قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] قال شبابا وشيوخا يعنى إلى غزوة تبوك وفى رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله { لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} [التوبة: 42] يقول غنيمة قريبة {لَاتَّبَعُوكَ } [التوبة: 42] وقال علي بن إبراهيم في قوله {وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} [التوبة: 42] يعني إلى تبوك وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يسافر سفرا أبعد منه ولا أشد منه وكان سبب ذلك ان الصيافة كانوا يقدمون المدينة من الشام معهم الدرموك[1] والطعام وهم الأنباط فأشاعوا بالمدينة ان الروم قد اجتمعوا يريدون غزوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عسكر عظيم وان هرقل قد سار في جنود رحلت معهم غسان وجذام ( حزام ك ) وبهراء ( فهرا ك ) وعاملة وقد قدم عساكره البلقاء ونزل هو حمص ، فامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه بالتهيؤ إلى تبوك وهي من بلاد البلقاء وبعث إلى القبائل حوله والى مكة والى من أسلم من خزاعة ومزينة وجهينة فحثهم على الجهاد ، وامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعسكره وضرب في ثنية الوداع وامر أهل الجدة[2] ان يعينوا من لا قوة به ومن كان عنده شيء أخرجه وحملوا وقووا وحثوا على ذلك وخطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال بعد ان حمد الله واثنى عليه : " أيها الناس ان أصدق الحديث كتاب الله وأولى القول كلمة التقوى وخير الملل ملة إبراهيم ، وخير السنن سنة محمد ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص هذا القرآن وخير الأمور عزايمها وشر الأمور محدثاتها وأحسن الهدى الأنبياء ، وأشرف القتل قتل الشهداء ، واعمى العمى الضلالة بعد الهدى ، وخير الاعمال ما نفع ، وخير الهدى ما اتبع ، وشر العمى عمى القلب ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وما قل وكفى خير مما كثر والهى ، وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة يوم القيامة ، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا[3] ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا ، ومن أعظم خطايا اللسان الكذب ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما القي في القلب اليقين ، والارتياب من الكفر ، والنياحة من عمل الجاهلية ، والغلول[4] من جمر جهنم ، والسكر جمر النار والشعر من إبليس ، والخمر جماع الاثم ، والنساء حبائل إبليس ، والشباب شعبة من الجنون ، وشر المكاسب كسب الربا ، وشر المآكل اكل مال اليتيم ، والسعيد من وعظ بغيره ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة اذرع ، والامر إلى آخره وملاك العمل خواتيمه واربا الربى الكذب ، وكل ما هو آت قريب ، وسباب المؤمن فسق ، وقتال المؤمن كفر، واكل لحمه من معصية الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه ، ومن توكل على الله كفاه ، ومن صبر ظفر ، ومن يعف يعف الله عنه ، ومن كظم الغيظ يأجره الله ، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ، ومن يتبع السمعة يسمع الله به ، ومن يصم يضاعف الله له ، ومن يعص الله يعذبه ، اللهم اغفر لي ولامتي اللهم اغفر لي ولامتي استغفر الله لي ولكم "
قال فرغبوا الناس في الجهاد لما سمعوا هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقدمت القبائل من العرب ممن استنفرهم ، وقعد عنه قوم من المنافقين ولقي رسول الله الجد بن قيس[5] فقال له : يا أبا وهب! ألا تنفر معنا في هذه الغزاة ؟ لعلك ان تستحفد[6] من بنات الأصغر[7] فقال يا رسول الله والله ان قومي ليعلمون انه ليس فيهم أحد أشد عجبا بالنساء مني وأخاف ان خرجت معك ان لا اصبر إذا رأيت بنات الأصفر فلا تفتني وائذن لي ان أقيم ، وقال لجماعة من قومه لا تخرجوا في الحر فقال ابنه : ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتقول له ما تقول ! ثم تقول لقومك لا تنفروا في الحر والله لينزلن في هذا قرآنا تقرأه الناس إلى يوم القيامة فأنزل الله على رسوله في ذلك {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49] ثم قال الجد بن القيس أيطمع محمد ان حرب الروم مثل حرب غيرهم لا يرجع من هؤلاء أحد ابدا.
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [التوبة: 50] اما الحسنة فالغنيمة والعافية واما المصيبة فالبلاء والشدة {يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 50، 51] وقوله {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52] يقول الغنيمة والجنة إلى قوله {إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52].
ونزل أيضا في الجد بن قيس في رواية علي بن إبراهيم لما قال لقومه لا تخرجوا في الحر {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 81 - 84] ففضح الله الجد بن قيس وأصحابه فلما اجتمع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الخيول رحل من ثنية الوداع وخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) على المدينة فأوجف المنافقون بعلي (عليه السلام) فقالوا ما خلفه الا تشأما به فبلغ ذلك عليا فاخذ سيفه وسلاحه ولحق برسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجرف ، فقال له رسول الله يا علي ألم أخلفك على المدينة ؟ قال نعم ولكن المنافقين زعموا انك خلفتني تشأما بي ، فقال كذب المنافقون يا علي أما ترضى أن تكون أخي وانا أخوك بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وإن كان بعدي نبي لقلت أنت وأنت خليفتي في أمتي وأنت وزيري وأخي في الدنيا والآخرة ، فرجع علي (عليه السلام) إلى المدينة وجاء البكاؤن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم سبعة من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير قد شهد بدرا لا اختلاف فيه ومن بنى واقف هدمي ( هرمي ط مدعى ك ) بن عمير ومن بنى جارية علية بن زيد ( يزيد خ ل ) وهو الذي تصدق بعرضه وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) امر بصدقة فجعل الناس يأتون بها فجاء علية فقال يا رسول الله والله ما عندي ما أتصدق به وقد جعلت عرضي حلا فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قبل الله صدقتك ومن بني مازن بن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ومن بني سلمة عمرو بن غنمة ( عتمة ط ) ومن بني زريق سلمة بن صخر ومن بني العرياض ناصر بن سارية السلمي هؤلاء جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبكون فقالوا يا رسول الله ليس بنا قوة ان تخرج معك فأنزل الله فيهم {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } [التوبة: 91، 92] قال وإنما سألوا هؤلاء البكاؤن نعلا يلبسونها.
ثم قال {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} [التوبة: 93] والمستأذنون ثمانون رجلا من قبائل شتى والخوالف النساء.
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِين} [التوبة: 43] يقول تعرف أهل الغدر والذين جلسوا بغير عذر وفي رواية علي بن إبراهيم قوله {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا - اي وبالا - وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} [التوبة: 44 - 47] أي يهربوا عنكم.
وتخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوم من أهل ثبات وبصائر لم يكن يلحقهم شك ولا ارتياب ولكنهم قالوا نلحق برسول الله (صلى الله عليه وآله) منهم أبو خثيمة وكان قويا وكانت له زوجتان وعريشتان فكانت زوجتاه قد رشتا عريشتيه وبردتا له الماء وهيئتا له طعاما ، فأشرف على عريشته ، فلما نظر اليهما قال والله ، ما هذا بانصاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قد خرج في الصخ[8] والريح وقد حمل السلاح مجاهدا في سبيل الله وأبو خثيمة قوي قاعد في عريشته وامرأتين حسناوتين لا والله ما هذا بإنصاف ثم اخذ ناقته فشد عليها رحله فلحق برسول الله (صلى الله عليه وآله) فنظر الناس إلى راكب على الطريق فأخبروا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كن أبا خثيمة ، فاقبل وأخبر النبي بما كان منه فجزاه خيرا ودعا له .
وكان أبو ذر رحمه الله تخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أيام وذلك أن جمله كان أعجف[9] فلحق بعد ثلاثة أيام به ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كن أبا ذر فقالوا هو أبو ذر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدركوه بالماء فإنه عطشان فأدركوه بالماء ووافى أبو ذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه إداوة فيها ماء فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا أبا ذر معك ماء وعطشت؟ فقال نعم يا رسول الله بأبي أنت وأمي انتهيت إلى صخرة وعليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد ، فقلت لا اشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله : " يا أبا ذر أرحمك الله تعيش وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك قوم من أهل العراق يتولون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك " فلما سير به عثمان إلى الربذة فمات بها ابنه ذر ، فوقف على قبره فقال رحمك الله يا ذر لقد كنت كريم الخلق بارا بالوالدين وما علي في موتك من غضاضة وما بي إلى غير الله من حاجة ، وقد شغلني الاهتمام لك عن الاغتمام بك ، ولولا هول المطلع لأحببت ان أكون مكانك ، فليت شعري ما قالوا لك وما قلت لهم ، ثم رفع يده فقال : اللهم انك فرضت لك عليه حقوقا وفرضت لي عليه حقوقا فاني قد وهبت له ما فرضت لي عليه من حقوقي فهب له ما فرضت عليه من حقوقك فإنك أولى بالحق وأكرم مني .
وكانت لأبي ذر غنيمات يعيش هو وعياله منها فأصابها داء يقال له النقار[10] ، فماتت كلها فأصاب أبا ذر وابنته الجوع فماتت أهله، فقالت ابنته أصابنا الجوع وبقينا ثلاثة أيام لم نأكل شيئا فقال لي أبي يا بنية قومي بنا إلى الرمل نطلب القت وهو نبت له حب فصرنا إلى الرمل فلم نجد شيئا فجمع أبي رملا ووضع رأسه عليه ورأيت عينه قد انقلبت، فبكيت وقلت له يا أبت كيف اصنع بك وانا وحيدة ؟ فقال يا بنتي لا تخافي فاني إذا مت جاءك من أهل العراق من يكفيك أمري ، فإنه أخبرني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك .
فقال يا أبا ذر تعيش وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك وتدخل الجنة وحدك يسعد بك أقوام من أهل العراق يتولون غسلك وتجهيزك ودفنك فإذا انا مت فمدي الكساء على وجهي ثم اقعدي على طريق العراق فإذا اقبل ركب فقومي إليهم وقولي هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد توفي، قال فدخل إليه قوم من أهل الربذة فقالوا يا أبا ذر ما تشتكي؟ قال ذنوبي قالوا فما تشتهي ؟ قال رحمة ربي قالوا فهل لك بطبيب؟ قال الطبيب أمرضني قالت ابنته فلما عاين؟ الموت سمعته يقول مرحبا بحبيب اتى على فاقة لا أفلح من ندم اللهم خنقني خناقك فوحقك انك لتعلم اني أحب لقاءك قالت ابنته فلما مات مددت الكساء على وجهه ثم قعدت على طريق العراق فجاء نفر فقلت لهم يا معشر المسلمين هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد توفي فنزلوا ومشوا يبكون فجاءوا فغسلوه وكفنوه ودفنوه وكان فيهم الأشتر فروي أنه قال دفنته في حلة كانت معي قيمتها أربعة آلاف درهم فقالت ابنته فكنت أصلي بصلاته وأصوم بصيامه فبينما انا ذات ليلة نائمة عند قبره إذ سمعته يتهجد بالقرآن في نومي كما كان يتهجد به في حياته فقلت يا أبة ماذا فعل بك ربك ؟ فقال يا بنية قدمت على رب كريم فرضي عني ورضيت عنه، وأكرمني وحباني فاعملي فلا تغتري.
وكان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتبوك رجل يقال له المضرب من كثرة ضرباته التي اصابته ببدر واحد ، فقال له رسول الله عد لي أهل العسكر فعددهم فقال هم خمسة وعشرون الف رجل سوى العبيد والتباع ، فقال عد المؤمنين فعددهم فقال هم خمسة وعشرون رجلا ، وقد كان تخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوم من المنافقين وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق منهم كعب بن مالك الشاعر ومرادة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي ( الموافقى ط ) فلما تاب الله عليهم قال كعب ما كنت قط أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى تبوك وما اجتمعت لي راحلتان قط إلا في ذلك اليوم وكنت أقول اخرج غدا اخرج بعد غد فاني قوي وتوانيت وبقيت بعد خروج النبي (صلى الله عليه وآله) أياما ادخل السوق فلا اقضي حاجة فلقيت هلال بن أمية ومرادة بن الربيع وقد كانا تخلفا أيضا فتوافقنا ان نبكر إلى السوق ولم نقض حاجة فما زلنا نقول نخرج غدا بعد غد حتى بلغنا اقبال رسول الله فندمنا فلما وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) استقبلناه نهنئه بالسلامة فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام واعرض عنا وسلمنا على اخواننا فلم يردوا علينا السلام فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا أحد ولا يكلمنا فجئن نساؤنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلن قد بلغنا سخطك على أزواجنا فتعتزلهم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تعتزلنهم ولكن لا يقربوكن، فلما رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حل بهم قالوا ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا اخواننا ولا أهلونا فهلموا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت ، فخرجوا إلى ذناب جبل بالمدينة فكانوا يصومون وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم ، فبقوا على هذا أياما كثيرة يبكون بالليل والنهار ويدعون الله ان يغفر لهم فلما طال عليهم الامر ، قال لهم كعب يا قوم قد سخط الله علينا ورسوله قد سخط علينا وأهلونا واخواننا قد سخطوا علينا فلا يكلمنا أحد فلم لا يسخط بعضنا على بعض ؟ فتفرقوا في الليل وحلفوا ان لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عليه فبقوا على هذه ثلاثة أيام كل واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلمه فلما كان في الليلة الثالثة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيت أم سلمة نزلت توبتهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوله {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } [التوبة: 117] قال الصادق (عليه السلام) هكذا نزلت[11] وهو أبو ذر وأبو خثيمة وعمر بن وهب الذين تخلفوا ثم لحقوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال في هؤلاء الثلاثة {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } [التوبة: 118] فقال العالم ( عليه السلام ) إنما انزل {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } [التوبة: 118] ولو خلفوا يكن عليهم عيب {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 118] حيث لم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا أهلوهم فضاقت عليهم المدينة حتى خرجوا منها وضاقت عليهم أنفسهم حيث حلفوا ان لا يكلم بعضهم بعضا فتفرقوا وتاب الله عليهم لما عرف من صدق .
[5] وفى ط الحر بن قيس وهو خطأ وإن كان كلاهما صحابيين غير ممدوحين لكن المراد هنا هو الجد وفى قاموس الرجال ناقلا عن جماعة : انه يظن فيه النفاق وكل من حضر الحديبية بايع النبي (صلى الله عليه وآله) الاجد بن قيس فإنه استتر تحت ناقة النبي ص ( أقول ) هذا عمله وذاك - أي الاستهزاء برسول الله عند ذكره بنات الأصفر - قوله أبعد اللتيا والتي يبقى المجال ان يقال فيه " يظن فيه النفاق
[7] اسم أطلقه العرب على الغربيين لا سيما على اليونان والروم . ج . ز
[10] النقار كالغراب داء الماشية كالطاعون . ق
[11] وفي المصحف لفظة " على النبي والمهاجرين " مكان " بالنبي على المهاجرين " . ج . ز