المستعر الأعظم المنهار اللُّب
المؤلف:
جيمس بيني
المصدر:
الفيزياء الفلكية مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص38
2026-07-01
14
في اللُّب ذي الكثافة الهائلة للنجوم التي أحرقَت الكربون إلى سيليكون، يتوفر جزءٌ كبير من الضغط الذي يقاوم الجاذبية بواسطة الإلكترونات، التي تُجبَر، وفقًا لمَبدأَي هايزنبرج وباولي على الحركة بسرعةٍ أعلى بكثير مما ستكون عليه عند درجة الحرارة نفسها، ولكن بكثافة أقل. ونتيجةً لذلك، تمتلك هذه الإلكترونات طاقةً حركية كبيرة جدًّا لدرجة أنه قد يصبح أكثر فائدةً لها من ناحية الطاقة أن تُحتجز داخل النواة، مما يؤدي إلى تقليل شحنتها وتحويلها إلى نواة العنصر السابق في الجدول الدوري. تقلِّل كل عملية احتجاز من هذا النوع عدد الإلكترونات التي تُسهِم في الضغط المضاد للجاذبية.
مع انكماش اللُّب، ترتفع درجة حرارتها ويزداد متوسط طاقة الفوتونات في إشعاع الجسم الأسود المحيط في النهاية يحتوي هذا الإشعاع على عددٍ كبير من الفوتونات ذات طاقةٍ كافية لتفتيت النواة الذرية إلى أجزاء (تفككها ضوئيًّا). يُسهِم غاز الفوتونات في اللُّب إسهامًا كبيرًا في الضغط الذي يقاوم الجاذبية، وتقلِّل كل عملية تفكُّك ضوئي الضغط بسحب الطاقة من غاز الفوتونات.
ومن ثَم، يصبح النجم على منحدرٍ زَلِق؛ حيث يزيد الانكماش من درجة الحرارة؛ مما يؤدي إلى احتجاز المزيد من الإلكترونات وتفكُّك المزيد من النوى، وهذا يؤدي حتمًا إلى المزيد من الانكماش. خلال بضعة ملِّي ثوانٍ، يكون اللُّب في حالة سقوطٍ حر، وتصبح الكارثة حتمية.
مع ارتفاع الكثافة المركزية، تتفكك النوى الذرية، التي تشكَّلَت ببطء خلال حياة النجم. تتحول معظم الشظايا إلى نيوترونات. وتبدأ النيوترونات الآن في أداء الدور الذي كانت تؤديه الإلكترونات سابقًا؛ إذ تُسهِم إسهامًا كبيرًا في الضغط عن طريق الحركة بسرعةٍ أعلى بكثير مما ستكون عليه عند درجة الحرارة نفسها وكثافة أقل وفقًا لمبدأَي هايزنبرج وباولي. ونتيجةً لذلك، في مرحلةٍ معيَّنة، يرتفع الضغط داخل اللُّب بسرعة مع الكثافة، ويتوقف اللُّب فجأةً عن الانكماش، أو «يرتد».
تقع معظم كتلة النجم خارج اللُّب المدعوم بالضغط، وتسقط بسرعةٍ كبيرة نحو الداخل. النتيجة الحتمية هي صدمة حيث يجري إيقاف المادة الساقطة وتسخينها بشدة.
تصبح درجة الحرارة والكثافة في هذه المرحلة مرتفعتَين للغاية إلى حد أن التصادمات داخل البلازما التي تتكون من الإلكترونات والنيوترونات والبروتونات تُنتِج وفرةً من النيوترونات. وبما أن النيوترونات تمتلك قطاعات تصادم صغيرة جدًّا فإنها تنتقل لمسافاتٍ كبيرة بين التصادمات حتى في المركز الكثيف للغاية للنجم. ونتيجةً لذلك، تزيد إضاءة اللُّب بشدة بإشعاع النيوترونات بدلًا من الفوتونات، على الرغم من أن النواة تُشع الفوتونات أيضًا، ولكنها تستغرق وقتًا أطول للانتشار للخارج؛ لذا فإن النيوترونات تحمل الطاقة بشكلٍ أسرع. ومن ثَم في هذه المرحلة، يتدفق فيضٌ هائل من النيوترونات عَبْر غلاف النجم، الذي لا يزال معظمه يسقط نحو اللُّب الصغير شبه النقطي. تصطدم نسبةٌ صغيرة من النيوترونات بالنوى الساقطة، وتنقل إليها الطاقة والزخم. يمكن أن تكون هذه التحويلات كافيةً لعكس الحركة الداخلية لمعظم الغلاف، ودفعه إلى الخارج في كُرة نارية هائلة.
قبل أن يتشتَّت الغلاف في الفضاء بين النجوم، يتعرض لفيضٍ مكثف من النيوترونات المنبعثة من اللُّب الغني بالنيوترونات. تمتص النوى الذرية في الغلاف معظم النيوترونات تقريبًا، مما يحوِّلها إلى نوًى أثقل. عادةً ما تكون النواة التي تتكون من امتصاص نيوترون مُشِعَّة جدًّا وتتحلل بسرعة إلى نواةٍ أخرى، غالبًا عن طريق انبعاث إلكترون، ودائمًا مع انبعاث فوتون. ومن ثَم، يصبح التحلل الإشعاعي مصدرًا مهمًّا للحرارة داخل الغلاف المتشتِّت. يمتص بعض النَّوَى عدة نيوترونات على التوالي، ويخضع لعدة تحلُّلاتٍ إشعاعية. تتكون جميع العناصر التي تلي الحديد في الجدول الدوري بهذه الطريقة؛ ومن ثَم فقد تكوَّنَت نَوَى البروم، والفضة، والذهب، واليود، والرصاص، واليورانيوم جميعها في انفجارات المُستعرات العظمى.
مع تمدُّد الكرة النارية، يتضخم الغلاف الضوئي، مما يؤدي إلى زيادة إضاءتها المرئية. في حالة المستعر الأعظم SN1987a، بلغَت الإضاءة المرئية ذروتَها بعد ثلاثة أشهر من انهيار اللُّب، ونعلم توقيت حدوث هذا الانهيار؛ لأننا رصدنا انفجار النيوترونات الذي حدث مع ارتداد اللُّب. (حتى الآن، يُعد SN1987a المستعر الأعظم الوحيد الذي رصَدنا فيه نيوترونات). تُظهر الأطياف التي رُصدَت في هذه المرحلة أن المادة الموجودة في الغلاف تهرب من اللُّب بسرعاتٍ تصل إلى بضعة آلاف الكيلومترات في الثانية. عند هذه السرعة، تحتوي كل كتلةٍ شمسية من المادة المطرودة على نحو 2 × 1043 جول من الطاقة الحركية؛ لذلك فإن المادة المطرودة التي تبلغ نحو 5 كتلٍ شمسية تحتوي على حوالي 1044 جول من الطاقة. ويمثل هذا نحوَ واحدٍ في المائة فقط من طاقة الجاذبية التي أطلقَها انهيار اللُّب. هذه خاصيةٌ مميزة للمُستعرات العظمى؛ فالانفجار المذهل الذي نرصُده والتأثير العميق الذي يتركه الحدث على الوسط البينجمي ناتجان عن جزءٍ صغيرٍ جدًّا من الطاقة التي تُطلَق بالفعل؛ حيث إن 99 في المائة من الطاقة تحملها نيوترونات لن تتفاعل مع أي شيء أبدًا.
في النهاية، يصبح الغلاف الآخذ في الاتساع متناثرًا للغاية لدرجة لا يمكن معها احتجاز الفوتونات المرئية لفترةٍ طويلة داخله. ومن ثَم تتلاشى إضاءته المرئية خلال بضعة أسابيع. ومع تمدُّده وازدياد تناثره، يصبح التفاعل الديناميكي مع الغاز الموجود في المنطقة المحيطة بالنجم أكثر أهمية. في الواقع، من المحتمل أن تكون كثافة الغاز في هذه المنطقة مرتفعة على نحوٍ غير طبيعي؛ لأن النجم قبل أن ينهار كمستعرٍ أعظم كان يفقد كتلته بسرعةٍ كبيرة في صورة رياح. تصطدم موجة الانفجار الناتجة عن النجم المنفجر بهذه الرياح وتسخِّنها بفعل الصدمة. وفي هذه المرحلة، يمكن أن تنشأ انبعاثاتٌ ملحوظة عند أطوالٍ موجية راديوية.
في غضون ذلك، هناك الكثير مما يحدث داخل اللُّب. رأينا أن اللُّب المنهار أصبح غنيًّا جدًّا بالنيوترونات، وأن الضغط الناتج عن النيوترونات أدى إلى ارتداد اللُّب وإنتاج دفقة من النيوترونات التي أزاحت جزءًا كبيرًا من الغلاف. بعد الارتداد، تستمر المواد في السقوط في اللُّب المستقر، ويتشكل نجمٌ نيوتروني، وهو نواةٌ ذرية هائلة غنية جدًّا بالنيوترونات. داخل هذا النجم، تتحرك النيوترونات بسرعاتٍ نسبية معتدلة، محدثةً ضغطًا يقاوم الجاذبية بالطريقة نفسها التي تقاوم بها الإلكترونات الجاذبية داخل القزم الأبيض. تزداد كتلة هذا النجم النيوتروني مع استمرار سقوط المواد فيه. ومع زيادة كتلته، يتقلص نصف قطره (تتصرف الأقزام البيضاء بالطريقة نفسها)، ويزداد مجال جاذبيته قوةً، وتتحرك النيوترونات بسرعةٍ أكبر لمقاومة الجاذبية. وعلى نحوٍ مثير للدهشة، تتنبأ نظرية النسبية العامة بأن الضغط نفسه مصدرٌ للجاذبية؛ ومن ثَم، كلما زاد الضغط في مقاومة الجاذبية، ازدادت الجاذبية قوة. إذا زادت كتلة النجم النيوتروني عن قيمةٍ حرجةٍ معيَّنة، الكتلة الحرجة (Mcrit)، فإن الجاذبية تتغلب على الضغط الناتج عن النيوترونات، وينهار الجِرم ليصبح ثقبًا أسود.
القيمة الدقيقة للكتلة الحرجة مثارُ جدل؛ لأنها تعتمد على كيفية تصرُّف المادة عند الكثافات النووية. على الرغم من أننا نعتقد أننا نعرف المعادلات التي نحتاج إلى حلها، وهي معادلات الديناميكا اللونية الكمية (QCD)، فإنه من الصعب للغاية تحديد العلاقة المطلوبة بين الكثافة والضغط من المبادئ الأولى. علاوةً على ذلك، ليس لدينا وصولٌ جيد إلى هذا النظام تجريبيًّا؛ فأكثر النَّوَى ضخامةً على الأرض لا تحتوي إلا على نحو 240 بروتونًا ونيوترونًا، وتنتج مجالات جاذبية ضئيلة. لكن الخبراء يثقون في أن قيمة الكتلة الحرجة تقع بين 1٫4 كتلة شمسية و3 كتل شمسية؛ ومن ثَم تُخلِّف بعض المستعرات العظمى المنهارة اللُّب نجومًا نيوترونية، بينما تُنتج أخرى ثقوبًا سوداء. المستعر الأعظم الذي رصَده الصينيون عام 1054 ترك وراءه نجمًا نيوترونيًّا (نابض السرطان) تمَّت دراسته على نطاقٍ واسع. تشير دراساتنا للمستعر الأعظم SN1987a إلى أنه شهد تكوين نجم نيوتروني، لكن عمليات البحث الدقيقة لم تكشف عن أي بقايا نجمية من أي نوع.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في النجوم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة