قال الله سبحانه مبشّراً للمؤمنين الفقراء ومهدداً للكافرين والأثرياء المغرورين الذين لا يؤمنون: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
والمقصود من كلمة (بِغَيْرِ حِسَابٍ) هو الرزق في بعض الأحيان، والمرزوق حيناً آخر، والرازق حيناً ثالثاً. ولا شك في أن أوّل ما يظهر منها هو ذلك الاحتمال الأول، إلّا أنّ تعدّد وجوه القرآن الحكيم من ناحية، وكثرة الاحتمالات المعقولة لكلّ آية من ناحية أخرى، تدفعان المفسّرين إلى النظر في كلّ الاتجاهات عسى أن يساعدهم ذلك في الإدراك الأفضل لشواهد اتصاف الآيات الإلهية بأنها من جوامع الكلم.
وإذا كانت (بِغَيْرِ حِسَابٍ) متعلقة بالمرزوق فسيكون الحساب بمعنى الاحتساب، وحينئذ يكون منسجماً مع (الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ...[1]).
أما إذا كانت متعلقة بالرازق فيكون الحساب بمعنى المحاسبة والمطالبة وهو ما ينسجم مع، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ[2])، بمعنى عدم جواز اعتراض الآخرين على الذات المقدّسة الإلهية ومحاسبتها عن اتصافها بصفة الرازق الممتازة؛ لأن جميع عطاياه محسوبة وحكيمة: (جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا[3]).
ولا بد من الالتفات إلى أنّ الرزق نفسه قد يستعصي على الحساب أحياناً، وليس الستر في ذلك هو كثرته العددية ،ووفوره بل أبديته ولا محدوديته؛ كما هو الحال مع إحدى النعم المعيّنة في الجنّة، لأن الواحد العددي نفسه يكون لا متناهياً من جهة الامتداد، ولا يمكن حساب أي واحد من اللامتناهيات.
وجميع هذه الوجوه - التي تمثل الأوجه الخمسة التي ذكرها الشيخ الطوسي رحمه الله في التبيان[4] وذكر الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان[5] بعضاً منها - يمكن أن يندرج في إطار هذه الكلمة الجامعة.
وفي ما يلي بعض الأوجه المذكورة ذيل الآية التي هي مورد البحث في تفسير عدم محدودية الرزق الإلهي: 1. إن الله يرزق جماعة من أهل الإيمان رزقاً وفيراً بحيث لا يمكن حسابه وعده؛ وذلك ليس من جهة أنّ عمل الله - والعياذ بالله عشوائي لا مقادير فيه، لأن الله إنما خلق كل الأشياء بحساب وهندسة وحكمة، ولا يوجد شيء غير محسوب (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ[6])، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[7])، وهكذا فالفيض والفضل الإلهي الذي يصل إلى بعض المؤمنين أحياناً يكون من الكثرة بحيث لا يمكن حصره وعده حسابياً.
2. لا تقاس المواهب الإلهية بمقدار أعمالنا، بل هي تقاس بما يتناسب مع فضله وكرمه اللامتناهي الذي يفوق الحدود.
3. إذا تفضّل الله برزق خاص على أحد الأفراد، لا يحاسب ذلك الشخص في المعاد عن الرزق المذكور. وحاصل الكلام أن الرزق ربما كان بعنوان الجزاء للسعي المشكور وهو الرزق المحسوب، وربما كان في أحيان أخرى ابتدائياً بعنوان التفضل وهو من هذه الجهة يكون غير محسوب وكما أنّ هذا الرزق ليس مسبوقاً بحساب، فهو غير ملحوق به أيضاً. ومثل هذا النوع من الأرزاق يمكن استفادته من عبارة. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ[8]).
ملاحظة: يمكن أن يكون الستر في إنهاء الآية بجملة، (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، هو تنبيه الناس إلى حقيقة أن الدنيا وجميع شؤونها وخصوصاً تحصيل رزقها - إنما تخضع في تنظيمها وإدارتها إلى الإرادة الإلهية الحكيمة والهادفة؛ وليس كما يريده المخلوقون ويرونه صالحاً. ومن هنا ربما أعطى الدنيا إلى المذنبين من باب الامتحان في الوقت الذي يحرم المحسنين منها.
ومن هنا روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (إنّ الله تعالى وسع أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء ويعلموا أنّ الدنيا ليس ينال ما فيها بعمل ولا حيلة[9]).
[1] سورة الطلاق، الآيتان 2 و 3.
[2] سورة الأنبياء، الآية 23 .
[3] سورة النبأ، الآية 36 .
[4] التبيان، ج 2، ص 192 - 193.
[5] مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 541 - 542 .
[6] سورة الرعد، الآية 8 .
[7] سورة القمر، الآية 49 .
[8] سورة النساء الآية 173 .
[9] تهذيب الأحكام، ج6، ص 323؛ بحار الأنوار، ج 100، ص 34.