من أفضل وسائل التكامل هو تحمل المصاعب والمشاق التي تمثل نوعا من الامتحان كما يجلب الصبر والتحمل معه أعلى درجات الاستعداد كي يصل الانسان الممتحن الى المقام الشامخ ولما كان تحمل الشدائد الشاقة هو من الامور الصعبة بل قد يكون في بعض الاحيان مستصعبا فأفضل الطرق الى تحصيل قدرة المقاومة وتوفير قوة الاستقامة هو طلب النصرة من الله المقتدر العزيز وكلما اقترن هذا الطلب بالتضرع والتوسل الى المقام الالهي كان مثمرا أكثر.
والايتان التاليتان هما الدليل الناطق على هذا الحبث (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[1])، حيث تفيدان أن السنة الالهية هي الامتحان بالبأساء والضراء وما على المؤمنين في هذا الامتحان سوى التضرع التوحيدي فإذا تضرعوا هانت عليهم المصاعب ونالوا أعظم الجوائز.
لقد استقام أنبياء الله ومن معهم من المؤمنين والتجئوا الى الله بقلوب مطمئنة كلما جابهوا المخاطر والمشاكل وكانوا يقولون وهم في تلك الحالة: إلها امددنا بنصرك: (مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ)، فأجابهم الله أن اعلموا أن نصر الله قريب: (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). ومفردة (متى) تستعمل للسؤال عن الزمن وهذا يعني أن السؤال لم يكن عن أصل النصرة حيث كانوا متيقنين منها بل سؤالهم عن زمانها المناسب.
إن الفرار أثناء الامتحان الدفاعي وترك الميدان والاعتراض باللسان والإنكار القلبي كل ذلك المذكور لا يتناسب مع الصبر فإذا قيل في مثل هذه الاحوال (مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ) فهو من باب الاستبعاد والاستنباط لا الاستدعاء ولما كان الرسول الالهي منزها عن كل العيوب والنقائض فلا حذور في اسناد هذا التعبير اليه أما التفكيك بين جملة (مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ) وجملة (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) على أساس أن الاولى هي قول المؤمنين والثانية هي جواب الاولى وقول رسول الله فهو تفكيك يجانب الصواب ولا يخلو من التكلف كما يقول الفخر الرازي[2] وقد رفضه أبو حيان الاندلسي في كتابه[3] مثلما رفضه بعض المحققين الاخرين أيضا فالجملة الثانية هي كلام الله ويراد بها تكرار المشاهد التاريخية المشابهة.
وعلى هذا تكون جملة (مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ) هي دعاء واستدعاء لا اعتراض على تأخر مجيء النصر الالهي.
والإنسان قد يسأل أحيانا بطريقة مؤدبة تماما ويقول: متى تتفضلون علينا بالشيء الفلاني؟ إلا أنه أحيانا اخرى قد يتذمر ويسيء الادب ويتساءل: الى متى؟ لماذا تأخرت؟
ومثل هذا الامر قد يحدث من الناس الاخرين أي إنهم ربما قالوا: إلهنا لقد تأخرت مساعدتك فأين هو نصرك؟ لكن الامر بالنسبة الى رسول الله وأصحابه الخلص هو بمثابة الاستدعاء أي إنهم يقولون بلسان الدعاء: متى تعيننا؟ لأن رسول الله معصوم وانطلاقا من قرب النوافل يتحدث بلسان الله وبأذنه ويكل الاعمال اليه ومن هنا فلا يمكن أن يتحدث عن تأخر النصر الالهي (الاستنباط) بأن يقول إنه كان اللازم أن ترسل نصرك معاذ الله ولكنك لم تفعل ذلك والآن أرسل لنا هذا النصر الموعود بل هو يتحدث بلسان الاستدعاء ويقول: إلهنا متى تتلطف علينا؟ حيث تتضمن العبارة قصد الدعاء والتوسل وهو ما ينسجم مع ادب الرسالة.
وجملة (مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ) نطق بها (الرسول) الذي اشترك مع أمته في هذا القول مثلما نطق بها المؤمنون الصادقون بلسان الدعاء والاستدعاء لكن المؤمنين ضعيفي الايمان ربما نطقوا بها بلسان الاستبطاء أو الاستبعاد متوهمين أن لهم الحق في الاحتجاج على الله ومساءلته عن سبب تأخر عونه وتباطؤه، مثلما ورد في شأن نزول الآية من تجاسر عبد الله بن أبي وقلة أدبه[4].
أضف إلى ذلك أنّ كلمة (قريب) في (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) تشير إلى تطابق الجواب مع السؤال وتناسبها؛ لأنّ السؤال كان عن زمان النصرة، ولم يكونوا يقصدون من سؤالهم الاستبطاء والاستبعاد حتى يشكل البعض فيقول إن الرسول الإلهي لا يمكن أن يتكلّم بمثل هذا الكلام. إذن، فلا يستفاد من ذيل الآية أن المراد من السؤال كان الاستبطاء والاستبعاد، بل المستفاد منه هو تناسب الجواب مع السؤال.
تنبيه: لما كان أنبياء الله والمؤمنون الحقيقيون واصلين إلى مقام التسليم في جميع شؤون حياتهم - كل حسب درجة إيمانه - إتبَعُوا أوامر الله في جميع شؤون حياتهم، لا فرق في ذلك بين كونهم في مقام الاستدعاء والتوسل لطلب النصرة الإلهية، أم في مقام آخر.
وجميع الأنبياء - وخصوصاً النبي الأكرم ﷺ في المرتبة العليا يقولون: حسبي الله ربّي[5]، وأعلى من ذلك ما قاله الله لرسوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[6])، وأعلى من ذلك قول إبراهيم عليه السلام: «حسبي من سؤالي علمه بحالي[7]»؛ لكنهم في مقام الدعاء أيضاً يسلمون أمرهم إلى الله، ولما كان الله يدعوهم إلى الدعاء[8]، فهم يطيعونه وينفّذون ما يأمرهم به. وعلى هذا لا يكون في طلبهم للنصر أيّ منافاة مع مقام الشكر والتسليم والرضا بالقضاء الإلهي لهؤلاء العظماء؛ لأنّ كلّ ذلك إنّما هو من جانب الله[9].
وقد يرد بعض الأدعية التي لا تتضمّن تجاوزاً لحدود الأدب مع الله ويراد به التعليم أحياناً، لكن تعليم الضعفاء أو المتوسطين من أهل الإيمان بأحد الأدعية المخصوصة لا يعني ترغيب الأوحدي منهم بمثل هذا الدعاء.
[1] سورة الانعام الايتان 42 و43.
[2] التفسير الكبير مج3 ج6 ص21
[3] تفسير البحر المحيط ج2 ص149
[4] راجع: مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 546 .
[5] بحار الأنوار، ج 83، ص 51 .
[6] سورة الأنفال، الآية 64 .
[7] بحار الأنوار، ج 68، ص 156 .
[8] سورة غافر، الآية 60 .
[9] مواهب الرحمن، ج 3، ص 259 .