0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث في بيان شقاء أهل المعصية

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 139 ــ 145

2026-08-09

25

+

-

20

الحديث السابع عشر: [من أين لحق الشقاءُ أهلَ المعصية؟]

ما رويناه بأسانيدنا المتقدّمة عن ثقة الإسلام في (الكافي)، عن عليّ بن محمّد، رفعه عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي بصير، قال: كنت بين يدي أبي عبد اللَّه (عليه السلام) جالساً وقد سأله سائل، فقال: جعلت فداك يا بن رسول اللَّه، من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتّى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبد اللَّه (عليه السلام): «أيّها السائل، حُكْم اللَّه (عزّ وجلّ) لا يقوم له أحد من خلقه بحقّه، فلمّا حكم بذلك وهب لأهل محبّته القوّة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، ووهب لأهل المعصية القوّة على معصيته لسبق علمه فيهم، ومنعهم إطاقة (1) القبول منه، فواقعوا (2) ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالًا (3) تنجيهم من عذابه؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق، وهو معنى: شاء ما شاء وهو سرّه» (4).

وهذا الخبر من غوامض الأخبار، ويحتاج في تطبيقه على قواعد العدليّة وأصول الإماميّة إلى نوع تكلّف.

وقد روى الصدوق هذا الخبر بعينه بهذا الإسناد عن الكلينيّ هكذا: من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتّى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال (عليه السلام): «أيّها السائل، عَلِمَ اللَّه (عزّ وجلّ) ألّا يقوم أحد من خلقه بحقّه، فلمّا علم بذلك وهب لأهل محبّته القوّة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، ووهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم؛ لسبق علمه فيهم، ولم يمنعهم إطاقة القبول (5) منه؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق، فوافقوا ما سبق لهم في علمه وإن قدروا أن يأتوا خلالًا تنجيهم من معصيته، وهو معنى شاء ما شاء وهو سرّه» (6). (7) انتهى.

وهو أقلّ إشكالًا وأظهر انطباقاً على مذهب العدليّة إلّا أنّ أمره عجيب، فإنّ الموجود في الكافي كما نقلنا، ولعلّ النسخة التي كانت عنده هكذا، ولا يخلو من غرابة أيضاً؛ لتطابق النسخ الموجودة في أيدينا على ما ذكرت.

وظَنُّ أنّه رحمه الله غيّره ليطابق مذهب العدليّة أغرب أيضاً.

وكيف كان، فلا بدّ من توجيه الحديث الأوّل، فنقول: إنّ سؤال السائل يحتمل أن يكون المقصود منه: إنّ العلم لمّا كان تابعاً للمعلوم كيف تقدّم عليه وتوهّم أنّه يجب تأخّره عن المعلوم؟ وجوابه حينئذٍ - وإن كان ظاهراً - وهو أنّ تابعيّته لا تستدعي تأخّره عنه بحسب الزمان، إلّا أنّه (عليه السلام) لم يُجب عنه لقصور فهم السائل.

ويحتمل أنّ غرض السائل معرفة حقيقة علمه تعالى أنّه إمّا حصوليّ أو حضوريّ؛ فإن كان حصوليّاً فحصول الصورة لا تتصوّر في حقّه تعالى، وإن كان حضوريّاً فهو إنّما يكون بعد وجود المعلوم.

ولمّا كانت هذه المسألة من أدقّ المسائل، وقد تحيّرت فيها عقول الحكماء والمتكلّمين، ودهشت فيها أفهام الفحول العارفين، ولم يعرف حقيقة ذلك من عدا الأئمّة الطاهرين، فأجابه (عليه السلام) بأنّ هذا من الغوامض، وسبيل المتشرّعين فيه وفي أمثاله التسليم جملة، وعدم الخوض فيه تفصيلًا، والنهي عن التفكير في حقيقته؛ إذ كما يمتنع إدراك حقيقة ذاته تعالى فكذا يمتنع إدراك كنه صفاته.

ويحتمل - وهو الأظهر - أن يكون غرض السائل السؤال عن سبب أصل السعادة والشقاوة وصيرورة بعض الخلق كفّاراً وبعضهم مؤمنين، وفرقة فسّاقاً وأخرى صالحين، ولمّا كان هذا من غوامض مسائل القضاء والقدر، الذي لا تدركه عقول البشر، أجابه (عليه السلام) بـ«أنّ حكم اللَّه لا يقوم له - أي لمعرفته وأسراره - أحد من خلقه بحقّه»، أي بحقّ الحكم أو بحقّ القيام، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) - وقد سأله سائل عن القدر - فقال: « بحر عميق فلا تلجه»، ثمّ سأله ثانياً، فقال: «طريق مظلم فلا تسلكه»، ثمّ سأله ثالثة، فقال: «سرّ اللَّه فلا تتكلّفه» (8)، ثمّ قال (عليه السلام): (فلمّا حكم ذلك وهب لأهل محبّته) أي للذين علم أنّهم سيصبرون على طاعته، ويقومون على أمره ونهيه، ويسلكون باختيارهم بسيل محبّته. والإضافة يحتمل أن تكون إلى الفاعل أو إلى المفعول، أي الذين أحبّهم لعلمه بأنّهم يطيعونه، أو الذين يحبّونه.

(القوّة على معرفته)، ولعلّ المراد بهذه القوّة هي الملكة الراسخة التي يقتدر بها على الطاعات بسهولة وإقبال، وإلّا فالقوّة التي هي عبارة عمّا يصلح للتأثير، ويمكن ارتباطه بالفعل لا اختصاص لها بهم.

و(وضع عنهم ثقل العمل) بالتوفيقات والهدايات والألطاف الخاصّة.

(بحقيقة ما هم أهله) من الإتيان بالطاعات والاجتناب عن المنهيّات؛ فالقوّة والإعانة منه تعالى لطفاً وإكراماً، والفعل منهم على سبيل الاختيار.

(ووهب لأهل المعصية) لعلّ الهبة هنا على سبيل التهكّم، أو يقال: إعطاء أصل القوّة لطف ورحمة، وباستعمال العبد إيّاها في المعصية تصير شرّاً، أو أنّهم لمّا كانوا طالبين للمعصية راغبين فيها، فكأنّهم سألوا ذلك ووهبهم القوّة على معصيتهم.

وفي إضافة المحبّة والمعرفة إليه تعالى والمعصية إليهم لطف واضح، وإشارة إلى أنّ المعرفة والمحبّة لمّا كانت من ألطافه تعالى وهداياته وجب أن تضاف إليه، والمعصية لمّا كانت من مقتضيات نفوسهم وجب أن تضاف إليهم، والمراد بمعصيتهم: المعصية التي يفعلونها بإرادتهم واختيارهم؛ (لسبق علمه فيهم) بما يصيرون إليه من المعصية والمخالفة؛ إذ علم تعالى أنّ التكليف لا يتمّ إلّا بإعطاء الآلة وإلّا لكانوا مجبورين على الترك، (ومنعهم إطاقة القبول منه) في الطاعات وسلوك سبيل الخير.

والظاهر أنّ «منع» مصدر مضاف إلى الفاعل عطف على ضمير «فيهم»، وإعادة حرف الجرّ غير لازمة كما عليه جملة من محقّقي النحويّين، ووجد في القرآن المبين كقوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلۡأَرۡحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء: 1] فيمن قرأ بالجرّ، أي ولسبق علمه في منعهم أنفسهم لطاقة القبول.

ويحتمل أن يكون عطفاً على السبق وتكون اللام فيهما لام العاقبة، كما في قوله تعالى: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا» أي وهب تعالى لهم القوّة مع أنّه كان يعلم عدم إطاعتهم، وتصييرهم أنفسهم بحيث كأنّهم لا يطيقون القبول منه.

ويحتمل أن يكون « منعهم » بصيغة الماضي ويكون المراد ترك الألطاف الخاصّة، فلمّا لم يلطف تعالى بهم فكأنّه منعهم القبول، كما في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] والمقصود أنّه تعالى سلب منهم الألطاف الخاصّة والتوفيق والإعانة؛ بسبب إبطالهم الاستعداد الفطريّ لإطاقة القبول منه، وإفسادهم القوّة المعدّة لقبول الطاعة، ولا يلزم من ذلك جبر ولا ظلم؛ لأنّ الجبر إنّما يلزم لو لم يهب لهم القوّة على الطاعة وإطاقة القبول، والظلم إنّما هو وضع الشيء في غير موضعه، وهم بسبب ذلك الإبطال والاستعداد خرجوا عن استحقاق الإعانة والتوفيق.

(فواقعوا) بالقاف والعين، وفي بعض النسخ بالفاء والقاف (ما سبق لهم في علمه) تعالى من المعاصي الموجبة لعذابهم.

و(لم يقدروا) قدرة تامّةً بسهولة كما كانت للفريق الأوّل عند الألطاف الخاصّة (أن يأتوا حالًا تنجيهم من عذابه؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق) أي إنّما صاروا كذلك؛ لأنّ علمه تعالى لا يتخلّف، لا لأنّ العلم علّة، بل لأنّ علمه سبحانه لا محالة يكون موافقاً للمعلوم.

(وهو معنى شاء ما شاء وهو سرّه) أي معنى مشيّة اللَّه وسرّها هو هذا المعنى، أي علمه مع التوفيق لقوم، ومع الخذلان لآخرين على وجه لا يصير شيء منهما سبباً للإجبار على الطاعة أو المعصية.

وقال المحدّث الكاشانيّ في الوافي بعد هذا الحديث ما لفظه: يمكن الإشارة إلى سرّ ذلك لأهله من المتعمّقين وإن كان الظاهريّون بمعزل عن فهمه ونيله، بأن يقال: لمّا كان الخلق هم المعلومون للَّه ‌سبحانه وهو العالم بهم، والمعلوم يعطي العالم ويجعله بحيث يدرك ما هو عليه في نفسه ولا أثر للعلم في المعلوم بأن يحدث فيه ما لا يكون في حدّ ذاته، بل هو تابع للمعلوم، والحكم على المعلوم تابع له، فلا حكم من العالم على المعلوم إلّا بالمعلوم، وبما يقتضيه بحسب استعداده الكلّيّ والجزئيّ، فما قدّر سبحانه على العبد الكفر والعصيان من نفسه، بل اقتضاه أعيانهم وطلبهم بألسنة استعداداتهم أن يجعلهم كافراً أو عاصياً، كما يطلب عين الصورة الكلبيّة الحكم عليها بالنجاسة العينيّة، فما كانوا في علم اللَّه سبحانه ظهروا به في وجوداتهم العينيّة، فليس للحقّ إلّا إفاضة الوجود عليهم، والحكم لهم وعليهم، فلا يحمدوا إلّا أنفسهم ولا يذمّوا إلّا أنفسهم، ولا يبقى للحقّ إلّا حمد إفاضة الوجود،؛ لأنّ ذلك له لا لهم، فلذلك قال: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29]، أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثمّ طالبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به، بل ما عاملناهم إلّا بما علّمناهم، وما علّمناهم إلّا بما أعطونا من نفوسهم ممّا هم عليه، فإن كان ظلماً فهم الظالمون، ولذلك قال: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57]، وفي الحديث: «من وجد خيراً فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه».

فإن قلت: فما فائدة قوله سبحانه: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]؟

قلنا: «لو» حرف امتناع لامتناع الشرط، فما شاء إلّا ما هو الأمر إليه، ولكنّ عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل، وأيّ الحكمين المعقولين وقع فهو الذي عليه الممكن في حال ثبوته في العلم، فمشيّته أحديّة التعلّق وهي نسبة تابعة للعلم، والعلم نسبة تابعة للمعلوم، والمعلوم أنت وأحوالك، فعدم المشيّة معلّل بعدم إعطاء أعيانهم هداية الجميع؛ لتفاوت استعداداتهم، وعدم قبول بعضها للهداية، وذلك لأنّ الاختيار في حقّ الحقّ تعارضه وحدانيّة المشيئة، فنسبته إلى الحقّ من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحقّ عليه، قال تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13]، وقال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} [الزمر: 19]، وقال: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29]، فهذا هو الذي يليق بجناب الحقّ، والذي يرجع إلى الكون: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] فما شاء، فإنّ الممكن قابل للهداية والضلال من حيث ما هو قابل، فهو موضع الانقسام، وفي نفس الأمر ليس للحقّ فيه إلّا أمر واحد.

فإن قلت: حقائق المخلوقات واستعداداتها فائضة من الحقّ سبحانه فهو جعلها كذلك.

قلنا: الحقائق غير مجعولة، بل هي صورة علميّة للأسماء الإلهيّة، وإنّما المجعول وجوداتهم في الأعيان، والوجودات تابعة للحقائق، ولنقبض عنان القلم عن أمثال هذه الأسرار فإنّها من جملة أسرار القدر المنهيّ عن إفشائها، وللَّه الحمد (9). انتهى.

أقول: ليته رحمه الله أمسك عنان القلم من أوّل الأمر، فإنّه وإنْ دقّق إلّا أنّ هذا مسلك صعب ‌سالكه على خطر عظيم، وقد ادّعى ما يخالف البرهان وظاهر الكتاب والسنّة، والذي ينبغي لأمثالنا الإذعان والتسليم، وعدم الفحص عن هذه الدقائق وإيكال علمها إلى اللَّه وأنبيائه وأوليائه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في نسخة «ر»: «طاعة القبول».

(2) في بعض النسخ: «فوافقوا».

(3) في هامش «ر»: «خلالًا».

(4) الكافي، ج 1، ص 153، باب السعادة والشقاء، ح 2؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 156، ح 8.

(5) في نسخة «ر»: «الطاعة للقبول».

(6) في المصدر: «وهو سرّ».

(7) التوحيد، ص 354 - 355، ح 1.

(8) بحار الأنوار، ج 5، ص 110، ح 35.

(9) الوافي، ج 1، ص 531 - 529 باختلاف يسير.

 

 

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد