الهدف من القتال
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص654-657
2026-07-20
62
ذكرنا آنفا أن مسألة تزكية نفوس أفراد المجتمع الاسلامي وتعليمهم الكتاب والحكمة تقع على رأس لائحة برنامج الوحي الالهي ولذلك تناول الله عز وجل الهدف من القتال قبل التطرق الى موضوع القتال نفسه: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) إذا فهدف القتال هو اقامة أسس الدين وإعلاء كلمة التوحيد فقبل أن يبين الله تعالى للمسلمين خصمهم الذي تجب مقاتلته أوضح لهم السبب والهدف من ذات القتال.
ويمكننا استشعار أهمية الهدف من القتال من خلال تقديم عبارة: (سَبِيلِ اللَّهِ) على هوية الخصم (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) وهناك أمثلة مشابهة سنأتي عليها لاحقا. ويعتبر الدفاع عن الدين ومبادئه في الاسلام مبدأ أساسيا ثم يأتي بعده الدفاع عن التراب والأرض والنفس والمال والعرض والكرامة فالدفاع عن الدين والذود عن حياضه يأتيان في المرتبة الاولى وعلى رأس الأولويات الاسلامية فلا وجود للأمور الاخرى إلا في ظل الحفاظ على سلامة الدين وعندما يكون مبدأ الدين مصانا فإن من شأن ذلك أن يكون رادعا لكل من تسول له نفسه الاعتداء على تراب المسلمين ومياههم وذلك وفقا للتعاليم الدينية التي علمت المسلم أنه اذا اعتدي مثلا على زوجه أو أي من أقاربه توجب عليه الدفاع عنهما وإن خاف على نفسه من الضرر أو الموت[1]، واستنادا كذلك الى ما ورد عن النبي ﷺ قوله: من قتل دون مظلمته فهو شهيد[2] ومن قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد[3]. وغير ذللك ولهذا أمر القرآن الكريم المسلمين بالقتال في سبيل الله وحده قبل أن يشير الى خصائص المقاتل المسلم وصفاته أو الكشف عن هوية خصمه المراد مقاتلته أو السلاح الذي يجب عليه استخدامه في الحرب وما ذلك وعليه فإن الهدف من القتال هو الذود عن دين الله لا مجرد الدفاع عن النفس الذي يعتبر حقا طبيعيا لكل إنسان ولا حاجة الى من يعلمه أو يحثه على ذلك بل إن الوقوف بوجه العدوان والدفاع عن النفس هي غريزة موجودة ومودعة في داخل كل مخلوق حي يستشار بالسلوك العدواني.
ولكي يضفي القرآن الكريم مسحة دينية وعبادية على مسألة الدفاع التي تعد حقا معقولا ومبدأ مقبولا لكل انسان قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) باعتبار أن الصبغة الدينية تزيد من عظمة الدفاع وشموخه.
وهناك الكثير مما يشبه هذا المعنى في القرآن الكريم مثل قوله عز وجل: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا[4]) لاحظ أن القيد في هذه الاية (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهو الهدف من القتال جاء قبل ذكر المجاهدين لأن الهدف وحده هو الذي يحدد قيمة القتال وليس المقاتل ومعلوم أن الهدف من القتال في الاسلام هو احياء كلمة الله وابطال الباطل: لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلى[5]، ولن يختلف الله تعالى بالتأكيد عن نصرة المجاهدين في سبيله لأنه هو الذي وعدهم بالنصر والعون ومن الطبيعي أن يختتم ذلك الوعد بالنصر المؤزر: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[6]) ( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ[7]) ولذلك فعندما سئل الامام السجاد عليه السلام عمن انتصر في الطف أجاب قائلا: إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذن ثم أقم[8].
ويتبين من لغة الخطاب في قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وبقرينة المقابلة أن أعداء المؤمنين إنما يقاتلون في سبيل الطاغوت كما في قوله عز وجل: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ[9]).
إلماعة: لما كان اللفظ موضوعا لمفهوم عام أو كما يسمى اصطلاحا بروح المعنى فإن إطلاق كلمة (سَبِيلِ) على دين الله يمثل حقيقة لا مجاز لأن الكلمة لا يقصد بها الطريق الاعتيادي أبدا أو الفضاء المادي بشكل عام بل يراد بها المعارف والأخلاق وما شابهها.
[1] الكافي: 5/ 52-53. قال الكليني قدس سره عن الرضا عليه السلام عن الرجل يكون في السفر ومعه جارية له فيجيء قوم يريدون أخذ جاريته أيمنع جاريته من أن تؤخذ وإن خاف على نفسه القتل؟ قال نعم قلت وكذلك إن كانت معنه امرأة؟ قال: نعم قلت وكذلك الأم والبنت وابنه العم والقرابة يمنعهن وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم (قلت) وكذلك المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه وإن خاف القتل؟ قال نعم.
[2] الكافي: 5/ 52-53. قال الكليني قدس سره عن الرضا عليه السلام عن الرجل يكون في السفر ومعه جارية له فيجيء قوم يريدون أخذ جاريته أيمنع جاريته من أن تؤخذ وإن خاف على نفسه القتل؟ قال نعم قلت وكذلك إن كانت معنه امرأة؟ قال: نعم قلت وكذلك الأم والبنت وابنه العم والقرابة يمنعهن وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم (قلت) وكذلك المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه وإن خاف القتل؟ قال نعم.
[3] الكافي: 5/ 52-53. قال الكليني قدس سره عن الرضا عليه السلام عن الرجل يكون في السفر ومعه جارية له فيجيء قوم يريدون أخذ جاريته أيمنع جاريته من أن تؤخذ وإن خاف على نفسه القتل؟ قال نعم قلت وكذلك إن كانت معنه امرأة؟ قال: نعم قلت وكذلك الأم والبنت وابنه العم والقرابة يمنعهن وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم (قلت) وكذلك المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه وإن خاف القتل؟ قال نعم.
[5] نهج البلاغة: الحكمة 373
[8] الامالي للطوسي: 677 بحار الانوار: 45/ 177. قال الطوسي قدس سره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لام قدم علي بن الحسين عليهما السلام وقد قتل الحسين بن علي (صلوات الله عليهما) استقبله ابراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال: ياعلي بن الحسين من غلب وهو مغطى رأسه وهو في المحمل؟ قال: فقال له علي بن الحسين اذا اردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذن ثم أقم.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة