وفي الثالث عشر من كانون الثاني سنة 27، أعلن أوكتافيانوس لشيوخ الدولة أنه ينوي إعادة ما تسلم من سلطان وقوة إلى المجلس، فقابله مؤيدوه في المجلس بوابل من الصياح والاحتجاج والاستنكار، فظهر مرة أخرى بمظهر المسالم البعيد عن الإكراء البريء من المطاعن، المنزَّه عن النقائص. ونزولًا عند رغبة هؤلاء الصاخبين، الذين استنكروا استعفاءه قبل «القنصلية بالوكالة Pro consule» في إسبانية وغالية وسورية ومصر، أي الولاية على هذه الولايات باسم القنصل، وقيادة الجيوش فيها، وذلك لمدة عشر سنوات. واجتمع الشعب في مجلس ما، ووافق على هذه القرارات، فزادها صحة وثبوتًا. ولما كانت هذه الولايات تشغل القسم الأكبر من الجيش أمسى أوكتافيانوس يتصرف بقوة عسكرية كبيرة، ويتكلم باسمها. ومع أن العرف قضى بألا يمارس وكيل القنصل صلاحياته القانونية والعسكرية في رومة، بل في الولاية أو الولايات التي عُيِّن عليها، فإن هذا العرف لم يشمل أوكتافيانوس؛ لأنه كان وكيل قنصل «بروقنصل» في ألويات، وقنصلًا في الوقت نفسه في رومة (1).
وفي السادس عشر من كانون الثاني من السنة نفسها 27ق.م.، أطلق السناتوس على أوكتافيانوس لقب أوغوسطوس، أي الجليل المحترم، وأطلق هذا اللفظ نفسه على الشهر «سكستيليس Sextilis»، فراج اللقب الجديد رواجًا كبيرًا، وكاد لا يُعرف أوكتافيانوس بعدئذٍ إلا به، ولم يكن في هذا التقليب الرسمي أي جديد، فسولَّا كان «سعيدًا»، وبومبايوس كان «عظيمًا»، ولكن انتقاء اللقب الجديد كان موفقًا من الناحية السياسية؛ لأنه حمل شيئًا من التعظيم الديني، إذ ذكَّر الرومانيين برومولوس اﻟ augusto augurio، الذي أسس المدينة (2).
أوغوسطوس في السنة 27ق.م. مكللًا بورق العقص لنجاحه في الأمور المدنية.
ولم يكتفِ أوغوسطوس بهذا القدر من السلطة والسيادة الفعلية الواقعية، فإنه أنشأ في هذه الآونة نفسها لجنة «السناتوس الدائمة amici caesaris» لجنة أصدقاء قيصر؛ لتعد جدول أعمال السناتوس، وتألفت هذه اللجنة من القناصل، ومن ممثل عن كل سلطة حكومية أخرى، ومن خمسة عشر عضوًا من أعضاء السناتوس يُنتخبون انتخابًا لمدة ستة أشهر (3)، فضيق بذلك مجال البحث في السناتوس، وإذا ما ذكرنا أنه لم يكن له كُفأً أحد بين أعضاء هذه اللجنة، أدركنا أنه كاد يسير الأمور كما شاء.
وعلى الرغم من هذا كله، ظلَّ أوغوسطوس يدعي أنه أعاد الجمهورية إلى سالف عهدها، وأنه لم يكن هو سوى مواطن أول princeps في جمهورية حرة سيدة مستقلة. ولم يكن في هذا اللقب أي جديد، فإن الرومانيين كانوا قد أطلقوه على بومبايوس وقيصر، وكانوا قد استعملوه في صيغة الجمع منذ عهد بعيد، ولم يتخذ أي قرار رسمي في استعمال هذا اللقب، ولم يكن اختصار اللقب الأول بين «أعضاء السناتوس princeps senatus» (4)، وإنما كان لفظًا غير رسمي يشير إلى تقدم أوغوسطوس في الشئون المدنية، كما أشار اللقب أوغوسطوس إلى مكانته الممتازة في الشئون والأسرار الدينية (5).
وسارع أوغوسطوس بعد أن جمع هذا المقدار من السلطة بين يديه، إلى العمل المثمر في سبيل رومة وإيطالية. فعني بشبكة الطرقات، وخصَّ الطريق الشمالي الذي ربط رومة بأرمينوم Via Flaminia برعايته، بينما هب أعوانه لإصلاح باقي الطرقات، ثم نهض إلى الولايات الغربية لتحسين أحوالها، فقضى الباقي من السنة 27 في غالية والسنتين 26 و25 في إسبانية. ولم يعد إلى رومة قبل ربيع السنة 24 (6).
.............................................
(1) STEVENSON, G., Pro consule, Ox. Class. Dict.
(2) BALSDON, J.P., Augustus, Ox, Class. Dict.
(3) DIO CASS., 53:21.
(4) Ibid., 51:1; RES GESTAE, 7.
(5) BALSDON, J., Princeps, Ox, Class. Dict.; HAMMOND, M., The Augustan Principate, (1933); MOMMSEN, Th., Rom. Staatsr., II, 3.
(6) JONES, H.S., The Princeps, Cam. Anc. Hist., X, 127–135.