1. الحد الفاصل بين الايثار والاسراف: شجع القرآن الكريم على الانفاق في نفس الوقت الذي نهى فيه كذلك عن الاسراف: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا[1]) لكن تمييز الايثار الذي يعتبر من أرقى مراحل الانفاق عن الاسراف وهو عمل محرم ليس بالأمر السهل لكي يتمكن كل منا التصرف والعمل كالمعصومين عليهم السلام الذين ضحوا بطعامهم الذي حصلوا عليه بشق الانفس لوجه الله وآثروا إعطائه الى المسكين واليتيم والأسير ولم يكن فطورهم سوى الماء وحده (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا[2])، بل هو مما يصعب على كل انسان إدراكه وفهمه بالشكل الصحيح وينطبق على هذا المعنى قولهم ان الصراط المستقيم أدق من الشعر وأحد من السيف[3].
وآل بيت النبوة عليهم السلام – الذين هم صراط الامة وميزان أعمالهم هم أعلم الناس بالصراط المستقيم وأولهم في السير بموجبه ولهذا فإن أفعالهم تمثل أعلى مراتب الايثار لأنهم تنازلوا عما هو واجب لهم بل وضروري كذلك ولم يرضوا بالعناء أو المعاناة لغيرهم (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[4]).
وقد روي ان الأمام الحسن المجتبى عليه السلام عمد مرات كثيرة الى تقسيم جميع أمواله على الفقراء أو اعطائه المساكين والمتحاجين[5].
لكن بإمكان المتقين وأصحاب الفرقان تمييز الانفاق في سبيل الله تعالى عن الاسراف إلا أن البعض ممن لا يعرفون معنى الصراط المستقيم ولا يمشون وفقا له يصبحون عالة على الاخرين بمنحهم زادهم وزاد أسرهم الى الفقراء ظانين أن عملهم الخاطئ هذا هو إيثار في سبيل الله والحقيقة هي أن ما يقومون به هو عين الحرام لان توفير نفقة أفراد أسرهم واجب عليهم ولا ينبغي للإنسان الانفاق على الاخرين بينما يكون هو وأسرته أحوج ما يكون لذلك الانفاق بل إنه في الواقع يقوم بإهدار حق أولئك الذين تجب عليه نفقتهم وإعالتهم إذا لايمكن لمثل هذا الانفاق أيا كان منفقه أن يكون إيثارا لكي تنزل بحقه آية قرآنية إنما ينبغي على مثل هؤلاء أن يكونوا من أهل التقوى والفرقان لكي يستطيعوا بذلك معرفة الايثار وتمييزه عن الاسراف.
وخلاصة الكلام: أ. إن الصراط المستقيم هو نواة مركزية بين السبيل المعوج للإفراط والتفريط اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطي هي الجادة[6]. وأن الانسب هو اتباع المبدأ القائل: خير الامور أوسطها[7].
ب. ان من يعرف الصراط المستقيم بشكله الصحيح ولم يخرج عن حدود ذلك الصراط فهو عادل ومعتدل.
ج. بإمكان أي أحد السير على الصراط المستقيم بسرعة والتقدم على الاخرين أي القفز من مرتبة العادل الى مرتبة الا عدل ومن مرحلة التقي الى الاتقى وعندئذ نستطيع الحديث عن أن حير الامور أكثرها وأوفرها وأسرعها وأشدها وليس أوسطها. وبالاستناد الى المبادئ المذكورة سنتمكن من التمييز بين الايثار والإسراف وتعيين حدود كل منهما بدقة.
2. الانفاق يزيد في الرزق: يمكن تشبيه الانفاق بعملية تشذيب أو تقليم الاشجار والتي تبدو في الظاهر وكأنها تزيل أجزاء من تلك الاشجار لكن الحقيقة هي أن تلك العملية تعمل على خروج أغصان وفروع جديدة فالإنفاق يزيد في الرزق كما قال الامام الصادق عليه السلام: من أيقن بالخلف جاد بالعطية[8]، وقال رسول الله ﷺ إن السخاء شجرة من أشجار الجنة لها أغصان متدلية في الدنيا فمن كان سخيا تعلق بغصن من أغصانها فساقه ذلك الغصن الى الجنة[9]. وتعرف هذه الرواية بشكل لطيف ودقيق السخاء بأنه كشجرة طوبى التي تدخل صاحبها الى الجنة.
[2] الإنسان: 8؛ راجع: مجمع البيان 9 - 10 / 611 - 612؛ الدر المنثور: 8 / 371؛ الجامع لأحكام القرآن المجلد 10 ، 20 / 116 - 118. قال أمين الإسلام الطبرسي قدس سره: قد روى الخاص والعام أن الآيات من هذه السورة وهي قوله (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ) إلى قوله (وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجارية لهم تُسمّى فِضة، وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح، والقصة طويلة جملتها أنهم قالوا: مــرض الحسن والحسين عليهما السلام المهلها فعادهما جدهما ﷺ ووجوه العرب وقالوا يا أبا الحسن، لو نذرت على ولديك نذراً فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهما الله سبحانه، ونذرت فاطمة عليها السلام كذلك وكذلك فضة. فيرى وليس عندهم شيء فاستقرض علي عليه السلام ثلاثة أصوع من شعير من يهودي ـ ورُوي إنه أخذها ليغزل له صوفاً ـ وجاء به إلى فاطمة عليها السلام فطحنت صاعاً منها فاختبرته وصلى علي المغرب وقربته إليهم. فأتاهم مسكين يدعو لهم وسألهم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، فلما كان اليوم الثاني أخذت عليها السلام صاعاً فطحنته وخبرته وقدمته إلى علي عليه السلام فإذا يتيم في الباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، فلما كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته واختبرته وقدمته إلى علي عليه السلام فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلّا الماء، فلما كان اليوم الرابع وقد قضوا نذورهم أتى علي عليه السلام ومعه الحسن والحسين عليهما السلام إلى النبي ﷺ و بهما ضعف فبكى رسول الله ﷺ ونزل جبرئيل عليه السلام بسورة (هَل أتى). وفي رواية عطاء عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب عليه السلام آجر نفسه ليستقي نخلاً بشيء من شعير ليلة حتى أصبح. فلما أصبح وقبض الشعير طحن ثلثه فجعلوا منه شيئاً ليأكلوه (يقال له الحريرة) فلما تم إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام، ثُمّ عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الثالث فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه وطووا يومهم ذلك. ذكره الواحدي في تفسيره.
[3] بحار الأنوار: 70/ 269.
[4] الحشر: 9. مجمع البيان: 9 - 10 / 116 - 118.
[5] الكافي: 1 / 461. قال الكليني قدس سره: عَن عبد الله بن سِنَانٍ عَمَّن سَمِعَ أَبَا جَعفرعليه السلام يقول: لما حَضَرَتِ الْحَسَنَ عليه السلام الوَفَاةُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُول الله ! تَبْكِي وَمَكَانُكَ مِنْ رَسُول الله ﷺ الَّذِي أَنتَ بِهِ وَقَدْ قَالَ فِيكَ مَا قَالَ وَقَدْ حَجَجْتَ عِشْرِينَ حَجَّةٌ مَاشِيَا وَقَدْ قَاسَمْتَ مَالَكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى النَّعَل بِالنَّعْلِ؟ فَقَالَ: إِنما أَبكِي الخَصْلَتَينِ: قُولِ الطَّلَعِ وَفِرَاقِ الأَحِبَّةِ».
[6] نهج البلاغة: الخطبة 16.
[8] من لا يحضره الفقيه: 4/416 بحار الانوار: 75/ 208.
[9] أمالي الطوسي: 475 بحار الانوار: 68/ 352.