الإحلال بعد التحريم
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص504-508
2026-07-07
25
صرح بعض المفسرين: بأن تحليل المباشرة في ليالي الصيام إنما هو تحليل ابتدائي نظير الاحلال في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ[1]) لا أن يكون مثلا مسبوقا بالحرمة ثم أحل بنزول الاية المذكورة لأن آيات الصيام لم تنه عن المباشرة ليكون الاحلال المذكور مسبوقا بالحرمة ويكون النهي بذلك مرفوعا في هذه الاية[2]. وقد أوردوا بعض الروايات عن طريق أهل السنة تؤيد هذا المعنى[3]، بل الظاهر كما يُشعر به بعض الروايات المروية من طرق أهل السنة والجماعة أن المسلمين لما نزل حكم الصوم وسمعوا قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ[4]) فهموا منه التساوي في الاحكام من جميع الجهات وقد كانت النصارى كما قيل إنما ينكحون ويأكلون ويشربون في أول الليل ثم يمسكون بعد ذلك فأخذ بذلك المسلمون غير أن ذلك صعب عليهم فكان الشبان منهم لا يكفون عن النكاح سرا مع كونهم يرونه معصية وخيانة لأنفسهم والشيوخ ربما أجهدهم الكف عن الاكل والشرب بزعمه فنزلت الاية فبينت أن النكاح والأكل والشرب غير محرمين عليهم بالليل في شهر رمضان وظهر بذلك أن مراد الاية بالتشبيه في قوله تعالى: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) هو التشبيه في أصل فرض الصوم لا في خصوصياته[5].
والتحقيق هو أن الشواهد الداخلية والخارجية للاية تدل بوضوح على أن المباشرة كانت محرمة في السابق وأن هذه الاية تختلف عن بعض الايات مثل قوله تعالى (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ[6]) و(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ[7]) اللتين تبينان الاحلال الابتدائي.
فأما الشواهد الداخلية للاية فهي: 1. (أُحِلَّ لَكُمْ) وظاهره حكم الحلية.
2. (أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ) وظاهره أن المباشرة كانت محرمة في السابق وبيان وقوع هذا الفعل.
3. (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ) ويدل على ارتكاب المعصية وهي مباشرة النساء وإلا لما كان للتوبة والعفو هما اطلاقا.
4. (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) وظاهره تجويز المباشرة بمجرد نزول هذه الاية الشريفة.
فإذا لم يفهم من هذه الشواهد الداخلية تقدم حرمة المباشرة على تحليلها بصراحة عندئذ يمكننا الاستنباط بوضوح أن الحرمة كانت موجودة بالفعل وأنها رفعت بنزول الاية المذكورة.
وأما الشاهد الخارجي فهو كلام مولانا الامام الصادق عليه السلام حول شأن نزول هذه الاية حيث وردت العبارات التالية في أول كلامه: (كان النكاح والأكل محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم...[8]).
صحيح إن آية الصيام لم تنه عن الأكل والشرب والمباشرة في الليل لكن عدم ورود النهي في الاية لا يتنافى مع حرمة ذلك في السابق لسكوت آيات الصيام عن تجنب هذه الامور في النهار وقد ثبتت حرمة الاكل والشرب والمباشرة في النهار بسنة الرسول الأعظم ﷺ وهي حجة الهية لا يأتيها الباطل أبدا وهكذا ظلت الى يومنا هذا بالاضافة الى ثبوت حرمتها في الجملة في ليالي أيام الصوم بالسنة النبوية الشريفة أيضا ثم رفعت حرمتها ثانية بأمر الله تعالى عبر سنة رسوله الكريم ﷺ وعليه واستنادا الى شأن نزول الاية فإن الاكل والشرب كانا محرمين سابقا تماما كالمباشرة ومع نزول هذه الاية ونسخ الحرمة السابقة أبيح كل من الاكل والشرب كذلك حتى طلوع الفجر الصادق: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[9]).
وقد أشرنا آنفاً إلى عدم وجود أي شاهد يدلّ على حرمة الأكل والشرب سابقاً، حيث تم استنباط هذا المعنى من الروايات فقط، خلافاً لمسألة المباشرة التي توجد شواهد داخلية في الآية تدل على حرمتها قبل ذلك.
[2] التفسير الكبير: المجلد 3 ، 5 / 110 ؛ تفسير المنار: 2 / 175. قال صاحب تفسير المنار: «فَأَنتَ تَرَى فِي هَذِهِ الرِّوَانَاتِ اضْطِرَابًا، فَفِي بَعْضِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مُقَارَبَةَ النِّسَاءِ مُحَرَّمَةٌ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ كَأَنْهُرِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَفِي الْأُخْرَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَهَا كَالأَكْلِ وَالقُرْبِ لَا تَحْرُمُ إِلَّا بَعْدَ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ، وَأَقْرَبُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ الجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اخْتِلَافُ اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ بِحَمْلٍ كُلِّ رِوَايَةٍ عَلَى طَائِفَةٍ، وَإِلَّا تَعَارَضَنَا وَسَقَطَ الاحْتِجَاجُ بِهِمَا وَهَذَا الْجَمْعُ يُوَافِقُ مَا قَالَهُ الْأَسْتَاذُ الْإِمَامُ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ اجْتِهَادَهُمْ لَمْ يَكُنْ حُكْمَا قُرآنِيًّا فَيُقَالُ إِنَّهُ نُسِخَ بِالْآيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادٌ أَوْقَعَهُمْ فِيهِ الإِجْمَالُ فَجَاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالْبَيَانِ (قَالَ): وَقَوْلُهُ: (أُحِلَّ لَكُمْ) لا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا، بَلْ يَكْفِي فِيهِ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ مِنْ كَمَالَ الصِّيَامِ أَوْ مِنْ شُرُوطِهِ عَدَمُ الأَكْلِ بَعْدَ النَّوْمِ وَعَدَمُ مُقَارَبَةِ النِّسَاءِ بَعْدَهُ أَوْ مُطْلَقًا وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) وَلَم يَكُنْ قَدْ سَبَقَ نَضٌ فِي تَحْرِيمِهِ».
[3] راجع الدر المنثور: 1 / 475 - 477. قال السيوطي في الدر المنثور: وكيع وعبد بن حميد والبخاري وأبو داوود والترمذي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي. وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً فكان يومه ذاك يعمل في أرضه فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام وجاءت امرأته فلما رأته نائماً قالت: خيبة لك، أتمت؟ فلما انتصف النهار غُشي عليه فذكر ذلك للنبي ﷺ؟ فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ) إلى قوله (مِنَ الْفَجْرِ) ففرحوا بها فرحاً كثيراً. وأخرج البخاري عن البراء قال: لما نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ) وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند حسن عن كعب بن مالك قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. فرجع عمـر مــن عنـد النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأيقظها وأرادها فقالت: إنّي قد نمت. فقال: ما نمت، ثم وقع بها وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ). وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: كــان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا وأن عمر أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس غلبته عينـه بعــد صــلاة المغرب فنام فلم يشبع من الطعام ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فأنزل (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ) يعني! بالرفث مجامعة النساء (كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء، (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) يعني جامعوهن (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) يعنـي الـولــد،. (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) فكان ذلك عفواً من الله ورحمة وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثُمّ إنّ ناساً من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ) إلى قوله (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) يعني أنكحوهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى طعم من الطعام حتى يمسي - مــن الليلة القابلة. وأن عمر بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله، ثُم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة فإنّها زينت لي فواقعتُ أهلي، هل تجد لي من رخصة؟».
[5] راجع: تفسير الميزان: 2 / 45 .
[8] بحار الانوار: 2/ 241. يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطره ثم انتبه حرم عليه الافطار وكان النكاح حراما بالليل والنهار في شهر رمضان.
[9] المصدر السابق. قال العلامة المجلسي: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: خــواب بـن جبير أخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله ﷺ وكله بقم الشعب في يوم أحد في خمسين من الرماة، ففارقه أصحابه وبقي في اثني عشر رجلاً فقُتِلَ على باب الشعب، وكان أخـوه هـذا خوات ابن جبير شيخاً ضعيفاً وكان صائماً فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لأهله: قد حرم على الأكل في هذه الليلة، فلما أصبح حضر حفر الخندق فأُغمي عليه، فرآه رسول الله ﷺ فَرَق ،له وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سراً في شهر رمضان. فأنزل الله.. (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ). إلى آخر الآية، فأحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل في شهر رمضان والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله: (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ).
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في العبادات
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة