(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)
خلاصة التفسير: إن على جميع المؤمنين أن يدخلوا في الحصن المنيع للاتحاد والانقياد والطاعة والسلام كي يقوا أنفسهم من المخاطر الجمة.
ويتحقق الوصول إلى مرحلة الانسجام والصفاء بين جميع أهل الإسلام من خلال اعتناقهم لمعارف الوحي وتعاليم الإسلام التي تقضي على خلافات الناس العقدية والخلقية والفقهية والحقيّة وما يبتلون به قبل العلم.
ولما كانت وحدة المؤمنين هي! المطلب الإلهي المؤكد التي يكمن فيها سر انتصارهم، كانت التفرقة هي هدف الشيطان العدو البارز للإنسان، وكان بت الخلافات اتباعاً لخطوات الشيطان.
وانطلاقاً من مبدأ قبح العقاب دون بيان أو قبل البيان، يحذر الله المنان بالأدلة العقلية والنقلية الواضحة والموعظة جميع الناس من خطر التفرق والاختلاف اللذين يريد الشيطان إشاعتهما كما يريد إشاعة الفحشاء والمنكر وأكل الحرام وابتداع البدع في الدين و ما شابه ذلك، بل ربما حذر مشيري الاختلافات بتهديدهم ضمناً وتذكيرهم بعدم خروجهم عن قبضة قدرة الله العزيز ونطاق عدالة الربّ الحكيم.
وهنا لا بد من التذكير بلزوم أداء الواجبين المهمين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم تبرير إهمالهما بحجة حفظ الوحدة.
تفسير المفردات: ادْخُلوا: (الدخول) يكون محسوساً ومادياً أحياناً، كالدخول في المكان: (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ[1])، ويكون معقولاً ومعنوياً أحياناً أخرى، كالدخول في المكانة: (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا[2]). والإنسان تارة يكون مصدراً للدخول، وتارة أخرى مورداً له، فكونه مصدراً يُعلم من المثالين السابقين، أما الآية التالية: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ[3]) فالإنسان فيها هو مورد الدخول[4].
السلم: رغم وجود الكثير من مشتقات (السلم) بين مجرد ومزيد، إلّا أنّ الجامع بينها جميعاً هو السلامة من التعرض للنقص وآفة العيب سواء الظاهري منه أم الباطني[5]. وإطلاقه على الإسلام والولاية وأمثالهما هو من سنخ التطبيق المصداقي لا التفسير المفهومي وأما مقابلته للحرب في عبارات أمثال: سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم فتشير الى شيوع معنى الصلح والسلام والانسجام والاتحاد لهذه المفردة. والدخول ربما كان تارة دخولا في شيء أو مكان بسلام مثل: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ[6])، وتارة دخولا في نفس السلامة والأطمئنان مثل: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ).
كافة :(الكف) المنع من فعلية وتحقق الشيء الموشك على التحقق وكف اليد انما سميت بهذا الاسم لما نعيتها من وصول الضرر الى سائر أعضاء البدن وقيل للأعمى (مكفوف) بسبب منعه من النظر[7].
وأما (كافة) فهي في الاصل اسم فاعل بمعنى الجماعة التي تدفع عن نفسها الشر والضرر وهذه المفردة مع احتفاظها بمفهوم المنع هي اسم الجمع كالقوم والجماعة[8]، ومن هنا قالوا: ان (كافة) كلمة تأكيد بمعنى جميعا[9].
ولا تتبعوا: (التبع) هو الاقتفاء والحركة الفكرية أو العملية على أثر شيء مادي أو معنوي و(الاتباع) بمقتضى ما في باب الافتعال من المطاوعة هو بمعنى السير خلف شيء بالاختبار والارادة[10].
زللتم: (الزلة) للتعبير عن الاضطرابات والانحرافات التي تحصل بعد حالة الاستقامة والثبات أما (الزلزلة) التي هي صيغة المصدر المضاعف فتدل على تكرار الاهتزاز وشدته الكمية والكيفية[11]. وقد اشترط البعض قيد عدم التعمد في استخدامات الزلة[12].
تناسب الايات: بعد أن قسم الله سبحانه الناس في الآيتين 201 و 202 من جهة منطقهم وسيرتهم العملية إلى قسمين هما عشاق الدنيا وطالبو حسنتي الدنيا والآخرة، وقسمهم تقسيماً آخر أيضاً في الآيات 204 - 207 قائلاً إن الناس من جهة النفاق والخلوص وعواقب هاتين الصفتين ينقسمون إلى قسمين: قسم من الناس عنود ومفسد ومغرور، وقسم آخر مخلص ومضحي مستعد أن يضحي بجميع وجوده في صراعه الشاق مع الكافرين والمنافقين من أجل كسب رضا الله. والآن جاء دور المؤمنين كي يخاطبهم مع باقي الناس داعياً إياهم إلى الوحدة والحذر من اتباع الشيطان.
يقول العلامة الطباطبائي قدس سره تثت حول تناسب هذه الآيات: «هذه الآيات [الآيات 208 - 214] سبع آيات كاملة، تبين طريق التحفظ على الوحدة الدينية في الجامعة الإنسانية، وهو الدخول في السلم، والقصر على ما ذكره الله من القول وما أراه من طريق العمل، وأنه لم ينفصم وحدة الدين، ولا ارتحلت سعادة الدارين، ولا حلّت الهلكة دار قوم إلا بالخروج عن السلم والتصرف في آيات الله تعالى بتغييرها ووضعها في غير موضعها؛ شوهد ذلك في بني إسرائيل وغيرهم من الأمم الغابرة، وسيجري نظيرها في هذه هذه الأمة[13]».
[3] سورة الحجرات، الآية 14 .
[4] راجع: مفردات ألفاظ القرآن، ص30 9، دخ ل.
[5] المصدر نفسه، ص 421، س ل م.
[8] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج10ص85-86ك ف ف
[9] الميزان في تفسير القرآن ج 2ص101
[10] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج1ص358ت ب ع.
[11] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 4، ص 340 - 341، ز ل ل.
[12] مفردات ألفاظ القرآن، ص 38 1، ز ل ل.
[13] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 101