الحكم القطعي للمسافر والحاضر
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص408-411
2026-06-29
11
لا ريب في ظاهر الاية الشريفة: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) هو العزيمة بمعنى أن من لم يكن مسافرا فيتوجب عليه الصيام أما المريض والمسافر فباستطاعتهما الافطار وقضاء الصيام في أيام أخر ورغم اعتراف بعض المفسرين بشكل عام بإمكانية استنباط عزيمة افطار المريض والمسافر من القرآن الكريم إلا أنهم صرحوا في مواضع اخرى بأنه لو لا وجود الروايات المأثورة عن آل البيت عليهم السلام لما كان المستفاد من الاية إلا بيان الرخصة بدلا من العزيمة[1].
وليس معنى (فَمَن شَهِدَ) هو (من رأى منكم الهلال[2]) وجب على الجميع الصيام بمجرد رؤيته في شهر رمضان بل المقصود هو الشاهد في مقابل الغائب والغيبة هي السفر أما الشهادة فهي الحضر[3]. وسننقل في البحث الروائي بعض الروايات التي تؤيد هذا المعنى[4].
وفيما يتعلق بمسألة رؤية الهلال تجدر الاشارة هنا الى أن أغلب الفقهاء يرى كفاية رؤية الهلال في بلاد ما ليشمل البلدان المجاورة فقط لتلك البلاد التي تكون مشتركة الافق مع بعضها البعض فيما اعتبر آخرون شمول ذلك لجميع البلدان دون استثناء[5].
و(مِنكُمُ) في محل نصب على الحال من المستكن في (شَهِدَ) والتقييد الصبي والمجنون[6]، حيث رفع التكليف عن هذين الشخصين وإن لم يكونا مسافرين.
و(الشَّهْرَ) مفعول فيه لا مفعول به بمعنى أن من كان حاضرا وشاهدا في رمضان وجب عليه صيامه والضمير في كلمة (فَلْيَصُمْهُ) العائد على (الشَّهْرَ) هو ظرف كذلك لا مفعول به[7].
وقد مضى تفسير (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) في الاية السابقة. وجدير بالذكر هنا أن ورود هذا الجزء من الاية وتكراره مرتين ليس لمجرد التأكيد وما شابه ذلك وحسب لأن الايتين السابقتين تمثلان تمهيدا ومقدمة أما هذا القسم من الاية فيشير الى الحكم النهائي لصيام المريض والمسافر ووجوب قضائه عليهما[8]. ويتبين من هذه الاية بوضوح أن الافطار عزيمة لا رخصة لأن وجوب القضاء مترتب على مجرد المرض أو السفر وتقدير كلمة فأفطر خلاف الاصل أما تقدير فحلق في الاية الشريفة: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ[9])، فلقرينة المقام بينما لا تتضمن الاية المفسرة مثل هذه القرينة.
ويستفيد من قوله تعالى: (عَلَىٰ سَفَرٍ) ضرورة التلبس بالسفر بالفعل وعليه ليس باستطاعة الصائم الافطار ولما يخرج بعد من وطنه أو محل اقامته.
[1] التفسير الكاشف: 1 / 285. قال الأستاذ العلامة الطباطبائي تكتل في تفسير الميزان: 2 / 11): وقد قال قوم - وهم المعظم من علماء أهل السنة والجماعة - إن المدلول عليه بقوله تعالى: (ومَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، هو الرخصة دون العزيمة، فالمريض والمسافر مخيران بين الصيام والإفطار، وقد عرفت أن ظاهر قوله تعالى (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ) هو عزيمة الإفطار دون الرّخصة، وهو المروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهو مذهب جمع من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير، فهم محجوجون بقوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). وقد قدّروا لذلك في الآية تقديراً فقالوا: إن التقدير(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ويــرد علـيـه أولاً: إن التقدير كما صرحوا به خلاف الظاهر لا يُصار إليه إلا بقرينة ولا قرينة من نفس الكلام عليه. وثانياً: إنّ الكلام على تقدير تسليم التقدير لا يدلّ على الرخصة فإنّ المقام كما ذكروه مقام التشريع، وقولنا: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ) فأفطر غاية ما يدل عليه أن الإفطار لا يقع معـصـيـة بــل جائزاً بالجواز بالمعنى الأعم من الوجوب والاستحباب والإباحة، وأما كونه جائزاً بمعنى عدم كونه إلزامياً فلا دليل عليه من الكلام البتة، بل الدليل على خلافه فإنّ بناء الكلام في مـقــام التشريع على عدم بيان ما يجب بيانه لا يليق بالمشرع الحكيم وهو ظاهر. قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، إلّا طاقة كما ذكره بعضهم صرف تمام الطاقة في الفعل، ولازمه وقوع العمل بجهد ومشقة، والفدية هي البدل وهي هنا بدل مالي وهو طعام مسكين أي طعام يشبع مسكيناً جائعاً من أوسط ما يطعم الإنسان، وحكم الفدية أيضـاً فـرض كحكم القضاء في المريض والمسافر لمكان قوله: (وَعَلَى ٱلَّذِينَ) ، الظاهر في الوجوب التعييني دون الرخصة والتخيير».
[2] تفسير المنار: 2 / 163. قال محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار: «وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهْرِ هُنَا الْهِلَالُ وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنِ الْخِلَالِ بِالشَّهْرِ ، وَيَرُدُّهُ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ: شَهِدَ الهلال، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: رَآهُ؛ وَمَعْنَى شَهِدَ حَضَرَ). وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَعْنَى: فَمَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْكُمْ حُلُولَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ».
[3] التبيان في تفسير القرآن: 2 / 123. قال شيخ الطائفة الطوسي تثل: «وقوله: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، قيل في معناه قولان: أحدهما: من شاهد منكم الشهر مقيماً. والثاني: من شهده بأن حضره ولم يغب؛ لأنه يُقال: شاهد بمعنى حاضِر وشاهد بمعنى مشاهد».
[4] قال الأستاذ العلامة الطباطبائي تكتل في تفسير الميزان: 2 / 24: «قوله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، الشهادة هي الحضور مع تحمّل العلم من جهته، وشهادة الشهر إنما هو ببلوغه والعلم به، ويكون بالبعض كما يكون بالكل. وأما كون المراد بشهود الشهر رؤية هلاله وكون الإنسان بالحضر مقابل السفر فلا دليل عليه إلّا من طريق الملازمة في بعض الأوقات بحسب القرائن، ولا قرينة في الآية».
[5] راجع: الجامع لأحكام القرآن المجلد 1، 2 / 275 - 276 .
[6] تفسير روح المعاني: 2 / 93 .
[7] هُوَ اسْمُ زَمَانٍ أو مَكَانٍ، أو اسْمٌ عُرِضَتْ دَلالته على أحدِهِمَا أو جَرَى تَجْرَى الزَّمَانِ وضُمِّنَ مَعْنى في باطَّرَادٍ، فَاسْمُ الزَّمَانِ والمَكَانِ نحو سَافَرَ لَيْلاً و «مشئ ميلا». (معجم القواعد العربية، عبد الغني الدقر: باب الميم).
[8] تفسير الميزان: 2 / 24. قال العلامة الطباطبائي تتثل: قوله تعالى: (ومَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، إيراد هذه الجملة في الآية ثانياً ليس من قبيل التكرار للتأكيد ونحوه لما عرفت أن الآيتين السابقتين مع ما تشتملان عليه مسوقتان للتوطئة والتمهيد دون بيان الحكم، وأن الحكم هو الذي بين في الآية الثالثة فلا تكرار».
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في العبادات
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة