كان لكلّ واحدٍ من أنبياء الله رسالته ومسؤوليته الخاصة، ومع ذلك كانوا جميعاً يتبعون سنناً واحدة وثابتة لوجود أصول مشتركة حاكمة عليهم جميعاً. وهذه الأصول الكلية من أحكام النبوة والرسالة عامة، لا تختص بعصر أو مصر أو نسل. ورعاية تلك الأحكام من الأمور اللازمة على جميع. حملة الرسالات الإلهية، وتفاوت درجات الأنبياء لا يوجب اختلافهم في أصل تلك الأحكام[1]، وإن أوجب تفاوت مراتب تلك الأوصاف.
و(التبشير والإنذار) واحد من تلك الأصول الثابتة والعامة في السيرة المشتركة لأنبياء الله: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). وقد صرح القرآن الكريم في آياتٍ عديدة بهذا الأصل المشترك، معتبراً التبشير والإنذار تجسيداً للسيرة العملية وتنفيذاً لواجبات رُسُل الله: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ[2])، كما مدح رسول الإسلام العظيم بهذا الوصف: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا[3])، معتبراً الإنذار هو الواجب الأول لرسالته: (قُمْ فَأَنذِرْ[4]).
إن الدافع الأول لحركة أكثر الناس هو (توقع المنفعة) و(الخوف من الضرر)، ولهذا نرى أنبياء الله يحبّون الناس على الإيمان والعمل الصالح من خلال وعدهم بالسعادة والجنّة ووعيدهم بالشقاء وجهنم، وهكذا تكون جملة (مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) حالاً لكلمة (النَّبِيِّينَ) في اصطلاح النحاة.
والستر في تقديم البشارة على الإنذار يكمن في تقدّم رحمة الله على غضبه من جهة، ورجحان أصل السلامة على شفاء المرض من جهةٍ أُخرى: (سبحان الذي سبقت رحمته غضبه[5])، وهذا إنّما يكون من زاوية التشريع الإلهي. أما تقديم الإنذار على التبشير في: (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[6]) فهو من زاوية مراعاة حال العباد؛ حيث إن إصلاح الكثير من الناس يكون عن طريق التخويف من النار.
وقد حصر بعض الآيات واجب الأنبياء بالإنذار: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ[7])، (إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ[8])؛ (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ[9]) وذلك لأن تقدّم الإنذار على التبشير وأفضلية دوره في إصلاح المجتمع لا يصح في وقت الاستفادة منه فقط، بل إنّ الناس إذا خافوا من النار فحينئذٍ سوف لن يرتكبوا أي ذنب ولن يخافوا من أي شيء آخر سوى النار، أما إذا لم يخافوا من النار ولم يكن عذابها واحداً من الحقائق المهمة المقبولة لديهم؛ فعند ذلك يخافون من أي شيء إذا كان فيه أدنى تهديد سياسي أو اجتماعي أو ما شابه ذلك، ويرتكبون الذنوب على اختلاف أنواعها.
وإذا قيل لعلماء الدين إنّهم ورثة الأنبياء، فإنّما ذلك هو من أجل دراستهم للعلوم الإلهية في المحافل العلمية وتفقههم وتحذيرهم للناس من النار: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ[10])؛ إذ إن الهدف الأصلي هو (الإنذار) الذي هو ميراث الأنبياء، والفقاهة هي المقدمة والجسر الموصل إلى وراثة الأنبياء التي هي أساس كل الكمالات.
وتخويف المجتمع من النار ليس من الأمور اليسيرة، إذ ليس كل الكلام مؤثراً في الناس، بل يجب أن يؤثر في القائل نفسه أولاً. وقد كان رسول الله ﷺ حين يتحدث عن جهنم والقيامة كمَن يخبر قومه عن هجوم جيوش العدوّ الحقيقية عليهم، فيشحب وجهه ويتغيّر لونه: وتحمار وجنتاه ويذكر الساعة وقيامها، حتى كأنه مُنذر جيش يقول: صبحتكم الساعة! مستكم الساعة![11].
وقد أورد الله سبحانه في مفتتح الآية صفتي البشارة والإنذار كي تكونا تحذيراً لعلماء الدين وحَمَلة الكتاب كي يخشوا من عقاب الله ولا يدفعهم البغي والحسد لبت الخلافات الدينية، ومع أنّ (الكتاب) بحد ذاته يتضمن (التبشير والإنذار) أيضاً، إلا أنّ الله تعالى أورد كلتا الصفتين بصورة مستقلة كي يبين أهمية وخطورة البشارة والإنذار في تربية الناس. ومع أن الإنذار والتبشير إذا كانا في حد الموعظة والنصيحة يكونان مفيدين في رفع أو تقليل الاختلافات العملية، إلا أن نزول الكتاب السماوي والقانون الإلهي ينهي أكثر الاختلافات العلمية والنظرية.
ملاحظة: بناءً على ما سنبينه في المباحث القادمة حول الاختلاف في الدين فإن الإشارة إلى صفتي الإنذار والتبشير لدى أنبياء الله إنما جاءت كي تكون بشارة لدعاة الوحدة وإنذاراً لدعاة الاختلاف في الدين حتى لا يقعوا في محذور الابتلاء بالمصير الأسود للعذاب الإلهي الذي سينالهم جزاءً لهم على وقوع الاختلاف في الدين.
[1] راجع: تفسیر موضوعی قرآن كريم، ج 6، ص 41 - 121 .
[2] سورة الأنعام، الآية 48 .
[3] سورة الأحزاب، الآية 45.
[4] سورة المدثر، الآية 2.
[5] البلد الأمين، ص 103؛ مصباح المتهجد، ص 443 ؛ بحار الأنوار، ج 87، ص 158
[6] سورة الأعراف الآية 188.
[10] سورة التوبة، الآية 122 .
[11] الأمالي، المفيد، ص 2 1 1، المجلس 24؛ بحار الأنوار، ج 16، ص 256 .