وكان ما كان من أمر بروتوس وكاسيوس في ميدان فيليبي في خريف السنة 42ق.م.، فقام أنطونيوس إلى الشرق؛ ليدبر شئونه، ويجمع المال لسد نفقات الحرب، فأحبه الأثينيون لتهلنه، واستقبله أهل أفسس استقبال الآلهة، فرأوا فيه ذيونيسوسًا جديدًا واهبًا الفرح والنعمة، والتف حوله الأمراء المحليون الشرقيون طالبين الرضى مقدمين الهدايا.
واستقر أنطونيوس بعض الوقت في مدينة طرسوس في قيليقية، فاستدعى في السنة 41 كليوبترة إليها؛ ليناقشها الحساب حول موقفها من الحرب الأهلية، وقبلت كليوبترة الدعوة، ولكنها أجلت السفر وماطلت لتستوقد شوقه. وفيما كان جالسًا في إحدى باحات طرسوس المطلة على النهر يقضي بين الناس، اضطرب الجمهور، واندفع شطر المرفأ، وترك أنطونيوس وشأنه، فتساءل أنطونيوس ما الخبر؟ فقيل: هي إفروديتية إلهة الجمال والحب والخصب، جاءت تسامر ذيونيسوس الجديد لخير آسية. وأطلَّت الذهبية الملكية بمقدمها المذهب ومقاذيفها المفضضة وقلوعها الحريرية الأرجوانية، وقد اتكأت ملكة مصر بثيابها الأفروديتية تحت مظلة مذهبة، يحيط بها جوق من أجمل الصبية في ملابس آلهة الجمال، ووصيفات فاتنات يحركة الدفة، ويمسكن حبال القلوع، وشبان أشداء ظرفاء يقذفون على وقع الموسيقى وألحان السماء، وكان النسيم ينقل إلى ضفتي النهر روائح الطيب والعطر.
ونزلت كليوبترة إلى طرسوس، ولبت دعوة القائد القنصل، ودعاها إلى تناول الطعام معه فأبت، وأصرت أن يكون هو ضيفها، فقبل الدعوة وصعد إلى الذهبية الراسية، فشاهد من نفائس الأواني ما لم يره قط، وذاق من ألوان الطعام ما لذَّ وطاب، وأُعجب بما رأى من النفائس، فقالت: هي لك هدية صغيرة، فأزهفت هذه العظمةُ عقله، وازدهفت لبه، فأمر بإخراج أرسنوة منافسة كليوبترة من هيكل أرتميس في أفسس وبقتلها، وقضى بمثل هذا على كل من بطليموس الكاذب الثالث عشر، الذي ادَّعى أنه هو أخو كليوبترة الحقيقي، وعلى سيرابيون الذي كان قد التحق بكاسيوس على رأس الأسطول المصري، واكتفت كليوبترة بهذا القدر من النصر، وعادت فجأة إلى مصر في خريف السنة 41، وتركت في طرسوس قائدًا كاد قلبه يطير وراءها.
وكان على أنطونيوس أن ينظر في مشاكل إدارية سياسية ملحة، فأنتيغونوس المكَّابي كان يضايق هيرودوس بن أنتيباتر صديق قيصر ونصيره، وكان أنطونيوس قد ولَّى هيرودوس وأخاه الحكم في فلسطين رغم معارضة اليهود. وكان على أنطونيوس أيضًا أن يعين واليًا على سورية، ويحدد الضرائب فيها، كما كان عليه أن يستعد لصد هجوم على هذه الولاية قد يقع في كل لحظة من جانب ألبرت من وراء الفرات. ولم تكن رومة قد ثأرت بعد لقائدها كراسوس، الذي خرَّ صريعًا على يد ألبرت. ولكن أنطونيوس لم يعبأ بشيءٍ من هذا، فإنه كان قد وَلع بكليوبترة وراعه ثراؤها، فأراد أن يتعرف بأم عينه إلى بلد قد يصبح فيما بعد أفضل قاعدة لأعماله في الشرق وفي الغرب، فعجَّل أمور سورية وفلسطين تعجيلًا، فثبَّت بطليموس خلقيس في إمارته في البقاع والغوطة، وأبقى السلطة في حمص ونواحيها بيد يمبليخوس، وطرد غيرهما من الأمراء المحليين، فعبروا الفرات ولجئُوا إلى البرت، واستشار هيركانوس في أورشليم، فجعل من هيرودوس وأخيه تتراخين على فلسطين، وعين «ديكيديوس سكسا Decidius Saxa» واليًا على سورية، وأغار على تدمر لابتزاز المال، وأثقل كاهل السكان بضرائب جديدة، فثارت أرواد في وجهه، وأبقى فرقتين من جنود كاسيوس بإمرة ديكيديوس، وقام إلى مصر لتمضية شتاء السنة 41-40 فيها إلى جانب كليوبترة (1).
وبينما كان أنطونيوس يُطلق لنفسه عنان هواه في مصر، عبر فرسان ألبرت الحدود الشرقية، وقتلوا والي سورية، واستولوا على أورشليم، وتوغلوا في آسية الصغرى، وفتحت بعض مدنها أبوابها لهم، وتعاونت معهم، وانضم إلى صفوفهم عدد من الرومانيين الساخطين على الحكام الثلاثة، وآثر ألبرت نظامًا جمهوريًّا في رومة، تنقسم فيه الكلمة وتختلف فيه الآراء على حكم رجل فرد، أو رجال ثلاثة يفرضون إرادتهم فرضًا.
ولم يكن أفق أنطونيوس الغربي أقل تجهمًا، فإنه علم — وهو لا يزال في مصر — بما جرى في إيطالية، ولا سيما حوادث الحرب البيروسية، فقام من الإسكندرية إلى صور، فأصدر عنها التعليمات اللازمة لدرء الخطر البرتي، وأقلع منها إلى قبرس ورودوس فأثينة، والتقى بزوجته فولوية فروت ما جرى، وكيف أن ظلَّه تقلَّص في إيطالية وغالية، فنهض إلى إيطالية، وحاول النزول في برنديزي، فمنعه قائد حاميتها عن النزول فنزل في ضواحيها، ووصل إليها أوكتافيانوس بعد فترة قصيرة، وعسكر الطرفان مستعدين للقتال، ثم جاء خبر وفاة فولوية في أثينة، ولم يُظهر الجنود رغبة في القتال، وأيدهم في ذلك جمهور الرومانيين والإيطاليين.
..............................................
(1) PLUTARCH, Ant.; VOLKMANN, H., Cleopatra, 90–106: TARN, W.W., Triumuirs, Cam. Anc. Hist., X, 35–40.