ربما كانت أكثر مظاهر التنظيم السياسي أهميةً عند فوكوزاوا والطهطاوي هو المبدأ الأوروبي الخاص بسيادة القانون وارتكان الحكم إليه. وفي حالة الطهطاوي نجده يلاحظ أن السمات المتميزة للحكومة الأوروبية هي دستوريتها، بغض النظر عن نوع نظام الحكم. ولاحظ أيضًا وجود فصلٍ واضحٍ بين مختلف فروع السلطة تطبيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات.
وحتى يبيِّن النظام السياسي الأوروبي بإيضاحٍ ترجَم الطهطاوي الدستورَ الفرنسي، وأضاف إليه شروحًا لمعانيه وطرق تطبيقه، فكانت تلك هي المرة الأولى التي يُنشر فيها مثل هذا النص باللغة العربية، كما كانت المرة الأولى التي يتعرَّف فيها القُراء العرب على طريقة عمل النظام السياسي في الغرب. ولمَّا كانت تلك الوثيقة غريبةً في محتواها على الثقافة العربية، فقد وجد الطهطاوي نفسه مضطرًّا إلى إضافة الكثير من الشروح والتعليقات (1).
ومن خلال ترجمته للدستور تناول عدة أفكار كانت مجهولةً بالنسبة للثقافة العربية. ومن ذلك مثلًا الحريات الأساسية التي نصَّ عليها الدستور الفرنسي، وقام الطهطاوي بشرحها على النحو التالي: «الفرنساوية مستَوون في الأحكام على اختلافهم في العظم والمنصب والشرف والغِنى؛ فإن هذه مزايا لا نفع لها إلا في الاجتماع الإنساني والتحضر فقط لا في الشريعة؛ لذلك كان جميعهم يُقبل في المناصب العسكرية والبلدية، كما أنه يُعين الدولة من ماله على قَدْر حاله، وقد ضمنَت الشريعة لكل إنسان التمتع بحريته الشخصية حتى لا يمكن القبض على إنسان إلا في الصور المذكورة في كُتب الأحكام …
ومن الأشياء التي ترتَّبَت على الحرية عند الفرنساوية أن كل إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة، ويُعاقَب كلُّ من تعرَّض لعابدٍ في عبادته، ولا يجوز وقف شيء على الكنائس أو إهداء شيء لها إلا بإذنٍ صريحٍ من الدولة، وكل فرنساوي له أن يُبديَ رأيه في مادة السياسات أو في مادة الأديان بشرط ألا يُخِلَّ بالانتظام المذكور في كتب الأحكام، كل الأملاك على الإطلاق حُرمٌ لا تُهتك؛ فلا يُكره إنسانٌ أبدًا على إعطاء ملكه إلا لمصلحةٍ عامة، بشرط أخذِه قبل التخلية قيمتَه، والمحكمة هي التي تحكُم بذلك »(2).
لقد كانت بعضُ الأفكار الأساسية في النظام السياسي الفرنسي لا تبدو غريبةً على الطهطاوي الذي شبَّ على الفكر السياسي الإسلامي، من حيث تحقيق الفرد لذاته في إطار الجماعة، واتخاذ مبدأ العدل أداةً لتحقيق الصالح العام، والتزام الحكم بتوفير أسباب الحياة للناس، ولكن كانت هناك أفكارٌ جديدة أخرى نستطيع أن نلمسَ تأثيرها في كتابات الطهطاوي، منها أنه يجب على الناس أن يشاركوا مشاركةً فعالةً في الحكم، وأنه يجب أن يُعدُّوا لذلك، وأن القوانين يجب أن تتغيَّر بتغيُّر الظروف؛ لأن ما يصلح منه في زمانٍ ومكانٍ معين قد لا يصلح في غيرهما. ونجده أيضًا يستمدُّ فكرته عن الأمة من أفكار مونتسكيو، الذي أكد أهمية الأحوال الجغرافية في صياغة القوانين، وذلك يعني أن المجتمع يحدُّه موقعٌ جغرافيٌّ معيَّن، وأنه يأتي نتاج العيش في مكانٍ واحد، وأن قيام وسقوط الدول مردُّه إلى أسبابٍ بعينها يمكن أن نجدها في روح الأمة، وأن حب الوطن يمثل ركيزة كل الفضائل السياسية والعكس بالعكس، ولم تكُن تلك أفكارًا مجردة يطرحها الطهطاوي، بل كانت تعبِّر عن يقينه لأهميتها واقتناعه بها؛ فهو عندما يصفُ تجربتَه في باريس نجده يركِّز على ما يرى فيه النفع لبلاده (3).
ولم تكن أفكار الطهطاوي في المجتمع وفي الدولة مجرد عرضٍ جديد للنظرية التقليدية، ولا مجرد انعكاسٍ للأفكار التي اكتسبها في باريس. ورغم اتباعِه في طرحِ تلك الأفكارِ الطريقةَ التقليدية، مستشهدًا في إثبات كل مسألة بالمأثور عن النبي والصحابة، وينظر إلى السلطة السياسية من خلال التفكير الإسلامي التقليدي، نجدُه يتوسع في بعض النواحي توسعًا كبيرًا، وخاصة في النقاط التي أثارها، وفي دلالة التطورات التي شاهدها في فرنسا (4).
ولم تكن فكرة الطهطاوي عن الدولة، بالرغم مما شاهدَه في باريس، فكرةَ ليبرالي القرنِ التاسعَ عشر، بل كانت الفكرة الإسلامية المأثورة؛ فهو يحاول النظر في الأسس النظرية للفكر السياسي الأوروبي في ضوء الإسلام، فيرى أن الحكومة ضروريةٌ للمجتمع لا حياة له بدونها: «فالملِك كالروح والرعية كالجسد، ولا قوامَ للجسد إلا بروحه.» فهو يرسمُ لنا تصوُّره لركنَي الدولة، وضرورة وجود «القوة الحاكمة» ضمانًا للاستقرار ولانتظام العلاقات بين أفراد «القوة المحكومة»، فإذا كانت القوة الحاكمة «جالبة للمصالح دارئة للمفاسد»، فإن القوة المحكومة هي «القوة الأهلية المحرِزة لكمال الحرية المتمتِّعة بالمنافع العمومية، فيما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ووجوده، وتحصيل سعادته دنيا وأخرى»؛ فهو هنا يعتبر الحكومة والناس طرفَين يقوم عليهما المجتمع، لكلٍّ وظائفه ومجاله؛ فليس الناسُ ملكًا للحكومة، ولكنهم أحرارٌ لهم حق التمتع بخيرات بلادهم (5).
أما الفكرة القائلة بأن الحكم يجب أن يكون في يد «الشعب»، فلم تكن غائبة عن ذهنه بحكم قراءاته المختلفة في الفكر السياسي الغربي، وتجربته الشخصية في باريس؛ فقد شاهد ثورة 1830م، ووصفها وصفًا مطولًا في «تخليص الإبريز». غير أن الفكرة — في نظره — لا تتلاءم مع ظروف مصر التي كان يحكُمها حاكمٌ أوتوقراطي مسلم، ولم يكن هناك أمل في الإصلاح إلا إذا قام الحاكم الأوتوقراطي باستخدام سلطته استخدامًا رشيدًا (6).
وإذا كان الطهطاوي قد قَبِل بسلطة الحاكم الفرد، إلا أنه كان حريصًا على إبراز الحدود على تلك السلطة التي تفرضُها الشريعة التي تعلو فوق الحاكم نفسه، كما تفرضُها القواعد الخُلُقية، وعندما شرح الفكرة الإسلامية التي تضع الشريعة فوق الحاكم، نجده يستعير فكرة الفصل بين السلطات التي قال بها مونتسكيو، فيرى أن أعباء الحكم لا يستطيع حملَها فردٌ واحد؛ ولذلك وجب على الحاكم أن يفوِّض سلطاته للمجالس التي تُقام لهذا الغرض وللمحاكم؛ فرغم ما للحاكم من امتيازاتٍ تقع على كاهله واجباتٌ نحو رعاياه، غير أنه يتولى الحكم بإرادة الله، ويُعد مسئولًا أمامه سبحانه وتعالى عن أعماله، غير أنه يجبُ أن يستعينَ بالعلماء الذين يقدِّمون له المشورة، وهو هنا يوسِّع مفهوم «العلماء» فلا يجعله مقصورًا على علماء الدين، بل يشمل العلماء في مختلف مجالات المعرفة (7).
ويذهب الطهطاوي إلى أن العلاقة بين الحاكم والرعية تقوم على الحقوق والواجبات؛ فللحاكم على الناس حق الطاعة، غير أنه يجب في مقابل ذلك أن يؤدِّيَ واجباته تجاههم؛ ومن ثَم وجَب على الرعايا أن يعرفوا الشريعة حق المعرفة لحماية حقوقهم، كما عليهم أن يعرفوا القوانين المدنية والإجراءات الحكومية. أما واجبُ الحكومة فيتمثل في إقامة العدل وتحقيق المساواة والحرية وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم وفقًا للشريعة، ويجب على الحاكم الخضوع لأحكام الشريعة في كل ما اتصل بشئون الناس (8).
وبالإضافة إلى ما للناس من حقوقٍ تجاه الحكومة ذكَر الطهطاوي نوعًا آخر من الحقوق التي للشعب سماها «الحقوق المدنية» ويقصد بها «حقوق أهالي المملكة الواحدة بعضهم على بعض … (وهي ثمرة التعاهُد بينهم) لحفظ أملاكهم وأموالهم ومنافعهم ونفوسهم وأعراضهم وما لهم وما عليهم محافَظةً ومدافَعة …» وقد أوضح الطهطاوي مفهوم الحقوق المدنية بالعبارة التالية: «هي حقوق العباد والأهالي الموجودين في مدينة، بعضهم على بعض؛ فكأن الهيئة الاجتماعية المؤلَّفة من أهالي المملكة تضامنَت وتواطأَت على أداء حقوق بعضهم لبعض، وأن كل فرد من أفرادهم ضَمِن للباقين أن يساعدهم على فعلهم كل شيء لا يخالف شريعة البلاد، وألا يعارضوه، وأن ينكروا جميعًا مَن يعارضه في إجراء حريته، بشرط ألا يتعدى حدود الأحكام» فالحقوق المدنية — عنده — تُوجَد في إطار التضامن الاجتماعي بين المواطنين؛ ومن ثَم وجب عليهم جميعًا المحافظة عليها، باعتبارها نوعًا من التعاقد بين المواطنين قامت على أساسه الدولة (9).
وفي إطار توضيحه للحقوق المدنية أيضًا أبرزَ الطهطاوي فكرة حكومة البلدية. ولمَّا كانت تلك الفكرة غريبةً على الثقافة الإسلامية، فقد قدَّم الطهطاوي لها باستعراض تاريخ ذلك النوع من الإدارة في أوروبا، بل كان أول من أدخل مصطلح «البلدية» و«البلديات» في اللغة العربية، ثم ينطلق من التعريف بتاريخ تلك الظاهرة السياسية، فيروِّج للرابطة الوثيقة بين الحقوق المدنية والحقوق البلدية، ويؤكِّد حقَّ كل مدينة داخل الدولة في إدارة أمورها بنفسها، فيما اتصل بالمرافق والمدارس والمستشفيات والمؤسَّسات الخيرية وجباية الضرائب، وغيرها من شئونٍ محلية، في إطار القانون الذي ينظم أمور الدولة ككل (10).
وتعكس فكرة الحكم الذاتي، ممثلًا في إدارة البلديات، الاتجاه التوفيقي في الفكر السياسي عند الطهطاوي؛ فرغم تأكيده لأهمية تركيز السلطة في يد الحاكم الفرد، وفي المؤسسات المركزية للدولة، يطرح فكرة الحكم الذاتي في صورة البلديات؛ مما يعني أن الطهطاوي كان يأمل في التطور التدريجي للحكم الأوتوقراطي، من خلال اتساع نطاق البلديات، بما تمثِّله من ليبرالية، ومما يدعم هذا الرأي ما تكشفُ عنه المفاهيم التي طرحها لأفكار المساواة والحرية.
فعن المساواة يقول الطهطاوي إن الناس جميعًا سواءٌ بحكم الطبيعة، ولكن إذا نظرنا إلى ذلك نظرةً فاحصة، نجدهم يختلفون في القوة البدنية والقدرات العقلية والثروة، غير أن الناس سواءٌ أمام القانون بغَض النظر عن تفاوت درجاتهم الاجتماعية، وهم شركاء في الواجبات التي عليهم القيام بها نحو وطنهم؛ فيعني ذلك أن الطهطاوي يُعلي من شأن المساواة القانونية، ويعتبرها حقًّا طبيعيًّا للناس وليس منحة من الدولة (11).
وإذا كانت المساواة تمثِّل حجر الزاوية في الحقوق المدنية للأمم المتحضرة، فإن الحرية تُعد جوهر الحقوق المدنية في تلك الأمم، وتعبِّر عن بلوغها درجة الاستقلال. ويعني الطهطاوي بالحرية حقَّ المواطنين في التنقل وفي العمل ما دام ذلك لا يتعارض مع حرية الآخرين، وأنه يجب عدم وضع القيود التي تحدُّ من حرية الناس، وتقضي بتعرُّضهم للنفي أو غيره من العقوبات، إلا في إطار القانون وبحكم القضاء، وتضمَّن مفهوم الحرية عنده أيضًا حقَّ المواطن في التصرُّف في ثروته، وفي التعبير عن آرائه في حدود القانون (12).
وقد ميَّز الطهطاوي بين خمسة أنواعٍ من الحرية؛ الحرية الطبيعية، وحرية التصرف والسلوك، والحرية الدينية، والحرية المدنية، والحرية السياسية. أما الحرية الطبيعية، فتتمثل في حق المواطن في إشباع حاجاته الجسدية والبيولوجية، وحرية السلوك تتعلق بالعادات والأخلاق التي تتصل بحياة الأفراد. والحرية الدينية تتمثل في حرية الاعتقاد والرأي واعتناق المذاهب بما في ذلك الأفكار السياسية، أما الحرية المدنية فتتصل بحقوق المواطنين بعضهم تجاه بعض وتتضمَّن الالتزام بعدم المساس بحرية الغير. وفيما يتعلق بالحرية السياسية فقد اعتبَرها الطهطاوي من خصائص الدولة، التي عليها أن تحميَ الملكية الخاصة وتضمنَ للمواطنين حريتهم، ورأى أن الضرائب والتجنيد العسكري اللذَين تفرضُهما الدولة نوعٌ من الواجبات، ولا تشكِّل قيدًا على حرية المواطنين (13).
وحرَص الطهطاوي على أن يجعل تلك الأفكار التي طرحها لأول مرة على القارئ العربي مستساغةً عنده، فأكَّد أنه لا يُوجد فرقٌ كبير بين مبادئ الشريعة الإسلامية ومبادئ «القانون الطبيعي» الذي يرتكز إليه التشريع في أوروبا الحديثة؛ مما يعني إمكانية تفسير الشريعة الإسلامية تفسيرًا يتفق مع حاجات العصر، وفي تبريره لذلك أبرزَ القاعدة الفقهية التي تذهبُ إلى أنه يجوز للمؤمن أن يقبلَ بتفسيرٍ لنصٍّ شرعيٍّ مستمد من مذهبٍ آخر غير مذهبه اعتمادًا على مبدأ المصلحة. ويستطرد الطهطاوي ليقرِّر أن من واجب العلماء تفسير الشريعة على ضوء المصلحة التي تغيَّرت نتيجة الحاجات التي استُحدثَت، وحتى يتم ذلك على أكمل وجه، فإن عليهم أن يتعرَّفوا على العالم الحديث، وأن يدرُسوا العلوم العقلية التي كان لها شأنٌ كبير في الحضارة الإسلامية من قبلُ (14).
وعندما أكَّد الطهطاوي ضرورةَ تعرُّف العلماء على العلوم الحديثة، وتبصُّر المواطنين بحقوقهم السياسية، فإنه كان يشير بذلك إلى أن طبيعة المجتمع ومهام الحكومة اختلفَتا عما كانا عليه من قبلُ، ولا ريب أنه قد قبل بالمبدأ الخاص بالاستقرار السياسي، كما ورد في الفقه الإسلامي، وأن مهمة الحكومة رعاية أمور الجماعة في إطار الشريعة، ولكننا نجد عند الطهطاوي فكرة التغير الجديدة كمبدأ للحياة الاجتماعية، وفكرة الحكومة باعتبارها أداةً ضروريةً للتغيير؛ فقد ذهب الطهطاوي إلى أن للمجتمع غرضَين؛ أولهما الخضوع لإرادة الله، وثانيهما تحقيق الرفاهية في الدنيا، وهذا الرأي ليس فيه جديدٌ سوى المعنى الذي أعطاه الطهطاوي للرفاهية؛ فهي عنده تعني التقدم على النحو الذي بلغَتْه أوروبا في القرنِ التاسعَ عشر. وعلى ذلك قامت الرفاهية على أساسَين؛ أولهما روحي يتعلق بالدين وبالفضائل الإنسانية، وثانيهما مادي يتعلق بالنشاط الاقتصادي الذي يخلُق الثروة، ويؤدِّي إلى تحسين أحوال الناس جميعًا (15).
وكان الطهطاوي أول مفكرٍ عربي يصوغ مصطلح «الوطن» ويستخلصه من إطار الموروث التاريخي لمفهوم الأمة الإسلامية، ليضعَ بذلك بذرةَ الوعي القومي في مصر. وكانت صياغة هذا المصطلح بمثابة علامة على تجاوز المفهوم الإسلامي التقليدي للأمة، الذي ينحصرُ فيمن يدينون بالإسلام، ولا يرتبط بوطنٍ محدَّد، وهو المفهوم الذي كان شائعًا — ولا يزال — في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية، حتى بدأ مفهوم «القومية» يفدُ بعدَ منتصف القرن، في إطار التأثر بالفكر الغربي، وتحدَّد مفهوم الوطن عند الطهطاوي بإطارٍ جغرافي يقوم على رابطةٍ وثيقة بين المكان والإنسان.
ويَرِد مصطلح «الوطن» كثيرًا عند الطهطاوي في «مناهج الألباب»، وفي «المرشد الأمين»، كما يتردد مفهوم «الوطنية» في الكتابَين، وعندما استخدم الطهطاوي مصطلح «الوطن»، فإنه كان يتخذ طابعًا عاطفيًّا، وعبَّر مفهوم الوطنية عن الانتماء لوطنٍ محدَّد، وبذلك صاغ الطهطاوي — لأول مرة في الثقافة العربية — هذا المفهوم الذي شكل حجَر الزاوية في بناء الفكرة القومية في الربع الأخير من القرنِ التاسعَ عشر (16).
وعندما طرح الطهطاوي فكرة الوطن والوطنية اتخذ في ذلك مدخلًا تقليديًّا؛ فيبدأ بالحديث الشريف «المسلم أخو المسلم …» ثم يُضيف إليه أن كل ما يربط المؤمن بأخيه المؤمن يربطُ بين مَن يقيمون في الوطن الواحد ويشتركون في الحقوق المدنية؛ فالوطنية نوعٌ من الأُخوَّة يسمو على الأُخوَّة في الدين؛ فهناك التزامٌ أخلاقي يربط بين مَن يشتركون في وطنٍ واحد يجعلهم يعملون على تنظيم شئونه، وصون كرامته، وتحقيق رفعته، وإنماء ثرواته (17).
وفي «المرشد الأمين» قدَّم الطهطاوي تعريفًا للأمة بعُد به كثيرًا عن المفهوم الإسلامي التقليدي؛ فلم يجعل الدين من بين الأسس التي يجب أن تقوم عليها الأمة، وذكَر أن الأمة تُناظِر العِرق؛ فهم جماعة من الناس يعيشون معًا في بلدٍ واحد ويتحدثون لغةً واحدة ويشتركون معًا في العادات والتقاليد والأخلاق، ويخضعون لحكومةٍ واحدة وقانونٍ واحد، وأن مثل تلك الأمة يجب أن تتحلى بالشجاعة والرزانة، وتتطلع إلى الرفعة والمجد وتقدير قيمة الاستقلال، وتحترم الأَكْفاء من حُكامها وتخضع للقانون. بينما يُعَد الوطن بيتًا لتلك العائلة؛ ومن ثَم وجب عليهم التضامن؛ إذ يجب على الأمة أن تتحد لا أن تتفرقَ صفوفها وتتناقضَ أفكارها؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى النزاع، والمواطنون يمثلون عائلةً واحدة. والبغضاء تُعرِّض سلامة البلاد للخطر (18).
وبهذا المفهوم الجديد للأمة وضع الطهطاوي إطارًا لما أصبح فيما بعدُ الفكرة القومية في العالم العربي، ولكن عندما تحدَّث عن الوطنية لم يكن يقصدُ بذلك الشعورَ الذي يجمع بين المتحدِّثين بالعربية، ولكنه قصد به شعورَ المصريين بالانتماء إلى بلادهم؛ فمصر عنده كانت تمثِّل وطنًا متميزًا ممتدًّا في أعماق التاريخ، واعتبَر مصر الحديثة وريثةً لمصر الفرعونية، وخلبَت أمجادُ مصر القديمة لُبَّه، حتى إنه كتب قصيدةً في مدح الفراعنة. ولم تكن مصر القديمة موضع الفخر عنده فحسب، بل كانت تعني استمرارًا للعناصر الحضارية والاجتماعية والخُلُقية والرخاء الاقتصادي الذي يجب أن تسعى مصر الحديثة إلى تحقيقه. وذهب الطهطاوي إلى أن مصر فقدَت مجدها القديم بسبب خضوعها للحكم الأجنبي (19).
غير أن الطهطاوي حاول أن يوفِّق بين مصر الوطن والأمة الإسلامية، عندما ذكر أن مصر جزءٌ من الأمة الإسلامية، ولكنه أضاف أنها كانت تمثِّل أمةً قائمةً بذاتها في الأزمنة القديمة والحديثة على السواء؛ ولذلك كانت لها مكانةٌ فريدة في التاريخ. ورغم أنه كان من الصعوبة على الطهطاوي أن يطرحَ المفهومَ العلماني للأمة بحكم ثقافته وظروف المرحلة التاريخية، فإن موقفه من المكوِّن غير الإسلامي للأمة يستوقف النظر؛(20) فقد ذهب إلى أن كلَّ من يعيشون على أرض مصر يكونون أمة تشترك في نفس الحقوق والواجبات دون تمييز، ولمَّا كانوا سواء أمام القانون فعليهم أن يتحدوا معًا لمواجهة أعداء الوطن. وأضاف إلى ذلك أن العلاقة بين المواطنين والمجتمع علاقةٌ عضوية كالجسد الواحد؛ فالمواطن الذي يحب وطنه يجب أن يضحِّي بكل شيء من أجله؛ ماله، وحياته، وأن يدفع عن وطنه العدوان. ويجب عليه أن يتحلَّى بالأمانة والحرص، وأن يكون خيِّرًا في تعامله مع إخوانه في الوطن، وأن يعمل من أجل المصلحة العامة لبلاده (21).
ودعا الطهطاوي في «مناهج الألباب» إلى التسامح الديني، وأكد حقوق الأقباط واليهود بالخضوع لشريعتهم فيما اتصل بالأحوال الشخصية، وإن كان قد بدأ طرح الفكرة من منطلق المفهوم الإسلامي لأهل الذمة، ولكنه لم ينكر على غير المسلمين حقوقهم في المساواة بينهم وبين غيرهم من المواطنين. وبذلك حاول أن يضمِّن فكرة المساواة في الحقوق لجميع المواطنين الإطار التقليدي لمفهوم أهل الذمة.
كانت الوطنية عند الطهطاوي تمثِّل شعورًا شخصيًّا دافقًا وليست مجرد مفهومٍ مستخلَص من مبادئ الفكر السياسي، فصاغ مجموعةَ قصائدَ شعرية عُرفت ﺑ «الوطنيات» مزَج فيها بين مدح الأسرة الحاكمة والتفاخر بمصر القديمة والجيش المصري الحديث. وأشاد بالسياسات التوسعية التي مارسَتْها مصر وخاصةً في السودان، واعتبَر أن مصر قد احتلَّت بذلك مكانها بين أمم أوروبا المتحضِّرة. وانتقد أهلَ الجنوب في السودان وعدَّهم مثلًا للتخلف، وبرَّر التوسُّع المصري هناك بأن أهالي تلك البلاد يعيشون في مساحةٍ كبيرةٍ من الأرض تكفي لإعاشة عشرة ملايين نسمة، بينما لا يزيد تعدادُهم على المليون، وبذلك وضع الطهطاوي نفسه في مصافِّ دعاة الاستعمار الأوروبيين بتبنِّيه لتلك المقولة (22).
ومن اللافت للنظر أن الطهطاوي لم يكن مُدرِكًا لخطورة التوسع الغربي في الوطن العربي؛ فقد اعتبَر أوروبا مصدر المعرفة والابتكارات الحضارية الحديثة وليست مصدرًا للعدوان، وأبدى موقفًا متسامحًا تجاه الأوروبيين الذين وفَدوا إلى مصر واستقرُّوا فيها، واعتبرهم شركاء في الحقوق مع المصريين، ما داموا يساهمون في الحياة الاقتصادية للبلاد. ولم يتناول الطهطاوي في كتاباته، من قريبٍ أو بعيد، قضيةَ الاستثمارات الأجنبية التي سيطرَت على الاقتصاد المصري في النصف الثاني من القرنِ التاسعَ عشر، كما تجاهَل الإشارة إلى الامتيازات الأجنبية وغيرها من مظاهر التغلغل الأجنبي في مصر، الذي أدى في نهاية الأمر إلى وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882م، بعد وفاة الطهطاوي بتسع سنوات فقط.
وعلى النقيض من ذلك نجد الطهطاوي يتحدث عن التوسع الاستعماري في آسيا وأفريقيا وأمريكا باعتباره مثالًا لتعاظم قدرة الغرب، وقد جاء ذلك في موضعَين من «مناهج الألباب» قال في أحدهما إن بريطانيا أدركَت أن السبيل لثروة الأمة يكمُن في ازدهار التجارة والصناعة، وأنهما يجب ألا يخضعا للقيود حتى يتم التوسع في الواردات والصادرات، وتحقيق أكبر قدْرٍ من الأرباح؛ ومن ثم تجني الأمة الثراء، وأن بريطانيا غزت بلادًا كثيرة لتحقيق هذا الهدف، مثل الهند وأمريكا وغيرهما من البلاد، وأن الهدف الرئيسي لبريطانيا هو تنمية الصناعة والتجارة لصالح شعبها وكذلك شعوب البلاد الأخرى، وأن الدول الأوروبية الأخرى، كإسبانيا والبرتغال وفرنسا وهولندا، حذَت حذو بريطانيا (23).
وفي الإشارة الثانية أشاد بغزو بريطانيا للهند باعتباره نموذجًا لتحقيق البلاد (بريطانيا) للثراء؛ فقال إن حماسَ تلك الأمم ينصرف إلى بذل أقصى الجهود والعمل المتصل لمواجهة كل خصومها من أجل تحقيق المجد والثراء والعظمة (24).
وبذلك كان الطهطاوي غافلًا تمامًا عن أن وطنه الذي يفتخر به كان يُعد بإيقاعٍ سريع ليلحقَ بمصير الهند، ويبدو أن ارتباطه الوثيق بالسلطة في عهدَي محمد علي وإسماعيل، وحرصه على تبرير سياستهما التوسعية، قد جرَّاه إلى الوقوع في هذا المأزق لتبرير التوسع الاستعماري على وجه الإطلاق.
وهكذا رأينا كيف واجه فوكوزاوا والطهطاوي مهمة وضع الإطار السياسي الجديد الذي اقتضَتْه ظروف بلدَيْهما اليابان ومصر في مرحلة التحول إلى الدولة الحديثة، ولكنْ كلٌّ منهما استقى فكره من واقع ظروف مجتمعه، وصاغ إطار فكره السياسي على ضوء تلك الظروف والمعطيات الاجتماعية والثقافية الموروثة والمكتسَبة في بلده، ولكنهما تشابَهَا نسبيًّا في التعامل النقدي مع الموروث الثقافي، ومحاولة المواءمة بينه وبين ما اكتسَبا من فكر الغرب، كما اتفَقا على ضرورة أن تكون سيادة القانون هي المبدأ الأساسي للحكومة الحديثة بقَدْر اتفاقهما على الحقوق الأساسية للناس، وخاصةً حقهم في الحرية والمساواة، ولكن فوكوزاوا قوَّض دعائم الموروث الثقافي من الفكر الصيني القديم بينما حاول الطهطاوي أن يسترجعَ الأفكار الإسلامية السياسية ليوظِّفها في صياغة وتقديم الأفكار الخاصة بالمساواة والحقوق المدنية والتضامن والتزام الحكومة بالقانون، وبذلك مزَج بين الموروث الثقافي الإسلامي والفكر السياسي الحديث. وإذا كانت الأفكار السياسية لفوكوزاوا قد أهملَت تمامًا تراثَ الثقافة السياسية اليابانية التقليدية، فإن أفكار الطهطاوي اتخذَت طابعًا إصلاحيًّا حاول من خلاله توظيفَ الموروث الثقافي لتمرير الأفكار الجديدة. ورغم أن المفكرَين كانا متأثرَين بالليبرالية بحكم دراستهما للفكر السياسي الأوروبي الذي برز في القرنَين الثامنَ عشر والتاسعَ عشر، فإنهما اتَّسما بالبراجماتية، فأيَّدَا النظام الأوتوقراطي في بلدَيْهما، ولكن على حين كان موقف الطهطاوي متسقًا مع خطِّه الفكري، اتَّسم موقف فوكوزاوا بالتناقض مع العقد الاجتماعي كأساسٍ للعلاقة بين الناس والسلطة. غير أن فوكوزاوا كان واعيًا تمامًا لسياسات الغرب العدوانية، حريصًا على تأكيد مبدأ الاستقلال كهدف لليابان، واعتبَر أن تحقيقه إنما يتم من خلال تحقيق الاستقلال الفردي والاعتماد على الذات، بينما نجد الطهطاوي يكاد يُغفل فكرة الاستقلال، ولم يَعِ الطابع العدواني للغرب.
وأخيرًا نجد المفكرَين يتخذان موقفًا مختلفًا من فكرة مشاركة العلماء في الحكم؛ فبينما رأى فوكوزاوا أنه من الضروري أن يعمل العلماء ذوو الثقافة الغربية مستقلِّين عن الحكومة، ويتولَّوا توجيه مجتمعهم، كان الطهطاوي عالمًا يجمع بين الثقافتَين الإسلامية والغربية، ويعمل في خدمة الحاكم؛ ومن ثَم وقع على عاتقه تبرير سياسته، واضطُر أحيانًا إلى التحايل لتمرير أفكاره. وهذا الخلاف الجوهري في الرأي يرجع إلى اختلاف الحياة العملية لكلٍّ منهما؛ فقد كان فوكوزاوا كاتبًا ومعلمًا مستقلًّا يعيش على عائد كتاباته، بينما كان الطهطاوي يتمتع بخيرات «وليِّ النعَم».
...............................................
(1) Abu-Lughod, Arab Rediscovery of Europe, pp. 88–92.
(2) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص 94؛ Ibid., p. 93.
(3) Hourani, pp. 69-70.
(4) Ibid., p. 73.
(5) الطهطاوي، مناهج الألباب، ص 349.
(6) Hourani, p. 73.
(7) الطهطاوي، مناهج الألباب، ص 354–370.
(8) Hourani, p. 75.
(9) الطهطاوي، مناهج الألباب، ص 365.
(10) نفس المرجع، ص 368-369.
(11) الطهطاوي، المرشد الأمين، ص 126.
(12) نفس المرجع، ص127.
(13) نفس المرجع، ص 128.
(14) نفس المرجع، ص 124.
(15) الطهطاوي، مناهج الألباب، ص 387–391.
(16) Hourani, p. 75.
(17) Ibid., p. 76.
(18) الطهطاوي، مناهج الألباب، ص 225–228.
(19) Hourani, p. 79.
(20) الطهطاوي، مناهج، ص99.
(21) الطهطاوي، المرشد، ص127-128.
(22) Hourani, pp. 79-80.
(23) Wendell, Charles, The Evolution of the Egyptian National Image, p. 123.
(24) الطهطاوي، المرشد، ص 128.