إنّ عليّا (عليه السلام) وسائر الأئمة من أهل البيت مشهورون بالتنزيه الكامل. وكانوا يقولون إنّه سبحانه لا يشبهه شيء بوجه من الوجوه ، ولا تدرك الأفهام والأوهام كيفيته ولا كنهه. ويظهر ذلك من خطبه (عليه السلام) والآثار الواردة عن سائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام). وقد وقف على ذلك القريب والبعيد. قال القاضي عبد الجبار : «وأمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فخطبه في بيان نفي التشبيه وفي إثبات العدل أكثر من أن تحصى» (1).
روى المبرّد في الكامل : «قال قائل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : أين كان ربّنا قبل أن يخلق السّماوات والأرض؟ فقال علي (عليه السلام) : أين ، سؤال عن مكان ، وكان الله ولا مكان» (2).
وقال البغدادي : قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : «إنّ الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته ، لا مكانا لذاته» ، وقال أيضا : «قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان» (3).
وقد بلغ بعلي (عليه السلام) من الأمر أنّه كان يراقب العوام والسّوقة في مجالسهم وما يصدر منهم فدخل يوما سوق اللحامين وقال : «يا معشر اللحامين ، من نفخ منكم في اللحم فليس منّا. فإذا هو برجل موليه ظهره ، فقال : كلا والذي احتجب بالسبع. فضربه على ظهره ثم قال يا لحّام ، ومن الذي احتجب بالسبع؟ قال : ربّ العالمين يا أمير المؤمنين فقال : اخطأت ، ثكلتك أمك ، إنّ الله ليس بينه وبين خلقه حجاب ، لأنّه معهم أينما كانوا. فقال الرجل ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال : أن تعلم أنّ الله معك حيث كنت. قال : أطعم المساكين؟ قال : لا إنّما حلفت بغير ربّك» (4).
وهذه المعية التي ذكرها علي (عليه السلام) قد وردت في آيات الذكر الحكيم ، منها ما سبق ومنها قوله تعالى : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ..)(5).
وقال (عليه السلام) : «ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال «فيم؟» فقد ضمّنه. ومن قال «علام؟» فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة» (6).
وقال (عليه السلام) : «الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا تراه النواظر ، ولا تحجبه السواتر» (7).
وقال (عليه السلام) : «ما وحّده من كيّفه ، ولا حقيقته أصاب من مثّله ، ولا إياه عنى من شبّهه ، ولا حمده من أشار إليه وتوهّمه» (8).
وقال (عليه السلام) : «قد علم السرائر ، وخبر الضمائر ، له الإحاطة بكل شيء ، والغلبة لكل شيء والقوة على كل شيء» (9).
إلى غير ذلك من خطبه وكلمه في التنزيه ونفي الشبيه. ومن أراد الإسهاب في ذلك والوقوف على مكافحة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لعقيدة التشبيه والتكييف والتجسيم، فعليه مراجعة الأحاديث المروية عنهم في الجوامع الحديثية (10).
___________________
(1) فضل الاعتزال ، ص 163.
(2) الكامل ، ج 2 ، ص 59.
(3) الفرق بين الفرق ، ص 200.
(4) الغارات ، ج 1 ، ص 112.
(5) سورة النساء : الآية 108.
(6) نهج البلاغة ، الخطبة الأولى ، طبعة مصر.
(7) نهج البلاغة ، الخطبة 180 ، طبعة مصر.
(8) نهج البلاغة ، الخطبة 181 ، طبعة مصر.
(9) نهج البلاغة ، الخطبة 82 ، طبعة مصر.
(10) راجع توحيد الصدوق باب التوحيد ونفي التشبيه ، فقد نقل فيه (27) حديثا. وبحار الأنوار ، ج 3 باب نفي الجسم والصورة فقد نقل فيه (47) حديثا. والجزء الرابع منه. وبذلك تعرف مدى وهن الكلمة التي نشرتها جريدة أخبار العالم الإسلامي العدد (1058) من السنة الثانية والعشرين المؤرخ : 29 جمادي الأولى ، عام 1408 هجرية ، للشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن باز حيث نقد مقالة الدكتور محي الدين الصافي التي كتبها تحت عنوان «من أجل أن تكون أمة أقوى». وجاء في تلك المقالة «إنه قام الدليل اليقيني على أنّ الله ليس بجسم». فردّ عليه ابن باز بقوله : «هذا الكلام لا دليل عليه لأنّه لم يرد في الكتاب ولا في السنة وصف الله سبحانه بذلك ونفيه عنه. فالواجب السكوت عن مثل هذا لأنّ مأخذ صفات الله جلّ وعلا توقيفي لا دخل للعقل فيه. فيوقف عند حدّ ما ورد في النصوص من الكتاب والسنة». ولا نعلّق على ذلك إلّا بقوله سبحانه : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، وأنّه نفس الدعوة إلى تعطيل عن المعارف والأصول، على أنّك عرفت مفصلا تضافر النصوص. على تنزيهه سبحانه عن التجسم والتشبيه.