كما تخاطب الاية الشريفة أفراد المجتمع فردا فردا تخاطبهم مجموعة أيضا خصوصا مع وجود كلمة {كافة} التي تعني (الجميع) وهذا يعني أنه اذا كان أحد متخاصمين ميالا الى الصلح والثاني مخالفا له فكلاهما مكلفان وفقا لخطاب هذه الاية بمراعاة الاعتدال والصلح. وكلمة (كافة) تعني الجميع والكل ومن هنا فحكم الصلح والاتحاد والمساواة لا تختص بفرد أو أفراد غير معينين أو بجميع المتصفين بصفة خاصة كي تسقط عن البقية بامتثال البعض له كما هو الحال مع الواجب الكفائي. ولا أن المراد به هو خصوص (المجموع من حيث المجموع) كي لا يتعلق التكليف بالفرد من حيث كونه فردا.
بل إن كل شخص لما كانت له حيثية فردية وبعد اجتماعي؛ إختص حكم الآية بكل واحد من الأفراد، ولكن من جهة حيثيته الاجتماعية. ومن هنا مخاطب هذه الآية هم آحاد المؤمنين، ولكل واحد منهم تكليفه المستقل، فتكون نتيجة إطاعتهم وعصيانهم مستقلتين أيضاً.
وهذا يشبه آية (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا[1])، التي تأمر بمبدأ الاعتصام، كما تدعو صريحاً إلى نبذ التفرقة؛ أي إنّكم أيها المؤمنون عليكم أن تتمسكوا معاً وجميعاً بهذا الحبل الإلهي (القرآن وأهل البيت عليهم السلام و...)، لا أن يتمسك به كل واحد منكم على حدة، حتّى يصير حكماً استغراقياً؛ لأنّ (جَمِيعًا) في هذه الآية تشبه (كَافَّةً) في الآية التي هي مورد البحث كونها حالاً لضمير الجمع، وتعمل على تأكيد دور الحيثية الاجتماعية.
تنبيه: 1. اعتبر البعض (كَافَّةً) حالاً لمعنى السلم، أي الإسلام، وفسروها على الشكل التالي: اهتموا بجميع شؤون الإسلام، واقبلوه بجميع جوانبه وأحكامه الأصلية والفرعيّة[2]، لكن الظاهر أنّ (كَافَّةً) بمعنى الجميع وبمثابة الحال لضمير الجمع في (ادْخُلُوا).
ولا بد من عدم إغفال ملاحظة أنّ (كافة) إذا كانت بمعنى جميع جوانب الشؤون الإسلامية بأكملها، فإنّ ذلك لا يستلزم إحاطة الإسلام بجميع الشؤون الفردية والجمعية بما فيها الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ إذ لم تثبت الملازمة بين هذين المطلبين المذكورين، بمعنى أنه لم يتضح أن كافة شؤون الإسلام تستلزم كافة الشؤون البشرية، وإن كان الحق هو هذا، لكن إثباته يكون بأدلّة أُخرى لا بهذه الآية.
2. إذا كان (السلم) بمعنى الإسلام، و(كافّة) بمعنى الشمول، فذلك بهيئ الأرضية للوحدة والصلح بين الاتجاهات المذهبية؛ لأن كل فرقة تبادر منطلقة من افتراضات كلامية مسبقة وما شابهها إلى تفسير القرآن، وتتخذ الآية التي تناسب مقاصدها أساساً، وتأويل الآيات الأخرى. ومن الواضح أن مثل هذا النوع من التعامل المذموم مع القرآن الحكيم هو من قبيل (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ[3])، لا أخذ جميع جوانبه بعين الاعتبار.
وهذه الحال هي نفسها حال تفسير الأحاديث؛ لأن فقه الحديث الانتقائي لا يمكن أن يوفر أرضية الوحدة والصلح الداخلي. إذن، فقبول جميع معطيات الإسلام هو الذي يوفّر الأرضية المناسبة لصلح أهل الإسلام جميعاً.
[1] سورة آل عمران، آیه 103 .
[2] جامع البیان، مج 2، ج 2، ص 432؛ روح المعاني، ج 2، ص 146 - 147 .