1 ـ إنّ الرؤية إنما تصح لمن كان مقابلا أو في حكم المقابل ، والمقابلة إنما تتحقق في الأشياء ذوات الجهة ، والله تعالى منزه عنها فلا يكون مرئيا.
وبعبارة أخرى : إنّ المراد من الرؤية إما حقيقتها ، أعني الإدراك بحس البصر ، وهو مستلزم لإثبات الجهة له تعالى بالضرورة ، سواء أقلنا بأنّ الإبصار يتحقق بانطباع صورة الشيء في العين أو بخروج الشعاع منها. وإما غير حقيقتها مما يعبر عنه بالإدراك العلمي والشهود القلبي وغير ذلك مما لا يعرف حقيقته إلا القائل به ، فهو حينئذ خارج عن محط البحث ومجال النزاع (1).
2 ـ إنّ الرؤية إما أن تقع على الذات كلها أو على بعضها. فعلى الأول يلزم أن يكون المرئي محدودا متناهيا محصورا شاغلا لناحية من النواحي ، وخلو النواحي الأخرى منه تعالى. وعلى الثاني يلزم أن يكون مركبا متحيزا ذا جهة إلى غير ذلك من التوالي الفاسدة ، المرفوضة في حقه سبحانه.
3 ـ إنّ الرؤية لا تتحقق إلا بانعكاس الأشعة من المرئي إلى أجهزة العين ، وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسما ذا أبعاد ، ومعرضا لعوارض وأحكام جسمانية ، وهو المنزه عن كل ذلك.
4 ـ إنّ الرؤية بأجهزة العين نوع إشارة إليه بالحدقة وهو سبحانه منزه عن الإشارة. فإنّ كل مرئي في جهة يشار إليه بأنه هنا أو هناك ، ويصح أن يقال : إنه مقابل للرائي أو في حكمه. وهذا المعنى منتف في حقه سبحانه.
إنّ مجموع الأدلة الأربعة تعتمد على أمر واحد وهو أنّ تجويز الرؤية على الله سبحانه يستلزم كونه جسما أو جسمانيا. فالأول يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم أن يكون ذا جهة وتحيّز. والثاني يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم تناهي ذاته إذا وقعت الرؤية على تمامها ، أو مركبة إذا وقعت على بعضها. والثالث يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم أن يكون جسما وذا عوارض جسمية. والرابع يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم الإشارة إليه تعالى ، وهو فوق أن يقع في ذلك المجال. فروح الأدلة الأربعة يرجع إلى أمر واحد ، وهو أنّ تجويز رؤيته معناه كونه سبحانه موجودا متحيزا ومحدودا وذا جهة وعوارض جسمانية وقابلا للإشارة وكل ذلك مستحيل ، فتكون النتيجة امتناع وقوع الرؤية عليه.
ومبادي هذه البراهين أمور بديهية حسيّة يكفي في تصديقها تصور القضايا بموضوعاتها ومحمولاتها ونسبها.
محاولة فاشلة: إنّ المتفكرين من الأشاعرة لما رأوا أنّ القول بإمكان رؤيته سبحانه يستلزم هذه المحاذير ويوجب خروج المجوّز عن صفوف المنزهين إلى عداد المجسمين ، حاولوا تصحيح مقولتهم بوجوه خارجة عن محل النزاع ، وإليك بعض ما ذكروه:
1 ـ قال الشهرستاني في نهاية الإقدام : «لم يصر صائر إلى تجويز اتصال أشعة من البصر بذاته أو انطباع شبح يتمثل في الحاسة منه وانفصال شيء من الرائي والمرئي واتصاله بهما ، لكن أهل الأصول اختلفوا في أنّ الرؤية إدراك وراء العلم أم علم مخصوص. ومن زعم أنّه إدراك وراء العلم اختلف في البنية ، واتصال الشعاع ، ونفي القرب المفرط ، والبعد المفرط ، وتوسط الهواء المشفّ (النور الحامل للصورة). فشرطها المعتزلة ونفوا رؤية الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة ، والأشعري أثبتها إثبات الجواز على الإطلاق ، والوجوب بحكم الوعد» (2).
يلاحظ عليه : إنّ الرؤية التي يدعيها أهل الحديث تبعا لما يروونه في هذا المجال ، ولما استظهروه من القرآن عبارة عن رؤية الله تبارك وتعالى بهذه الأبصار الحسية كرؤية القمر في ليلة البدر. وأما غير ذلك مما يدعيه العرفاء وأهل الكشف والشهود ، خارج عن محط البحث. ومن المعلوم أنّ الرؤية بهذا المعنى لا تتحقق إلا بالشرائط التي أطبق عليها علماء الطبيعة ، قديمها وحديثها ، مع اختلاف في تحقيق الشرائط وتحليلها ، فلو أريد من الرؤية غير هذا ، لما ورد النفي والإثبات على شيء واحد. وتمنّي الرؤية بلا هذه الشرائط كتمني رسم الأسد على عضد البطل من دون أن يكون له رأس ولا ذنب (3).
2 ـ قال الفاضل القوشجي بعد شرح معنى الرؤية إما بالارتسام أو خروج الشعاع : «إنا إذا عرفنا الشمس مثلا بحد أو رسم ، كان نوعا من المعرفة ، ثم إذا أبصرناها وغمضنا العين ، كان نوعا آخر فوق الأول. ثم إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأوّلين نسميه الرؤية ، ولا يتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة ومكان. فمحل النزاع أنّ مثل هذه الحالة الإدراكية يصح أن تقع بدون المقابلة ، وتتعلق بذات الله منزهة عن الجهة والمكان، أولا؟» (4).
أقول : إنّ تمني الرؤية والإبصار بغير المقابلة والجهة مع تحققها بالعيون والأبصار ، أشبه بتمني وجود الشيء مع التأكيد على عدمه ، وهذا نظير أن يقال حقيقة المربع عبارة عن وجود أضلاع متصلة ، فهل يمكن أن تتحقق تلك الهيئة بدون الأضلاع (5).
ومن أمعن النظر في كتب الأشاعرة خصوصا القدامى منهم ، وبالأخص كتب أهل الحديث ، والحنابلة ، يرى أنهم يفرون من هذه المحاولات ولا يرون لها قيمة في أوساطهم ، وهم يتمسكون بالروايات وما استظهروه من الآيات ويحكمون بالرؤية الحقيقية كرؤية القمر.
قال الشيخ الأشعري في الإبانة : «وندين بأنّ الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)» (6).
وقال في اللمع : «إن قال قائل : لم قلتم إنّ رؤية الله بالأبصار جائزة من باب القياس. قيل له : قلنا ذلك لأنّ ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه ، لا يلزم في القول بجواز الرؤية» (7).
_______________
(1) لاحظ قواعد المرام في علم الكلام ، ص 76. أنوار الملكوت في شرح الياقوت ، ص 82.
(2) نهاية الإقدام ، ص 356.
(3) مثل يضرب لتمني الشيء المحال وأصل القصة : إنّ بطلا ورد كانا يريد أن يضرب على بدنه صورة الأسد. فكان كلما وخزه صاحب الدكان بالإبرة صرخ وقال : ما ذا تضرب؟ فيجيب : رأسه. فيقول : لا تضرب رأسه. فإذا وخزه أخرى صرخ وتأوّه وقال : ما ذا تضرب؟ فيجيب : ذنبه. فيقول : لا تضربه. وهكذا. فضرب به المثل.
(4) شرح التجريد للقوشجي ، ص 428.
(5) وقد جمع الأستاذ حفظه الله مجلس مع بعض فضلاء الشام فانجرّ البحث إلى إمكان الرؤية فقال الشيخ الأستاذ : إنّ تجويز الرؤية يستلزم تجويز المقابلة والجهة. فقال الشامي : كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا. فأجابه : ما ذا تريد من كلامك «كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا» ، فهل تريد أن الأشياء الدنيوية توجد في الآخرة بوجودات كاملة ، فهذا ما نعترف به. وإن أردت أنّ الأشياء الأخروية تضاد ماهياتها وحدودها ، الموجود في الدنيا ، فهذا مما لا يمكن التصديق به. فإنّ نتيجة ضرب اثنين في اثنين هو أربعة لا خمسة ، ولا يمكن تكذيب هذه القضية بحجة أنّ كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا. فإنّ هناك قضايا قطعية وعلوما ضرورية صادقة في النشأتين من دون أن يختص امكانها بواحدة منهما. فالدور والتسلسل محالان في الدنيا والآخرة ، وقاعدة كل ممكن يحتاج إلى علّة صادقة في كلتا النشأتين فالتمسك بهذا الكلام نوع فرار من البحث والتحقيق.
(6) الابانة ، ص 21.
(7) اللمع ، ص 61 بتلخيص.