(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)
خلاصة التفسير: يعتبر القصاص من الاصول والمبادئ المعروفة في القرآن الكريم في جميع المجالات الحقوقية واستنادا الى هذا المبدأ يؤخذ القصاص عند ضياع أي حق من الحقوق بما فيها الارواح والأنفس والأموال والعرض والسمعة والمكانة الاجتماعية والسياسية والحقوقية إلا في حال ورود التقييد أو التخصيص فيه.
وفيما يتعلق بانتهاك الحرمات فإن قام المشركون والكفار بانتهاك الحرمات من خلال إشعال نار الحرب في الشهر الحرام (حيث يحرم فيه القتال) أو داخل الحرم والمسجد الحرام أو خلال فترة الاحرام أو في أي زمان أو مكان مقدسين فالمسلمون مأذونون بمقابلتهم بالمثل ومحاربتهم وقتالهم في نفس المكان والزمان بل من تجاوز أو اعتدى على المسلم فبإمكان المسلم كذلك معاملة المعادي بالمثل لعدم جواز السكوت على الظلم لأن ذلك يعادل الظلم نفسه ولا فرق في الزمان أو الارض أو اللغة عند المعاملة بالمثل رغم أن المراد بالمعاملة بالمثل هو المقابلة في أصل الموضوع لا الوسائل او الادوات فالتماثل بين الجزاء والظلم الابتدائي يجب أن يكون في أصل الموضوع ومقداره وحجمه ولذلك جاز وصف الجزاء المذكور والعادل بـ (المثل).
هذا ولا بد من مراعاة التقوى الالهية في جميع الامور ومنها القصاص كذلك لأن الله سبحانه مع المتقين وهو الذي يحميهم ويصونهم برحمته.
تفسير المفردات:
الحرمات: جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة والحجرات جمع حجرة فإذا كانت ال التعريف في (وَالْحُرُمَاتُ) للعهد فمثاله حرمة الشهر الحرام والحرم والمسجد الحرام وحال الاحرام وإذا كان للجنس أو الاستغراق فتشمل جميع الحرمات الحقوقية وما شابهها.
اعتدى: قيل إن عدا واعتدى لغتان بمعنى واحد ومثله قرب واقترب وجلب واجتلب وقال قوم: في افتعل مبالغة ليس في فعل[1]، كالقدرة والاقتدار.
تناسب الايات: بيان أن هذا الحكم تشريع للقصاص في القتال والقتل ومعاملة بالمثل مع الكافرين[2]، ولما أباح تعالى القتل في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الاشهر الحرم عندهم شديدا جدا ثار العزم للسؤال عنه فقال معلما لهم ما يفعلون في عمره القضاء إن احتاجوا على وجه عام: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) وهو ذو القعدة من سنة سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام (بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) الذي قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية ولما أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال: (وَالْحُرُمَاتُ) أي كلها (قِصَاصٌ) أي تتبع للمساواة والمماثلة فتسبب عن هذا أنه من اعتدى عليكم وتعمد أذاكم في شيء من الاشياء في أي زمان أو مكان كان (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ[3]).
[1] تفسير التبيان: 2 / 151.
[2] تفسير الميزان: 2 / 60 - 61. قال الأستاذ العلامة الطباطبائي تثل: «قوله تعالى: (بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ)، بيان أن هذا الحكم تشريع للقصاص في القتال والقتل ومعاملة بالمثل معهم، وقوله تعالى: (وأنفقوا) إيجاب لمقدمته المالية وهو الإنفاق للتجهيز والتجهز، فيقرب أن يكون نزول مجموع الآيات الخمس لشأن واحد من غير أن ينسخ بعضها بعضاً كما احتمله بعضهم، ولا أن تكون نازلة في شؤون متفرقة كما ذكره آخرون، بل الغرض منها واحد وهو تشريع الـقــال مــع مشركي مكة الذين كانوا يقاتلون المؤمنين.