وهو إزهاق النفس المعصومة المكافئة عمدا عدوانا.
ويتحقق العمد بقصد البالغ العاقل إلى القتل بما يقتل غالبا.
ولو قصد القتل بما يقتل نادرا فاتفق القتل فالأشبه القصاص وهل يتحقق مع القصد إلى الفعل الذي يحصل به الموت وإن لم يكن قاتلا في الغالب إذا لم يقصد به القتل كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف فيه روايتان أشهرهما أنه ليس بعمد يوجب القود.
ثم العمد قد يحصل بالمباشرة وقد يحصل بالتسبيب.
أما المباشرة فكالذبح و الخنق و سقي السم القاتل و الضرب بالسيف و السكين و المثقل و الحجر الغامز و الجرح في المقتل و لو بغرز الإبرة.
وأما التسبيب فله مراتب:
المرتبة الأولى انفراد الجاني بالتسبيب المتلف ، وفيه صور:
الأولى: لو رماه بسهم فقتله قتل به لأنه مما يقصد به القتل غالبا و كذا لو رماه بحجر المنجنيق و كذا لو خنقه بحبل و لم يرخ عنه حتى مات أو أرسله منقطع النفس أو ضمنا حتى مات أما لو حبس نفسه يسيرا لا يقتل مثله غالبا ثم أرسله فمات ففي القصاص تردد و الأشبه القصاص إن قصد القتل أو الدية إن لم يقصد أو اشتبه القصد.
الثانية: إذا ضربه بعصا مكررا ما لا يحتمله مثله بالنسبة إلى بدنه و زمانه فمات فهو عمد ولو ضربه دون ذلك فأعقبه مرضا و مات فالبحث كالأول و مثله لو حبسه و منعه الطعام و الشراب فإن كان مدة لا يحتمل مثله البقاء فيها فمات فهو عمد.
الثالثة: لو طرحه في النار فمات قتل به و لو كان قادرا على الخروج لأنه قد يشده ولأن النار قد تشنج الأعصاب بالملاقاة فلا يتيسر له الفرار أما لو علم أنه ترك الخروج تخاذلا فلا قود لأنه أعان على نفسه و ينقدح أنه لا دية له أيضا لأنه مستقل بإتلاف نفسه و لا كذا لو جرح فترك المداواة فمات لأن السراية مع ترك المداواة من الجرح المضمون و التلف من النار ليس بمجرد الإلقاء بل بالإحراق المتجدد الذي لو لا المكث لما حصل و كذا البحث لو طرحه في اللجة و لو فصده فترك شده أو ألقاه في ماء فأمسك نفسه تحته مع القدرة على الخروج فلا قصاص و لا دية.
الرابعة: السراية عن جناية العمد توجب القصاص مع التساوي فلو قطع يده عمدا فسرت قتل الجارح و كذا لو قطع إصبعه عمدا بآلة تقتل غالبا فسرت.
الخامسة: لو ألقى نفسه من علو على إنسان عمدا وكان الوقوع مما يقتل غالبا فهلك الأسفل فعلى الواقع القود و لو لم يكن يقتل غالبا كان خطأ شبيه العمد فيه الدية مغلظة ودم الملقي نفسه هدرا.
السادسة: قال الشيخ لا حقيقة للسحر وفي الأخبار ما يدل على أن له حقيقة ولعل ما ذكره الشيخ قريب غير أن البناء على الاحتمال أقرب فلو سحره فمات لم يوجب قصاصا ولا دية على ما ذكره الشيخ وكذا لو أقر أنه قتله بسحره وعلى ما قلناه من الاحتمال يلزمه الإقرار وفي الأخبار يقتل الساحر قال في الخلاف يحمل ذلك على قتله حدا لفساده لا قودا.
المرتبة الثانية أن ينضم إليه مباشرة المجني عليه ، وفيه صور:
الأولى: لو قدم له طعاما مسموما فإن علم و كان مميزا فلا قود و لا دية و إن لم يعلم فأكل و مات فللولي القود لأن حكم المباشرة سقط بالغرور و لو جعل السم في طعام صاحب المنزل فوجده صاحبه فأكله فمات قال في الخلاف و المبسوط عليه القود و فيه إشكال.
الثانية: لو حفر بئرا بعيدة في طريق و دعا غيره مع جهالته فوقع فمات فعليه القود لأنه مما يقصد به القتل غالبا.
الثالثة: لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمي فإن كان مجهزا فالأول جارح و القاتل هو المقتول فلا دية له و لوليه القصاص في الجرح إن كان الجرح يوجب القصاص و إلا كان له أرش الجراحة و إن لم يكن مجهزا و كان الغالب فيه السلامة فاتفق فيه الموت سقط ما قابل فعل المجروح و هو نصف الدية و للولي قتل الجارح بعد رد نصف الدية و كذا لو كان غير مجهز و كان الغالب معه التلف و كذا البحث لو خاط جرحه في لحم حي فسرى منهما سقط ما قابل فعل المجروح و هو نصف الدية و كان للولي قتل الجارح بعد رد نصف ديته.
المرتبة الثالثة أن ينضم إليه مباشرة حيوان، وفيه صور:
الأولى: إذا ألقاه في البحر فالتقمه الحوت قبل وصوله فعليه القود لأن الإلقاء في البحر إتلاف بالعادة وقيل لا قود لأنه لم يقصد إتلافه بهذا النوع و هو قوي أما لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه فعليه القود لأن الحوت ضار بالطبع فهو كالآلة.
الثانية: لو أغرى به كلبا عقورا فقتله فالأشبه القود لأنه كالآلة و كذا لو ألقاه إلى أسد بحيث لا يمكنه الاعتصام فقتله سواء كان في مضيق أو برية.
الثالثة: لو أنهشه حية قاتلة فمات قتل به ولو طرح عليه حية قاتلة فنهشته فهلك فالأشبه وجوب القود لأنه مما جرت العادة بالتلف معه.
الرابعة: لو جرحه ثم عضه الأسد و سرتا لم يسقط القود وهل يرد فاضل الدية الأشبه نعم و كذا لو شاركه أبوه أو اشترك عبد و حر في قتل عبد.
الخامسة: لو كتفه وألقاه في أرض مسبعة فافترسه الأسد اتفاقا فلا قود و فيه الدية
المرتبة الرابعة أن ينضم إليه مباشرة إنسان آخر، وفيه صور:
الأولى: لو حفر واحد بئرا فوقع آخر بدفع ثالث فالقاتل الدافع دون الحافر وكذا لو ألقاه من شاهق فاعترضه آخر فانقد بنصفين قبل وصوله الأرض فالقاتل هو المعترض و لو أمسك واحد و قتل آخر فالقود على القاتل دون الممسك لكن الممسك يحبس أبدا و لو نظر إليهما ثالث لم يضمن لكن تسمل عيناه أي تفقأ.
الثانية: إذا أكرهه على القتل فالقصاص على المباشر دون الآمر ولا يتحقق الإكراه في القتل و يتحقق فيما عداه (و في رواية علي بن رئاب: يحبس الأمر بقتله حتى يموت) هذا إذا كان المقهور بالغا عاقلا و لو كان غير مميز كالطفل و المجنون فالقصاص على المكره لأنه بالنسبة إليه كالآلة و يستوي في ذلك الحر و العبد و لو كان مميزا عارفا غير بالغ و هو حر فلا قود و الدية على عاقلة المباشر.
وقال بعض الأصحاب يقتص منه إن بلغ عشرا و هو مطرح.
وفي المملوك المميز تتعلق الجناية برقبته فلا قود و في الخلاف إن كان المملوك صغيرا أو مجنونا سقط القود و وجبت الدية و الأول أظهر.
فروع:
الأول: لو قال اقتلني أو لأقتلنك لم يسغ القتل لأن الإذن لا يرفع الحرمة و لو باشر لم يجب القصاص لأنه كان مميزا أسقط حقه بالإذن فلا يتسلط الوارث.
الثاني: لو قال اقتل نفسك فإن كان مميزا فلا شيء على الملزم و إلا فعلى الملزم القود وفي تحقق إكراه العاقل هنا إشكال.
الثالث: يصح الإكراه فيما دون النفس فلو قال اقطع يد هذا أو هذا أو لأقتلنك فاختار المكره أحدهما ففي القصاص تردد منشؤه أن التعيين عري عن الإكراه و الأشبه القصاص على الأمر لأن الإكراه تحقق و التخلص غير ممكن إلا بأحدهما.
الصورة الثالثة: لو شهد اثنان بما يوجب قتلا كالقصاص أو شهد أربعة بما يوجب رجما كالزنا و ثبت أنهم شهدوا زورا بعد الاستيفاء لم يضمن الحاكم و لا الحداد و كان القود على الشهود لأنه تسبيب متلف بعادة الشرع نعم لو علم الولي و باشر القصاص كان القصاص عليه دون الشهود لقصده إلى القتل العدوان من غير غرور.
الرابعة: لو جنى عليه فصيره في حكم المذبوح وهو أن لا تبقى حياته مستقرة و ذبحه آخر فعلى الأول القود و على الثاني دية الميت و لو كانت حياته مستقرة فالأول جارح و الثاني قاتل سواء كانت جنايته مما يقضى معها بالموت غالبا كشق الجوف و الآمة أو لا يقضى به كقطع الأنملة.
الخامسة: لو قطع واحد يده وآخر رجله فاندملت إحداهما ثم هلك فمن اندمل جرحه فهو جارح و الآخر قاتل يقتل بعد رده دية الجرح المندمل.
فرع:
لو جرحه اثنان كل واحد منهما جرحا فمات فادعى أحدهما اندمال جرحه و صدقه الولي لم ينفذ تصديقه على الآخر ل أنه قد يحاول أخذ دية الجرح من الجارح و الدية من الآخر فهو متهم في تصديقه و لأن المنكر مدع للأصل فيكون القول قوله مع يمينه.
السادسة: لو قطع يده من الكوع و آخر ذراعه فهلك قتلا به لأن سراية الأول لم تنقطع بالثاني لشياع ألمه قبل الثانية و ليس كذا لو قطع واحد يده و قتله الآخر لأن السراية انقطعت بالتعجيل و في الأولى إشكال و لو كان الجاني واحدا دخلت دية الطرف في دية النفس إجماعا منا و هل يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس اضطربت فتوى الأصحاب فيه ففي النهاية يقتص منه إن فرق ذلك و إن ضربه ضربة واحدة لم يكن عليه أكثر من القتل و هي رواية
محمد بن قيس عن أحدهما و في المبسوط و الخلاف يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس و هي رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام و في موضع آخر من الكتاب لو قطع يد رجل ثم قتله قطع ثم قتل فالأقرب ما تضمنته النهاية ل ثبوت القصاص بالجناية الأولى و لا كذا لو كانت الضربة واحدة و كذا لو كان بسرايته كمن قطع يد غيره فسرت إلى نفسه فالقصاص في النفس لا في الطرف.