موقع (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) من الاية [البقرة: 190]
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص657-659
2026-07-20
64
قال الاستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره بأن جملة (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) ليست شرطا ولا قيدا احترازيا بل جيء بها لإثارة الغيرة وروح الحماسة عند المقاتلين المسلمين[1]. وهي ليست (شرطا) لعدم اعتبار خصوصية الشرط فيها وهذا مشبه لما ورد بشأن المسجد الحرام حيث قال تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ[2]) ففي هذه الاية الجزاء والعقاب هو (فَاقْتُلُوهُمْ) يجري مجرى تحقق الشرط – أي (قَاتَلُوكُمْ) أما في الاية المفسرة فإن جملة (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) تشير الى شأنية المقاتلين لا فعليتهم ومعنى ذلك أنهم لن يقاتلونكم في الوقت الحاضر لكن ملكة القتال وشأنيته موجودة في أعماقهم ووجودهم وعليه ينبغي عليكم مقاتلهم لأنهم أعداء الاسلام والمسلمين وينوون محاربتكم لأنهم يعتبرون ذلك جائزا وحلا لا لهم إذا فهم في حالة حرب معكم سواء حاربوكم بالفعل أم لم يحاربوكم[3].
والجملة المذكورة ليست قيدا احترازيا كذلك ليكون المقصود بها محاربة من يحاربونكم فقط فيستثنى بذلك النساء والأطفال (لعدم مقاتلهم لكم) لأن القيد الاحترازي يستخدم عندما يكون القتال ضد فئتين من المشركين (فئة تمثل الرجال والشباب وأخرى تضم الاطفال والنساء والشيوخ) ويكون حكم القتال مشتملا على كلتا الفئتين ويكون القيد الوارد في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) خاصاً بإخراج الفئة الثانية.
وفي الآية المفسرة لا جود لفئتين في القتال لتدل عبارة (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) على الاحراز من إحدى الفئتين بل هي عنوان مشيراً الى القتال والتعذيب والأذى الذي مارسه المشركون ضد المسلمون طيلة ثلاث عشرة سنة كقوله تعالى مثلا: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ[4]) وهو عنوان مشير بالعلية ووصف مشعر به وفيه كذلك اشارة الى كفر أولئك ونفاقهم.
وتتصف جملة (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) بتأثير غير موجود في الاية الاخيرة حيث يستثير التعبير النخوة والحماسة والغيرة لدى مقاتلي الاسلام وكأنها تقول: قاتلوا الذين يقاتلونكم وعمدوا الى تعذيبكم وايذائكم ثلاث عشرة سنة.
تذكير: تعتبر جملة (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) بمثابة إنذار للمجتمع الاسلامي ليكون حذرا من المؤامرات والغفلة والسهو ويدافع عن نفسه متى هاجمه الاعداء بل عدم منح العدو أية فرصة للتفكير في الهجوم على المسلمين.
[1] قال العلامة الطباطبائي في الميزان: 2/ 60 سياق الايات الشريفة يدل على أنها نازلة دفعة واحدة وقد سيق الكلام فيها لبيان غرض واحد وهو تشريع القتال لأول مرة مع مشركي مكة فإن فيها تعرضا لإخراجهم من حيث أخرجوا المؤمنين وللفتنة وللقصاص والنهي عن مقاتلتهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوا عنده وكل ذلك أمور مربوطة بمشركي مكة على أنه تعالى قيد القتال بالقتال في قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) وليس معناه الاشتراط أي قاتلوهم إن قاتلوكم وهو ظاهر ولا قيدا احترازيا والمعنى قاتلوا الرجال دون النساء والولدان الذين لا يقاتلونكم كما ذكره بعضهم اذ لا معنى لقتال من لا يقدر على القتال حتى ينهى عن مقاتلته بل الظاهر أن الفعل أعني (يُقَاتِلُونَكُمْ) للحل والوصف للإشارة والمراد به الذين حالهم حال القتال مع المؤمنين وهم مشركو مكة فمساق هذه الايات مساق قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) إذن ابتدائي للقتال مع المشركين المقاتلين من غير شرط، على أن الآيات الخمس جميعاً متعرضة لبيان حكــم واحـد بحدوده وأطرافه ولوازمه فقوله تعالى: (وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ) لأصل الحكم.
[3] تفسير غرائب القرآن: 1 / 528 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة