكننا تصور هرمين واحدًا في وضع طبيعي، والآخر مقلوبًا، وهنا نجد أمامنا صورتين واضحتين للفروق الرئيسة بين رواية الخبر والقصة الخيالية أو الأدبية، فقاعدة الهرم المقلوب تتمثل الفقرتين الأول والثانية من القصة الإخبارية فالمقدمة أهم جزء في الخبر، حيث تتركز فيها عناصره.
وهذه الطريقة في رواية الأنباء، جاءت نتيجة للتنافس على القراء ومحاولة لفت أنظارهم، وهنالك ثلاثة أسباب لاتباع أسلوب الهرم المقلوب في تحرير الخبر.
1. الهدف الأول لوسيلة الإعلام صحيفة أو إذاعة إلخ، هو تقديم الأنباء للرجال والنساء الذين ليس لديهم سوى وقت قليل لمعرفة الأحداث.
2. ويرى رؤساء التحرير - وهم على حق أن المقدمة الخبرية تدفع القارئ إلى صلب الخبر وهذا القارئ نفسه لا يهتم في قليل أو كثير بالخبر إذا كانت المقدمة جافة لا حياة فيها.
3. والعامل الثالث هو ضيق المكان في الصحيفة والخبر الزماني في الإذاعة والتلفزيون، فنظراً لكثرة المواد نجد أن كل موضوع يختصر وهو ينتقل من مكتب إلى مكتب، قبل أن ينزل إلى غرفة الجمع، أو نشرة الأخبار. وقد تضطر الحاجة إلى اختصاره في اللحظات الأخيرة. وفي هذه الحالات يمكن الاختصار من المؤخرة حتى لا تعاد كتابة الموضوع من جديد، ويضيع بعض الوقت.
ومع ذلك فكثيراً ما نرى بعض وسائل الإعلام تخرج على أسلوب الهرم المقلوب، ونجد المحرر يثير اهتمام القارئ، ولا يشبع فضوله بمعرفة السر إلا في الفقرة الأخيرة. ولكن هذه الطريقة كما يقول كارل وارين.
ومع ذلك فإن 90% من القصص الإخبارية تتبع أسلوب الهرم المقلوب فالأسلوب الهرمي إذن، يختلف عن الأسلوب الأدبي في القصة والمسرحية مثلاً، فالأسلوب الأخير يبدأ بالتفاصيل، ويتدرج في سرد تفاصيل القصة، أو تطورات المسرحية حسب حبكة القصة حتى يصل في النهاية إلى فالكاتب هنا يحاول أن يستدرجك معه من التفاصيل الأقل أهمية هابطًا بك إلى التفاصيل المثيرة في اهتمام متزايد؛ ليترك في نفسك الرغبة في معرفة ما ستصل إلى الذروة.
أما الأسلوب الهرمي في الخبر الإعلامي فالوضع "مقلوب" مثلما رأينا، فنحن في المقدمة نحاول أن نقدم له أهم ما في الخبر من معلومات في صورة مركزة، محددة بحيث تثير في القارئ الرغبة الشديدة في معرفة تفاصيل هذه الكلمات القليلة المهمة، ثم نحاول بعد ذلك أن نقدم له في هيكل الخبر تفاصيل ما أجملنا وأبرزنا في المقدمة المهمة في اهتمام متناقض.
على أن العاملين حديثا في ميدان الصحافة والإعلام، وبصورة خاصة أولئك
الذين يسعون إلى تحسين العمل في هذا الميدان، لا يكتفون عن انتقاد أسلوب الهرم المقلوب على أساس أنه يتضمن أخطاء في التسلسل الزمني لتاريخ الأحداث، ويقولون: إن هذا الأسلوب يرغم المحرر على ذكر القصة الإعلامية ثلاث مرات، مرة في العنوان، وأخرى في المقدمة، وثالثة في هيكل الخبر ذاته. وهم يصفون أسس هذا الأسلوب بأنه مضحك؛ لأنهم يعتقدون بأنه يعرقل رواية الخبر طالما أن جوهره يأتي في المقدمة بدلاً من أن يأتي قبيل النهاية. وهناك انتقاد آخر يوجه إلى أسلوب الهرم المقلوب هو أن هذا الأسلوب لا يتقيد بتاريخ ولا يضيره أن تكون القصة قد حدثت قبل أيام من تاريخ صدور الجريدة.
وعلى الرغم من وجاهة هذه الانتقادات فإن أسلوب الهرم المقلوب الذي يقوم على أساس ترتيب الأحداث وفق وقوعها، وهو الترتيب الزمني وبين المادة ترتيبها بمعرفة المندوب والمحرر، ثم إن المصطلح - كما يقول جونسون وهاريس يحمل في تضاعيفه معنى خافيًا هو إعادة ترتيب الأحداث بحيث لا تتم خبط عشواء، بل تتم وفقا لخطة ومبدأ معقولين والمبدأ الذي يتبع هو ترتيب الأهمية قياسًا على ذوق الجمهور المتلقي. وصدر الخبر أو مقدمته الواجهة الأساسية في هذا الأسلوب الهرمي؛ لأنه يشتمل على أهم ما يحتويه الخبر من مواد.
ويرتبط استعمال الأسلوب الهرمي عند مراسلي الصحف عموما باختراع التلغراف، وهو الاختراع الذي فرض إرسال الأنباء بسرعة ودقة، ولقد أدرك المحررون منذ سنوات أسباب القصور في أسلوب الهرم المقلوب، الأمر الذي أدى خلال السنوات الأخيرة إلى إتباع أساليب جديدة في كتابة التحقيقات والأخبار المحللة والحملات الصحفية والأخبار ذات الطابع الأقل أهمية، أو تلك التي تتميز بأهمية متوسطة ولقد استعارت الصحف بعض الأساليب المتبعة في تحرير الخبر الإذاعي وكذلك الأخبار الأسبوعية، والمجلات المصورة، وغير ذلك من وسائل الإعلام، أما بالنسبة لهؤلاء الذين يريدون من الصحف أن تتخلى عن دورها الإعلامي كوسيلة لنقل الأخبار؛ لأن الراديو أسرع من الصحف، فإن الدرس الذي تعلمه المحررون في القرن المنصرم يدل على أن الجماهير ما تزال تريد قراءة كل ما تسمه أو تشاهد من أحداث، وليس هناك محرر يعتقد أن الجمهور يعرف كل شيء عن حادث معين لمجرد أن الحادث قد أذيع في الراديو أو التلفزيون لمدة دقائق قليلة، قبل صدوره في الصحيفة. وهناك أساليب تحرير الخبر يمكن أن تكشف وفقا لمتطلبات الجمهور.
ولكن طبيعة الجنس الصحفي من بين أجناس الإعلام تحتم استخدام أسلوب الهرم المقلوب الذي يعد أفضل الطرق لرواية الأخبار التي تتفق مع العنوان في الجنس الصحفي والإعلامي.