بدايات التمثيلية الإذاعية
المؤلف:
د. محمد معوض إبراهيم د. بركات عبد العزيز
المصدر:
إنتاج البرامج الإذاعية والتليفزيونية
الجزء والصفحة:
ص 468- 470
2026-08-20
15
بدايات التمثيلية الإذاعية:
يرى البعض أن التمثيلية الإذاعية ظهرت خلال فترة ازدهار الراديو واستطاعت أن تستحوذ على جماهير واسعة، خاصة في فترة ما بعد الظهر، حيث كانت محطات الإذاعة تقدم حلقات مسلسلة تتناول موضوعات عديدة خاصة بربات البيوت، وكان الراديو وقتذاك حسب رؤية Lynne Schafer متخماً بالمواد الدرامية حتى جاء التليفزيون، وعندئذ تقلصت الدراما في الراديو بشكل واضح، ولكن ما أن هدأت الصدمة الأولى، حتى عاد الراديو مـرة أخرى، ينافس التليفزيون في مجال الدراما على نطاق محدود، وكمحاولة للتجاوب مع الاهتمام والقبول العام، وتغيرت الدراما الإذاعية بصورة ملحوظة على ضوء المستجدات التي أوجدها التليفزيون.
ومما يلاحظ على بدايات التمثيلية الإذاعية أنها دخلت إلى الإذاعة عن طريق المسرح مستخدمة في ذلك "ميكروفون" ينقل أصوات الممثلين، وما يدور على خشبة المسرح، غير أنه سرعان ما تبين أن طبيعة الراديو تختلف عن طبيعة المسرح، فالأول يعتمد كل الاعتماد على حاسة السمع بينما يعتمد المسرح على حاسة الإبصار بجانب حاسة السمع، وعلى الرغم من أن الإذاعيين حاولوا أن يعوضوا المستمع عما يفقده من عناصر الرؤية، إلا أن ذلك لم يكن كافيا بالمرة، صحيح أن المذيع كان يصف للمستمع المنظر الذي تدور فيه الأحداث بما في ذلك المكان والزمان وحركات الممثلين وتعبيراتهم، والمؤثرات المسرحية المنظورة كالإضاءة والمكياج ولكن ذلك كله لم يحقق الظاهرة الإذاعية التي تمليها الإذاعة كشكل فني متميز يجعل الأذن تمسك بصفات المنظر والحدث الذي تراه العين وبشكل يتفوق على حدود المسرح وتقاليده التي لا تمكنه من حرية الحركة في الزمان والمكان.
لقد أوجد الراديو مسرحا جديدا غير محدود ينقل المستمع عبر الأزمنة والأماكن دون أن ينتقل المستمع من مكانه ودون أن يتكلف شيئا من حجز المكان وارتداء الملابس فالتمثيلية الإذاعية التي وصلت إلى وضعها الحالي بعد تجارب فنية عديدة - حققت حرية الفن وحررت الفن التمثيلي من القيود المفروضة عليه، كما أتاحت للمستمع حرية التلقي وحررته من القيود المفروضة عليه. وعلى الرغم من أن طبيعة الراديو قد حققت الحرية بالمعنى المذكور، إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة، فكاتب الدراما الإذاعية لا يستطيع أن يستخدم سوى الحوار والمؤثرات الصوتية والموسيقى، أما كاتب الدراما السينمائية مثلا فإن بإمكانه استخدام هذه العناصر الثلاثة بجانب التعبير بالوجه، والحركات، وتجسيم الممثل للشخصية من خلال الشكل الخارجي والملابس والمناظر والمؤثرات الضوئية، وأدوات المسرح، وعدد كبير من الممثلين، والمناظر الطبيعية وتغيير المناظر، والحيل الفوتوغرافية، والألوان، واللقطات الأليفة المقربة. ومؤلف المسرح يمكنه استخدام الكثير من هذه العناصر.
ولكن مؤلف الإذاعة لا يمكنه استخدام سوى ثلاثة عناصر فقط هي الحوار والموسيقى والمؤثرات الصوتية، ومن خلال هذه العناصر فقط يعمل الكاتب والمخرج الإذاعي لإنتاج العمل الدرامي معبرا عن القصة أو الرواية، ومن خلالها أيضا يدفع المستمع إلى تصور المناظر والأحداث وتقديم ما لا يستطيع المسرح أو السينما تقديمه إلا بتكاليف ضخمة، والمستمع في تصوره للأحداث لا يكون مجرد مشاهد أو مراقب لما يدور، بل إنه يكون شريكا في عملية الخلق Creation لأنه يستخدم خياله لتصور الأحداث والجو العام الذي يعبر عنه العمل الدرامي. من هنا يكون تقبل المستمع للتجربة الفنية أكثر كمالا إذ إنه مشترك في الموقف.
وإذا كان الراديو مقيدا بحدود العناصر المستخدمة في الإنتاج الدرامي فإنه مقيد أيضا بعنصر الوقت، ففي المسرح يستغرق العمل الدرامي حوالي ثلاث ساعات، وفي السينما يستغرق الفيلم حوالي ساعتين. أما في الراديو فإن الحلقة الدرامية لا تتجاوز نصف الساعة تمشيا مع خصائص الإذاعة وظروف التعرض لها. وهكذا يتضح أن الراديو - بما له من خصائص معينة جعل الإذاعيين يفطنون إلى أن الفن المسرحي بشكل عام لا يصلح موضوعا للإذاعة، وأن ثمة فنا إذاعيا جديدا له خصائصه ومميزاته لابد أن ينشأ هذا الفن الجديد - الدراما الإذاعية - تطور من حيث الشكل والمضمون، فصارت التمثيلية عملا فنيا متكاملا وملتزما فاقتربت بصورة أكثر من قلب وذهن المستمع، كما أصبحت في المركز الأول بين الأعمال الإذاعية المختلفة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الدراما
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة