0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الفضائل

الاخلاص والتوكل

الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

الإيثار والجود والسخاء والكرم والضيافة  

الايمان واليقين والحب الالهي

التفكر والعلم والعمل

التوبة والمحاسبة ومجاهدة النفس

الحب والالفة والتاخي والمداراة

الحلم والرفق والعفو

الخوف والرجاء والحياء وحسن الظن

الزهد والتواضع والرضا والقناعة وقصر الامل

الشجاعة والغيرة

الشكر والصبر والفقر

الصدق

العفة والورع والتقوى

الكتمان وكظم الغيظ وحفظ اللسان

بر الوالدين وصلة الرحم

حسن الخلق والكمال

السلام

العدل والمساواة

اداء الامانة

قضاء الحاجة

فضائل عامة

الآداب

آداب النية وآثارها

آداب الصلاة

آداب الصوم والزكاة والصدقة

آداب الحج والعمرة والزيارة

آداب العلم والعبادة

آداب الطعام والشراب

آداب الدعاء

اداب عامة

الحقوق

الرذائل وعلاجاتها

الجهل والذنوب والغفلة

الحسد والطمع والشره

البخل والحرص والخوف وطول الامل

الغيبة والنميمة والبهتان والسباب

الغضب والحقد والعصبية والقسوة

العجب والتكبر والغرور

آفات اللسان والرياء

حب الدنيا والرئاسة والمال

العقوق وقطيعة الرحم ومعاداة المؤمنين

سوء الخلق والظن

الظلم والبغي والغدر

السخرية والمزاح والشماتة

رذائل عامة

علاج الرذائل

علاج البخل والحرص والغيبة والكذب

علاج التكبر والرياء وسوء الخلق

علاج العجب

علاج الغضب والحسد والشره

علاجات رذائل عامة

أدعية وأذكار

صلوات وزيارات

قصص أخلاقية

إضاءات أخلاقية

موضوعات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

منزلة أبي حمزة الثمالي (رضي الله عنه) عند أهل البيت (عليهم السلام)

المؤلف:  السيد أحمد الصافي

المصدر:  شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

الجزء والصفحة:  ج 1، ص 48 ــ 63

2026-09-06

25

+

-

20

يُعَدُّ أبو حمزة الثمالي أحد الأوائل الذين تربّوا في كنف أئمّة أهل البيت (عليه السلام) وأخذوا الحديث عنهم، ونهلوا من علومهم.

وقد أصبحت له بذلك منزلة سامية منهم (عليه السلام)، ومكانة بارزة بين أصحابهم، وقد تجلّى ذلك بأمور:

الأمر الأول: طلبه للعلم

شغف أبو حمزة الثمالي بالعلم، واهتمّ بوصايا الأئمّة (عليه السلام) وإرشاداتهم، وحثّهم له على طلبه.

 قال أبو حمزة الثمالي: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): "اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ أَحِبَّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَلَا تَكُنْ رَابِعاً فَتَهْلِكَ بِبُغْضِهِمْ" (1).

وتنقل لنا بعض الأخبار مدى التزامه (رحمه الله) بتعاليم الأئمّة (عليه السلام)، وجدّه في طلب العلم، ودأبه على تدوينه وضبطه.

قال أبو حمزة: "قَرَأْتُ صَحِيفَةً فِيهَا كَلَامُ زُهْدٍ مِنْ كَلَامِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ـ عليهما السلام ـ وَكَتَبْتُ مَا فِيهَا ثُمَّ أَتَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليه) فَعَرَضْتُ مَا فِيهَا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُ وَصَحَّحَهُ وَكَانَ مَا فِيهَا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كَفَانَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ كَيْدَ الظَّالِمِين‏..." (2).

وقد ورد أنَّ أبا حمزة كان مواظبًا على السّفر كلّ عام من بلدته الكوفة؛ لأداء فريضة الحج، والالتقاء بأئمّة أهل البيت (عليه السلام)، والوقوف على آرائهم في المسائل، والتّزوّد من علومهم.

قال أبو حمزة: "كنت أزور علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ في كلّ سنة مرّة في وقت الحج" (3).

 وكان يغتنم كلّ لقاء بهم (عليه السلام) ولم يدع أي فرصة تجمعه معهم.

 قال أبو حمزة: " َخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ـ عليهما السلام ـ وَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ يَنْفَعُنِي. قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، كُلٌّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قُلْتُ: [هَلْ يُوجَدُ] أَحَدٌ يَأْبَى [أَنْ‌] يَدْخُلَ الْجَنَّةَ! قَالَ: نَعَمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، قُلْتُ: إِنِّي تَرَكْتُ الْمُرْجِئَةَ وَالْقَدَرِيَّةَ وَالْحَرُورِيَّةَ وَبَنِي أُمَيَّةَ: يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: أَيْهَاتَ أَيْهَاتَ‌ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَلَبَهُمُ اللهُ إِيَّاهَا - فَلَمْ يَقُلْهَا إِلَّا نَحْنُ وَشِيعَتُنَا، وَالْبَاقُونَ مِنْهَا بِرَاءٌ، أَمَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ المَلائِكَةُ صَفًّا - لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [يَعْنِي‌] مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ـ صلّى الله عليه وآله ـ" (4).    

 فكان من ثمرة سعيه واجتهاده في طلب العلم أن تكون له مجموعة كتب، ويملك تراثًا حديثيًّا ضخمًا. فله كتاب الزّهد، وكتاب النّوادر، وتفسير القرآن، ورسالة الحقوق.

وفي مجال نشر العلم وتعليمه، فقد كانت له (رحمه الله) حلقة من فقهاء الكوفة يروي لهم، ويلقي إليهم علومه، وكأنّه قد آلى على نفسه الالتزام بما رواه هو عنهم (عليه السلام)، فقد جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّ قال: "وَلِهَذَا يَأْرِزُ (5) الْعِلْمُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ حَمَلَةٌ يَحْفَظُونَهُ وَيَرْوُونَهُ كَمَا سَمِعُوهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَيَصْدُقُونَ عَلَيْهِمْ فِيهِ" (6).

قال داود بن كثير الرّقي: "وفد من خراسان وافد يُكنّى أبو جعفر، فورد الكوفة وزار أمير المؤمنين، ورأى في ناحية رجلاً وحوله جماعة، فلمّا فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء ويسمعون من الشيخ فسألهم عنه فقالوا: هو أبو حمزة الثمالي" (7).

وقد عدّه اليعقوبي من الفقهاء الذين عاصروا أبا العباس السّفّاح وأبا جعفر المنصور.

الأمر الثاني: ولاؤه لأهل البيت (عليه السلام)

الإمامة هي الامتداد الطّبيعيّ للنّبوّة والجزء المتمّم لاستمرار الرّسالة.

هكذا فهمها الشّيعة قديمًا وحديثًا، واعتقدوا بها رُكنًا من أركان الدّين، واستدلّوا بالدّليل تلو الدّليل من الكتاب والسّنّة والعقل.

قال النبي (صلى الله عليه وآله): "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ‏ مِيتَةً جَاهِلِيَّة" (8).

وانبرى أئمّة أهل البيت (عليه السلام) بوصاياهم، فأكّدوا وجوب الاعتقاد بالإمامة، ووجوب معرفة الإمام، والرجوع إليه في شؤون الدّين والدّنيا. وهكذا كان الأئمّة (عليهم السلام) في وصاياهم لأبي حمزة. قال (رحمه الله): "قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ  إِنَّمَا يَعْبُدُ اللهَ‏ مَنْ يَعْرِفُ اللهَ فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ اللهَ فَإِنَّمَا يَعْبُدُهُ هَكَذَا ضَلَالًا، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا مَعْرِفَةُ اللهِ قَالَ: تَصْدِيقُ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ ـ صلى الله عليه وآله ـ وَمُوَالاةُ عَلِيٍّ ـ عليه السلام ـ وَالِائْتِمَامُ بِهِ وَبِأَئِمَّةِ الْهُدَى  ـ عليهم السلام ـ  وَالْبَرَاءَةُ إِلَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مِنْ عَدُوِّهِمْ هَكَذَا يُعْرَفُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ" (9).

وقال أبو حمزة: قال لي أبو جعفر الباقر (عليه السلام): "يَا أَبَا حَمْزَةَ يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ‏ فَرَاسِخَ‏ فَيَطْلُبُ لِنَفْسِهِ دَلِيلًا وَأَنْتَ بِطُرُقِ‏ السَّمَاءِ أَجْهَلُ مِنْكَ بِطُرُقِ الْأَرْضِ فَاطْلُبْ لِنَفْسِكَ دَلِيلًا" (10).

أي اتّخذ لنفسك مرجعًا لدينك، وابحث عمّن اختارتهم السّماء، ونَصَّ على إمامتهم نبيك (صلّى الله عليه وآله)، وعن أصحاب هذا الحق الشّرعي وعددهم يقول أبو حمزة: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: "إِنَّ اللهَ‏ خَلَقَ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ فَأَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً فِي ضِيَاءِ نُورِهِ يَعْبُدُونَهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ يُسَبِّحُونَ اللهَ وَيُقَدِّسُونَهُ وَهُمُ الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله ـ" (11).

وفي بيان شؤون هذه الإمامة يقول أبو حمزة: "دخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ ـ عليه السلام ـ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْبَابِ الَّذِي إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ يَطُوفُونَ فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ بِمَا أُمِرُوا هَؤُلَاءِ، قَالَ: فَلَمْ أَدْرِ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهَذِهِ الْأَحْجَارِ ثُمَّ يَأْتُونَا فَيُعْلِمُونَا وَلَايَتَهُم‏" (12).

وعن حق الإمام على رعيّته وحقّهم عليه يقول (رحمه الله): "سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ـ عليه السلام ـ مَا حَقُّ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ؟ قَالَ: حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا. قُلْتُ: فَمَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَعْدِلَ فِي الرَّعِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ‏ فَلَا يُبَالِي‏ مَنْ أَخَذَ هَاهُنَا وَهَاهُنَا" (13).

الأمر الثالث: ارتباطه بالإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)

قال أبو حمزة: "إِنَّ أَوَّلَ مَا عَرَفْتُ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ أَنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا دَخَلَ مِنْ بَابِ الْفِيلِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَتَبِعْتُهُ حَتَّى أَتَى بِئْرَ الزَّكَاةِ وَهِيَ عِنْدَ دَارِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ وَإِذَا بِنَاقَتَيْنِ مَعْقُولَتَيْنِ وَمَعَهُمَا غُلَامٌ أَسْوَدُ فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ـ عليهما السلام ـ فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ بِلَاداً قُتِلَ فِيهَا أَبُوكَ وَجَدُّكَ، فَقَالَ: زُرْتُ أَبِي وَصَلَّيْتُ فِي هَذَا الْمسْجِدِ ثُمَّ قَالَ هَا هُوَ ذَا وَجْهِي صَلَّى الله عَلَيْهِ" (14).

فقد تعلّق أبو حمزة بالإمام (عليه السلام) من أوّل لمحة حظي بها لشخصه وقبل أن يعرفه، فكم من داخل دخل مسجد الكوفة وصلّى فيه، لكنّه علم أنَّ الرجل ليس كالرّجال ومصلّ ليس كالمصلين؛ إذ كان (عليه السلام) إذا مشى لا تجاوز يده فخذه، ولا يخطر بيده وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة (15).

فأحبّه حبًّا لأهل الصّلاح وتعلّق به رغبة في الفضيلة، وتبعه حتّى لا تفوته الفرصة. ولم يتأنَّ في إظهار ولائه وحرصه عليه؛ لمّا علم أنّه إمامه، أمّا الإمام فلم يُفاجأ بأبي حمزة فاسمه مكتوب عندهم (عليه السلام) في ديوان شيعتهم، وأنَّه من النّاجين المسجّلين في صحفهم.

فقد ورد أنَّ علي بن أبي حمزة الثمالي وأبا بصير قالا: "كَانَ لَنَا مَوْعِدٌ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ ـ عليه السلام ـ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ أَنَا وَأَبُو لَيْلَى فَقَالَ: يَا سكَيْنَةُ هَلُمِّي بِالْمِصْبَاحِ، فَأَتَتْ بِالْمِصْبَاحِ ثُمَّ قَالَ: هَلُمِّي بِالسَّفَطِ الَّذِي فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَأَتَتْهُ بِسَفَطٍ هِنْدِيٍّ أَوْ سِنْدِيٍّ فَفَضَّ خَاتَمَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ صَحِيفَةً صَفْرَاءَ فَقَالَ عَلِيٌّ: فَأَخَذَ يُدْرِجُهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَيَنْشُرُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَ ثُلُثَهَا أَوْ رُبُعَهَا نَظَرَ إِلَيَّ فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصِي حَتَّى خِفْتُ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، فَقَالَ: أَبَرَأْتَ أَنْتَ، قُلْتُ: نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ ثُمَّ قَالَ: ادْنُهْ فَدَنَوْتُ، فَقَالَ لِي: مَا تَرَى قُلْتُ: اسْمِي وَاسْمَ أَبِي وَأَسْمَاءَ أَوْلَادٍ لِي أَعْرِفُهُمْ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ لَوْلَا أَنَّ لَكَ عِنْدِي مَا لَيْسَ لِغَيْرِكَ مَا أَطْلَعْتُكَ عَلَى هَذَا، أَمَّا إِنَّهُمْ سَيُزَادُونَ عَلَى عَدَدِ مَا هَاهُنَا، قَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ فَمَكَثْتُ وَاللهِ بَعْدَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ وُلِدَ لِي الْأَوْلَادُ بِعَدَدِ مَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي فِي تِلْكَ الصَّحِيفَةِ الْخَبَر" (16).

وتتكرّر زيارة الإمام (عليه السلام) للكوفة، ويتكرّر اللقاء بأبي حمزة في مسجدها، فقد عرف شمائل الإمام وهديه.

ولنرى كيف يصف لنا أبو حمزة الإمام زين العابدين ولقاءه به، قال أبو حمزة: "بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ يَوْماً فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ السَّابِعَةِ، إِذَا بِرَجُلٍ مِمَّا يَلِي أَبْوَابَ كِنْدَةَ قَدْ دَخَلَ، فَنَظَرْتُ إِلَى أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً، وَأَطْيَبِهِمْ رِيحاً، وَأَنْظَفِهِمْ ثَوْباً، مُعَمَّمٍ بِلَا طَيْلَسَانٍ وَلَا إِزَارٍ، عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَدُرَّاعَةٌ وَعِمَامَةٌ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ عَرَبِيَّانِ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ عِنْدَ السَّابِعَةِ وَرَفَعَ مُسَبِّحَتَيْهِ حَتَّى بَلَغَتَا شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُمَا بِالتَّكْبِيرِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي بَدَنِي شَعْرَةٌ إِلَّا قَامَتْ، ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَحْسَنَ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ، وَقَالَ: إِلَهِي إِنْ كُنْتُ قَدْ عَصَيْتُكَ فَقَدْ أَطَعْتُكَ فِي أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ، الْإِيمَانِ بِكَ، مَنّاً مِنْكَ بِهِ عَلَيَّ لَا مَنّاً مِنِّي بِهِ عَلَيْكَ، لَمْ أَتَّخِذْ لَكَ وَلَداً وَلَمْ أَدْعُ لَكَ شَرِيكاً.

وَقَدْ عَصَيْتُكَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ المُكَابَرَةِ، وَلَا الخُرُوجِ عَنْ عُبُودِيَّتِكَ، وَلَا الْجُحُودِ لِرُبُوبِيَّتِكَ، وَلَكِنِ اتَّبَعْتُ هَوَايَ، وَأَزَلَّنِي الشَّيْطَانُ‏ بَعْدَ الْحُجَّةِ عَلَيَّ وَالْبَيَانِ، فَإِنْ تُعَذِّبْنِي فَبِذُنُوبِي غَيْرَ ظَالِمٍ لِي، وَإِنْ تَعْفُ عَنِّي فَبِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، يَا كَرِيمُ.

ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً يَقُولُهَا حَتَّى انْقَطَعَ نَفَسُهُ، وَقَالَ أَيْضاً فِي سُجُودِهِ: يَا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ السَّائِلِينَ، يَا مَنْ يَعْلَمُ ضَمِيرَ الصَّامِتِينَ، يَا مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّفْسِيرِ، يَا مَنْ يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ، يَا مَنْ أَنْزَلَ الْعَذَابَ عَلَى قَوْمِ يُونُسَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فَدَعَوْهُ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ فَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وَمَتَّعَهُمْ إِلَى حِينٍ.

قَدْ تَرَى مَكَانِي، وَتَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَعْلَمُ حَاجَتِي، فَاكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي مِنْ أَمْرِ دِينِي وَدُنْيَايَ وَآخِرَتِي، يَا سَيِّدِي يَا سَيِّدِي- سَبْعِينَ مَرَّةً. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَتَأَمَّلْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَوْلَايَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ـ عليه السلام ـ، فَانْكَبَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ أُقَبِّلُهُمَا، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنِّي وَأَوْمَأَ إِلَيَّ بِالسُّكُوتِ، فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ أَنَا مَنْ قَدْ عَرَفْتَهُ فِي وِلَائِكُمْ فَمَا الَّذِي أَقْدَمَكَ إِلَى هَاهُنَا، فَقَالَ: هُوَ لِمَا رَأَيْت"‏ (17). 

ودأب أبو حمزة الثمالي على مراقبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مواقف عبادته والانتباه إلى حركاته وتقلّبه في محرابه، وحفظ ما يصدر عنه من أدعية ومناجاة.

وقد يسأل أبو حمزة الإمام بعد فراغه ويستفسر عن ذلك بغية الاقتداء والتّأسّي به، وحرصًا منه على تصحيح وتقويم عبادته، ثم رواية ذلك لخواصّه وشيعته لاعتقاده بأنَّ المعصوم (عليه السلام) لا يصدر منه إلَّا المعصوم، وسنّته هي سنّة جدّه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وهذا الذي دعاه إلى رصد الإمام ومراقبته والانتباه لتلك المواقف.

قال أبو حمزة: "رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ ـ عليه السلام ـ يُصَلِّي فَسَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، قَالَ: فَلَمْ يُسَوِّهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ أَتَدْرِي بَيْنَ يَدَيْ مَنْ كُنْتُ، إِنَّ الْعَبْدَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ صَلَاةٌ إِلَّا مَا أَقْبَلَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هَلَكْنَا، فَقَالَ: كَلَّا إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُتَمِّمُ ذَلِكَ بِالنَّوَافِلِ" (18).

وفي موقف آخر، قال أبو حمزة: "رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ ـ عليهما السلام ـ فِي فِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلَ مَرَّةً يَتَوَكَّأُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَمَرَّةً عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بِصَوْتٍ كَأَنَّهُ بَاكٍ - يَا سَيِّدِي تُعَذِّبُنِي وَحُبُّكَ فِي قَلْبِي، أَمَا وَعِزَّتِكَ لَئِنْ فَعَلْتَ لَتَجْمَعَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمٍ طَالَ مَا عَادَيْتُهُمْ فِيك‏" (19).

 وقال أبو حمزة: "كَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ـ عليهما السلام ـ يَقُولُ فِي آخِرِ وَتْرِهِ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبِّ أَسَأْتُ وَظَلَمْتُ نَفْسِي وَبِئْسَ مَا صَنَعْتُ وَهَذِهِ يَدَايَ جَزَاءً بِمَا صَنَعَتَا، قَالَ: ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ جَمِيعاً قُدَّامَ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: وَهَذِهِ رَقَبَتِي خَاضِعَةٌ لَكَ لِمَا أَتَتْ، قَالَ: ثُمَّ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَخْضَعُ بِرَقَبَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ: وَهَا أَنَا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ فَخُذْ لِنَفْسِكَ الرِّضَا مِنْ نَفْسِي حَتَّى تَرْضَى، لَكَ الْعُتْبَى لَا أَعُودُ لَا أَعُودُ لَا أَعُودُ، قَالَ: وَكَانَ وَالله إِذَا قَالَ لَا أَعُودُ لَمْ يَعُدْ" (20).

وقال أبو حمزة: "كَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ـ عليهما السلام ـ إِذَا سَافَرَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَبَقِيَ مَوَالِيهِ يَتَنَفَّلُونَ، فَيَقِفُ يَنْتَظِرُهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَنْهَاهُمْ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى وَالسُّنَّةُ أَحَبُّ إِلَي‏" (21).

ولم تكن مراقبة أبي حمزة للإمام علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ مقصورة على مجال عبادته بل امتدّت لتشمل كلّ ما تعلّق بسيرته وفي جميع مرافق حياته.

وقد علم الإمام أنَّ أبا حمزة لم يكن ليصحبه إلّا لينهل من علمه، وللتأدّب بأدبه والتّخلّق بأخلاقه، فلم يبخلْ عليه بإرشادٍ أو توصية أو إفاضة علم.

 فترى الإمام حينًا يبتدئه بحديثه، وترى أبا حمزة حينًا آخر يبتدئه بسؤاله.

 قال أبو حمزة: "صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ اَلحُسَيْنِ ـ عليه السلام ـ اَلْفَجْرَ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ وَسُبْحَتِهِ، نَهَضَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَأَنَا مَعَهُ، فَدَعَا مَوْلاَةً لَهُ تُسَمَّى سكَيْنَةَ، فَقَالَ لَهَا: "لاَ يَعْبُرْ عَلَى بَابِي سَائِلٌ إِلاَّ أَطْعَمْتُمُوهُ فَإِنَّ اَلْيَوْمَ يَوْمُ اَلْجُمُعَةِ". قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَسْأَلُ مُسْتَحِقّاً؟ فَقَالَ: "يَا ثَابِتُ، أَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنْ يَسْأَلُنَا مُحِقّاً فَلاَ نُطْعِمَهُ وَنَرُدَّهُ، فَيَنْزِلَ بِنَا - أَهْلَ اَلْبَيْتِ - مَا نَزَلَ بِيَعْقُوبَ وَآلِهِ، أَطْعِمُوهُمْ أَطْعِمُوهُمْ..." (22).

 وقال أبو حمزة: "كَانَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ ـ عليه السلام ـ يَحْمِلُ جِرَابَ‏ الْخُبْزِ عَلَى ظَهْرِهِ بِاللَّيْلِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَيَقُولُ: إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ" (23).

وقال أيضًا: " كَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ـ عليهما السلام ـ لَيَخْرُجُ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ فَيَحْمِلُ الْجِرَابَ فِيهِ الصُّرَرُ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ حَتَّى يَأْتِيَ بَاباً بَاباً فَيَقْرَعَهُ ثُمَّ يُنَاوِلَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ـ عليهما السلام ـ فَقَدُوا ذَلِكَ فَعَلِمُوا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ـ عليهما السلام ـ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُ ذَلِك‏" (24).

الأمر الرابع: عقيدته بالمهدي المنتظر (عليه السلام)

مع اتفاق أكثر الدّيانات على ظهور مخلّص يبعثه الله تعالى لإنقاذ العالم، وتخليص البشريّة من الظّلم، شاعَ الاعتقاد عند بعض المسلمين من أهل السّنّة بالمهدي والمهدويّة، وتحدّث علماؤهم عنه، وخرّجوا أحاديثه، أمّا الشّيعة الإمامية فلها الاعتقاد الرّاسخ بظهور ذلك المُصلح وهو الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت (عليه السلام) محمد بن الحسن العسكري (عليهما السلام).

وينقل لنا أبو حمزة الثمالي ما حباه الأئمّة (عليه السلام) به من أحاديث في مهدي آل البيت (عليه السلام)، وهي خير ردٍّ على من وصف هذه العقيدة بأنَّها من مخترعات متأخّري الشّيعة، أو أنّها ذات أصول يهوديّة.

قال أبو حمزة: " َخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ ـ عليه السلام ـ فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: فَوَلَدُكَ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: فَوَلَدُ وَلَدِكَ هُوَ؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: فَوَلَدُ وَلَدِ وَلَدِكَ؟ فَقَالَ: لَا؟ قُلْتُ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: الَّذِي يَمْلَأُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) بُعِثَ عَلى‌ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ‌" (25).

وقال أبو حمزة: "كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ ـ عليه السلام ـ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا تَفَرَّقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، قَالَ لِي: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مِنَ الْمَحْتُومِ الَّذِي لَا تَبْدِيلَ لَهُ عِنْدَ اللهِ قِيَامُ قَائِمِنَا فَمَنْ شَكَّ فِيمَا أَقُولُ لَقِيَ اللهَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ بِهِ كَافِرٌ وَلَهُ جَاحِدٌ، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي الْمُسَمَّى بِاسْمِي وَالْمُكَنَّى بِكُنْيَتِي السَّابِعُ مِنْ بَعْدِي، بِأَبِي مَنْ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَنْ أَدْرَكَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ فَمَا سَلَّمَ لِمُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ (عليهما السلام ـ وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ {وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}" (26).

وعن علامات ظهور المهدي (عليه السلام) وسيرته: قال أبو حمزة: "قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ ـ عليه السلام ـ إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ ـ عليه السلام ـ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ خُرُوجَ السُّفْيَانِيِّ مِنَ الْأَمْرِ الْمَحْتُومِ. قَالَ لِي: نَعَمْ، وَاخْتِلَافُ وُلْدِ الْعَبَّاسِ مِنَ الْمَحْتُومِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ مِنَ الْمَحْتُومِ، وَخُرُوجُ الْقَائِمِ ـ عليه السلام ـ مِنَ المَحْتُومِ. فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ النِّدَاءُ؟ قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوَّلَ النَّهَارِ: أَلَا إِنَّ الْحَقَّ فِي عَلِيٍّ وَشِيعَتِهِ. ثُمَّ يُنَادِي إِبْلِيسُ لَعَنَهُ الله فِي آخِرِ النَّهَارِ: أَلَا إِنَّ الْحَقَّ فِي السُّفْيَانِيِّ وَشِيعَتِهِ، فَيَرْتَابُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُبْطِلُونَ" (27).        

وقال أبو حمزة: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): "يا ثَابِتُ، كَأَنِّي بِقَائِمِ أَهْلِ بَيْتِي قَدْ أَشْرَفَ عَلَى نَجَفِكُمْ هَذَا، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، فَإِذَا هُوَ أَشْرَفَ عَلَى نَجَفِكُمْ نَشَرَ رَايَةَ رَسُولِ الله، فَإِذَا هُوَ نَشَرَهَا انْحَطَّتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ بَدْرٍ، قُلْتُ: وَمَا رَايَةُ رَسُولِ الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قَالَ: عُودُهَا مِنْ عُمُدِ عَرْشِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَسَائِرُهَا مِنْ نَصْرِ الله، لَا يَهْوِي بِهَا إِلَى شَيءٍ إِلَّا أَهْلَكَهُ الله، قُلْتُ: فَمَخْبُوءَةٌ هِيَ عِنْدَكُمْ حَتَّى يَقُومَ الْقَائِمُ فَيَجِدَهَا أَمْ يُؤْتَى بِهَا؟ قَالَ: لَا بَلْ يُؤْتَى بِهَا، قُلْتُ: مَنْ يَأْتِيهِ بِهَا: قَالَ: جَبْرَئِيلُ ـ عليه السلام ـ " (28).

الأمر الخامس: معتمد الأئمّة (عليهم السلام) في مناظرة المُخالفين 

شهد العصر الذي عاش فيه أبو حمزة الثمالي بعض الجماعات والفرق المنحرفة، كالمرجئة والخوارج والقدريّة، فنصبوا منابر لآرائهم، وعقدوا حلقات جدل بينهم.

وكان في طليعة المتصدّين أصحاب أئمّة أهل البيت (عليه السلام) وفي طليعتهم أبي حمزة الثمالي لتلك الجماعات والدخول معها في نزاعات واحتجاجات؛ لتفنيد آرائها والوقوف أمام انتشار عقائدها، ومن ورائه في ذلك كلّه أئمّة أهل البيت (عليه السلام) يمدّونه بمعين أفكارهم، ويلقّنونه بتأويل ما اشتبه على تلك الفرق من معاني الآيات وأصول الاعتقادات.

قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لأبي حمزة: "ابْرَؤوا مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْمـُرْجِئَةِ، وَالْخـَوَارِجِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالشَّامِيِّ، وَالنَّاصِبِ، قُلْتُ مَا النَّصَبُ؟ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ شَيْئاً وَأَبْغَضَ عَلَيْه‏" (29).

واستدعاه الإمام الصادق (عليه السلام) يومًا فأطلعه على حقائق خفيت على بعض الشيعة فيما ارتأوا من شروط في الإمامة، وأقام له الحجّة عليهم.

قال أبو حمزة: "وَاللهِ إِنِّي لَعَلَى ظَهْرِ بَعِيرِي بِالْبَقِيعِ إِذْ جَاءَنِي رَسُولٌ فَقَالَ: أَجِبْ يَا أَبَا حَمْزَةَ! فَجِئْتُ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ ـ عليه السلام ـ جَالِسٌ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَرِيحُ إِذَا رَأَيْتُكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَقْوَاماً يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيّاً ـ عليه السلام ـ لَمْ يَكُنْ إِمَاماً حَتَّى شَهَرَ سَيْفَهُ، خَابَ إِذًا عَمَّارٌ وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَصَاحِبُكَ أَبُو عَمْرَةَ، وَقَدْ خَرَجَ يَوْمَئِذٍ صَائِماً بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ بَأْسَهُمٍ فَرَمَاهَا قُرْبَى يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى حَتَّى قُتِلَ، يَعْنِي عَمَّاراً" (30).

وقد عنى الإمام (عليه السلام) بهؤلاء الأقوام: المشترطين في الإمامة الخروج بالسيف، واحتجاجه عليهم أنَّ عمّارًا وخزيمة بن ثابت وأبا عمرة ثعلبة بن عمرو الأنصاري وكذلك أبا ذر وسلمان والمقداد وحذيفة وغيرهم من السابقين من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو إمامهم، ولم يشهر سيفه وقتئذٍ.      

ولم يقف الأئمّة (عليه السلام) عند دعمهم لأبي حمزة ومدّه بما يعينه في صراعه العقائدي مع الخصوم والتّصدّي لهم، بل أطلعوه على ما أعدّ الله تعالى لتلك الفرق ولشيعة أهل البيت (عليه السلام) في حياتهم الأخرى؛ ليكون على بيّنة من أمره، وليزداد يقينًا على يقينه (31).

الأمر السادس: إنَّ أبا حمزة كان من ثقاتهم لدى الناس وقت الأزمات

فقد شهد أبو حمزة دعوة زيد بن علي (عليهما السلام) بالكوفة وعاش أحداثها وخذلان من بايعه وغرّه.  قال الإمام الصادق (عليه السلام): "يَا أَبَا حَمْزَةَ هَلْ شَهِدْتَ عَمِّي لَيْلَةَ خَرَجَ، قَالَ نَعَم‏" (32).

وقال أبو حمزة: "رَأَيْتُ زَيْداً بِالْكُوفَةِ فِي دَارِ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: الْأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمنْكَرِ. فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَتَنَقَّلُ فِي دُورِ بَارِقٍ وَبَنِي هِلَالٍ، فَلَمَّا جَلَسْتُ عِنْدَهُ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، تَقُومُ حَتَّى نَزُورَ [قَبْرَ] أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ‏ ـ عليه السلام ـ" (33).

ولم يقف أبو حمزة صامتًا عند محنة زيد وأمام تلك الأحداث وما جرى على آل الرسول؛ فقد ورد في خبر ((أنَّ أبا خالد الواسطي وأبا حمزة الثمالي قالا: "حبّرنا رسالة ردًّا على الناس، ثم إنّا خرجنا من الكوفة إلى المدينة، فدخلنا على محمد بن علي ـ عليهما السلام ـ، فقلنا له: جعلنا لك الفدا، إنّا حبّرنا رسالة ردًّا على الناس فانظر إليها قال: فاقرأوها، قال: فقرأناها. فقال: لقد أجدتم واجتهدتم فهل أقرأتموها زيدًا؟ قلنا: لا. قال: فأقرأوها زيدًا، وانظروا ماذا يردّ عليكم، قال: فدخلنا على زيد فقلنا له: جعلنا لك الفدا رسالة حبّرناها ردًّا على الناس جئناك بها. قال: اقرأوها، فقرأناها عليه حتى إذا فرغنا منها قال: يا أبا حمزة وأنت يا أبا خالد لقد اجتهدتم لكنّها تكسر عليكم، أمّا الجزء الأول فالرّدّ فيه كذا فما زال يردّها حتّى فرغ من آخرها حرفًا حرفًا، فوالله ما ندري من أيّ شيء نعجب من حفظه لها أو من كسرها. ثم أعطانا جملة من الكلام نعرف به الرّدّ على الناس، قال: فرجعنا إلى محمد بن علي فأخبرناه ما كان من زيد)) (34).

كان ذلك في عهد الحاكم الأموي هشام بن عبد الملك، ورغم ما أوصى به ولاته بالمراقبة الشّديدة لما يفد ويخرج من الكوفة وهي مصدر دعوة زيد، والمدينة وهي مركز الإمامة، ظل أبو حمزة متردّدًا بينهما مع بعد المسافة وخطورة الموقف حاملاً رسالة الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) وردودهم وتوصياتهم للناس من عدم الرّكون للظلم، وتذكيرهم بأنَّ أهل البيت هم الولاة والأحق بالأمر من غيرهم، وأنَّ زيدًا هو ابن رسول الله، وفرع السلالة المحمّدية التي بها هدي الناس، ونصرته هي نصرة جدّه (صلى الله عليه وآله)، وخذلانه هو الانحراف عن الدّين والخسران المبين.

فالغدر والقدر كان ثوبهم، فكما غدر بمسلم والحسين (عليهما السلام) غدر بزيد، وكما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله)، بمقتل الحسين (عليه السلام) أخبر بمقتل زيد، فبقلّتهم يحيى الإسلام، وبدمائهم تُروى شجرته.

 قال أبو حمزة الثمالي: ((كنت أزور علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ في كلّ سنة مرّة في وقت الحج، فأتيته سنة من ذلك، وإذا على فخذه صبيّ، فقعدت إليه وجاء الصّبيّ فوقع على عتبة الباب فانشج، فوثب إليه علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ مهرولاً فجعل ينشف دمه بثوبه ويقول له: يا بني أعيذك بالله أن تكون المصلوب في الكناسة. قلت: بأبي أنت وأمّي أيّ كناسة؟ قال: كناسة الكوفة، قلت: جعلت فداك ويكون ذلك؟! قال: إي والّذي بعث محمّدًا بالحق إن عشت بعدي لترينّ هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة مقتولاً، مدفونًا، منبوشًا، مسلوبًا، مسحوبًا، مصلوبًا، في الكناسة، ثم ينزل فيحرق ويدقّ، ويذرى في البر. قلت: جعلت فداك وما اسم هذا الغلام؟ قال: هذا ابني زيد. ثم دمعت عيناه.

وساق أبو حمزة الحديث إلى أن قال: فوالله لقد رأيته مقتولاً، مدفونًا، منبوشًا، مسلوبًا، مسحوبًا، مصلوبًا، ثم أحرق ودقّ في الهواوين، وذرّي في العريض من أسفل العاقول)) (35).

شهد ذلك أبو حمزة، وشهد مقتل أبنائه الثلاثة: نوح، ومنصور، وحمزة (36)، وقد خرجوا مع زيد ولبّوا دعوته لنصرته وصمدوا معه حتّى استشهدوا رحمهم الله.

عن جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِي‏ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عَنْ آبَائِهِ [عليهم السلام] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) لِلْحُسَيْنِ (عليه السلام): "يَا حُسَيْنُ، يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: (زَيْدٌ)، يَتَخَطَّى هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِقَابَ النَّاسِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ" (37).

الأمر السّابع: مدح الأئمّة (عليه السلام) [له]

قال الرّضا (عليه السلام): "أَبو حَمْزَةَ الثّمالِيُّ كَلُقْمانَ في زَمانِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَدَمَ أَرْبَعَةً مِنّا: عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَبُرْهَةً مِنْ عَصْرِ موسى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهم السلام)" (38).

وقال أبو حمزة: "كَانَتْ بُنَيَّةٌ لِي سَقَطَتْ‏ فَانْكَسَرَتْ‏ يَدُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا التَّيْمِيَّ فَأَخَذَهَا فَنَظَرَ إِلَى يَدِهَا، فَقَالَ: مُنْكَسِرَةٌ، فَدَخَلَ يُخْرِجُ الْجَبَائِرَ وَأَنَا عَلَى الْبَابِ، فَدَخَلَتْنِي رِقَّةٌ عَلَى الصَّبِيَّةِ فَبَكَيْتُ وَدَعَوْتُ، فَخَرَجَ بِالْجَبَائِرِ فَتَنَاوَلَ بِيَدِ الصَّبِيَّةِ فَلَمْ يَرَ بِهَا شَيْئاً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْأُخْرَى فَقَالَ: مَا بِهَا شيء، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ ـ عليه السلام ـ فَقَالَ: يَا بَا حَمْزَةَ، وَافَقَ الدُّعَاءُ الرِّضَا، فَاسْتُجِيبَ لَكَ فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْن‏" (39).

وقال أبو بصير: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: " دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله ـ عليه السلام ـ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ؟ قُلْتُ: خَلَّفْتُهُ صَالِحاً.

قَالَ: إِذَا رَجَعْتَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَأَعْلِمْهُ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي شَهْرِ كَذَا، وَفِي يَوْمِ كَذَا.

قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَالله لَقَدْ كَانَ فِيهِ أُنْسٌ، وَكَانَ لَكُمْ شِيعَةً.

قَالَ: صَدَقْتَ، مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ لَهُ.

قُلْتُ: شِيعَتُكُمْ مَعَكُمْ؟

قَالَ: إِذَا هُوَ خَافَ الله، وَرَاقَبَ الله، وَتَوَقَّى الذُّنُوبَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ دَرَجَتُنَا.

قَالَ: فَرَجَعْتُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَمَا لَبِثَ أَبُو حَمْزَةَ إِلَّا يَسِيراً حَتَّى‏ تُوُفِّيَ‏ (رَحِمَهُ الله)" (40).

الأمر الثامن: إيثار الأئمّة (عليه السلام) له على سواه:

والأخبار المشيرة لهذا المعنى كثيرة، تعدّدت حسب تعدّد المناسبات منها: قال أبو حمزة: "قلت لأبي جعفر ـ عليه السلام ـ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ الشِّيعَةَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: 1-2] قَالَ: فَقَالَ: ذَلِكَ الَّتِي إِنْ شِئْتُ أَخْبَرْتُهُمْ وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أُخْبِرْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: لَكِنِّي أُخْبِرُكَ بِتَفْسِيرِهَا، قَالَ: فَقُلْتُ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ، قَالَ: فَقَالَ: هِيَ فِي أَمِيرِ الْمؤْمِنِينَ ـ عليه السلام ـ، قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمؤْمِنِينَ يَقُولُ: مَا لله آيَةٌ أَكْبَرُ مِنِّي، وَلَا لله مِنْ نَبَأ عَظِيمٍ أَعْظَمُ مِنِّي، وَلَقَدْ عُرِضَتْ وَلَايَتِي عَلَى الْأُمَمِ الْماضِيَةِ فَأَبَتْ أَنْ تَقْبَلَهَا، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: 67-68] ، قَالَ: هُوَ وَالله أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ـ عليه السلام ـ" (41).

إنَّ أبا حمزة لم يرجع فيما أشكل عليه من تفسير الآيات إلّا لأئمّة أهل البيت (عليه السلام)، وما ذاك إلا اعتقادًا منه بأنّهم أعلم الناس بالقرآن، وأنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قد جعلهم عِدلاً لكتاب الله في وجوب التّمسّك بهم والرّجوع إليهم.

ومن وصاياهم (عليه السلام) لأبي حمزة: قال له أبو عبد الله (عليه السلام): "يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا كَانَ وَلَنْ يَكُونَ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَلَهُ بَلَايَا أَرْبَعٌ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَارٌ يُؤْذِيهِ، أَوْ مُنَافِقٌ يَقْفُو أَثَرَهُ، أَوْ مُخَالِفٌ يَرَى قِتَالَهُ جِهَاراً [جِهَاداً]، أَوْ مَنْ [مُؤْمِنٌ‏] يَحْسُدُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ أَشَدُّ الْأَرْبَعَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ فَيُصَدَّقُ عَلَيْهِ: وَيُقَالُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ فَمَا بَقَاءُ [ممانعا] الْمُؤْمِنِ بَعْدَ هَذا" (42).

وقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): "يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنْ تَرَكْتَ النَّاسَ لَمْ يَتْرُكُوكَ، وَإِنْ رَفَضْتَهُمْ لَمْ يَرْفُضُوكَ، قُلْتُ: فَمَا أَصْنَعُ، قَالَ: أَعْطِهِمْ مِنْ عِرْضِكَ لِيَوْمِ فَقْرِكَ وَفَاقَتِكَ" (43).

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): "يَا ثَابِتُ، إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَثَّهُ بِالْبَلَاءِ غَثّاً، وَثَجَّهُ بِهِ ثَجّاً، وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ لَنُصْبِحُ بِهِ وَنُمْسِي‏" (44).

وقال له محمد الباقر (عليه السلام): "يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا لَكَ إِذَا أَتَى بِكَ أَمْرٌ تَخَافُهُ أَنْ لَا تَتَوَجَّهَ إِلَى بَعْضِ زَوَايَا بَيْتِكَ يَعْنِي الْقِبْلَةَ فَتُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَقُولَ: يَا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ وَيَا أَسْمَعَ السَّامِعِينَ وَيَا أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، سَبْعِينَ مَرَّةً كُلَّمَا دَعَوْتَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَرَّةً سَأَلْتَ حَاجَةً" (45).

وقال علي بن الحسين (عليهما السلام) لأبي حمزة: "إِذَا [إِنْ‏] أَرَدْتَ يطيب [أَنْ يُطَيِّبَ‏] الله مِيتَتَكَ، وَيغفر [يَغْفِرَ] لَكَ ذَنْبَكَ يَوْمَ تَلْقَاهُ، فَعَلَيْكَ بِالْبِرِّ، وَصَدَقَةِ السِّرِّ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الْعُمُرِ، وَيَنْفِينَ الْفَقْرَ، وَيَدْفَعْنَ عَنْ صَاحِبِهِنَّ سَبْعِينَ مِيتَةَ سَوْءٍ" (46).

وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): "أَبَا حَمْزَةَ، لَا تَنَامَنَّ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنِّي أَكْرَهُهَا لَكَ، إِنَّ الله يُقَسِّمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ، وَعَلَى أَيْدِينَا يُجْرِيهَا" (47).

وقال له أبو عبد الله (عليه السلام): "يَا أَبَا حَمْزَةَ، الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ يُذْهِبَانِ الْفَقْرَ، قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَذْهَبَانِ بِالْفَقْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَذْهَبَانِ بِهِ" (48).

وقال له أبو جعفر (عليه السلام): "يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَتَى مُسْلِماً زَائِراً، أَوْ طَالِبَ حَاجَةٍ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ، فَاسْتَأْذَنَ لَهُ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ، لَمْ يَزَلْ فِي لَعْنَةِ الله حَتَّى يَلْتَقِيَا، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فِي لَعْنَةِ الله حَتَّى يَلْتَقِيَا؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا حَمْزَةَ" (49).

وقال له أبو جعفر الباقر (عليه السلام): "أَيُّمَا مُؤْمِنٍ عَادَ مُؤْمِناً، خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ خَوْضاً، فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا انْصَرَفَ وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ، يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَيَسْتَرْحِمُونَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: طِبْتَ وَطَابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ، إِلَى تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ غَدٍ، وَكَانَ لَهُ يَا أَبَا حَمْزَةَ، خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، قُلْتُ: وَمَا الْخَرِيفُ‏ جُعِلْتُ‏ فِدَاكَ؟ قَالَ: زَاوِيَةٌ فِي الجَنَّةِ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِيهَا أَرْبَعِينَ عَاماً " (50).

تاريخ وفاته [رضي الله عنه وأرضاه]:

اختلف المحدّثون، وعلماء الرجال، والترجمة، في سنة وفاة أبي حمزة.

فذكر النجاشي والكشي وابن داود أنّها كانت سنة 150هـ (51)، وقال ابن سعد: إنَّه توفي في خلافة المنصور، وكانت خلافته بين 136 –  158 هـ (52)، وقال ابن حبان (53) أنَّه توفي سنة 148 هـ.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي: 1 / 34.

(2) المصدر نفسه: 8 / 14- 15.

(3) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: 4 / 79.

(4) تفسير فرات الكوفي: 534.

(5) أي: ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض. مختار الصحاح.

(6) الكافي: 1 / 339.

(7) الخرائج والجرائح: 1 / 328.

(8) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 2 / 932.

(9) الكافي: 1 / 180.

(10) المصدر نفسه: 1 / 184 ــ 185.  

(11) المصدر نفسه: 1 / 530.

(12) علل الشرائع: 2 / 406.

(13) الكافي: 1 / 405.

(14) المصدر نفسه: 8 / 255.

(15) مناقب آل أبي طالب: 4 / 148.

(16) المصدر نفسه: 4 / 193. 

(17) المزار الكبير، لابن المشهدي: 168.

(18) تهذيب الأحكام، تحقيق الخرسان: ‏2 / 342.

(19) الكافي: 2 / 579 ــ 580.

(20) من لا يحضره الفقيه: 1 / 491.

(21) المحاسن: 1 / 223.

(22) تفسير العياشي: 2 / 167. 

(23) كشف الغمة في معرفة الأئمة: 2 / 77.

(24) علل الشرائع: 1 / 232. 

(25) الغيبة، للنعماني: 186- 187.

(26) المصدر نفسه: 86.

(27) كمال الدين وتمام النعمة: 2 / 652.

(28) الغيبة، للنعماني: 308.  

(29) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: 12 / 317.

(30) رجال الكشي: 33.

(31) ينظر: تفسير فرات الكوفي: 534.

(32) كامل الزيارات: 29.      

(33) فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف: 117.

(34) الحدائق الوردية في مناقب الأئمّة الزيدية، حميد الشهيد بن أحمد بن محمد المحلّي (ت: 652هـ)، تحقيق: د. المرتضى الحسني، مكتبة بدر- صنعاء/ الأولى 1423هـ: 1/250-251.

(35) فرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف: 115.

(36) ينظر: رجال النجاشي: 115. أعيان الشيعة: 5 / 464.

(37) الأمالي، للصدوق: 330. 

(38) رجال الكشي: 203.

(39) بحار الأنوار: 66 / 282.

(40) دلائل الإمامة: 256.

(41) بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (عليهم السلام)‏: 1 / 76 - 77.

(42) التمحيص: 32.

(43) الكافي: 2 / 541.

(44) المؤمن: 25.

(45) الكافي: 2 / 556.

(46) عدة الداعي ونجاح الساعي: 101.

(47) بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (عليهم السلام): 1 / 343.

(48) الكافي: 6/290.

(49) المصدر نفسه: 2 / 365.

(50) المصدر نفسه: 3 / 120. 

(51) رجال الكشي: 59؛ رجال النجاشي: 115؛ الرجال، لابن داود: 396.

(52) أعيان الشيعة: 4 / 9.

(53) كتاب المجروحين: 1 / 206.  

 

 

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد