الخلفية التاريخية للسكان في الماضي
المؤلف:
د. عبد علي الخفاف
المصدر:
جغرافية السكان أسس عامة
الجزء والصفحة:
ص 19 ـ 20
2026-06-24
17
تفيد الخلفية التاريخية في إلقاء الضوء على بدايات الاهتمام بعدد السكان في المجتمع وبجملة خصائصهم في توزيعهم ما بين الذكور والإناث وما بين الأطفال والصغار والشباب والمسنين من الشيوخ والعجائز، وتفيد في محاولة معرفة الضرورة التاريخية لهذا الاهتمام وكيفية تطوره وتحديد مراحل هذا التطور حتى تبلور منهج الجغرافية في دراسة عدد السكان وجملة خصائصهم الحيوية والاجتماعية في ما يسمى بجغرافية السكان geography of population والتي تشكل اليوم حـقـلاً علمـيـاً مـتـمـيـزاً تخصصياً في الدراسات السكانية population studies ، وهي تضم إلى جانب جغرافية السكان اقتصاديات السكان population economies وعلم اجتماع السكان population soci ology وعلم الديموغرافية demography وغيرها وسيأتي التعريف بها لاحقاً، لقد كان عدد السكان وتوزيعهم حسب النوع ، ذكوراً وإناثاً، وحسب العمر، الأطفال والصغار والمسنين من الأمور التي اهتم بها رجال الحكم والفكر واسترعت أنظارهم منذ العصور القديمة، والذي يلاحظ أن نواة النظريات السكانية المعروفة قد وجدت لها أوليات في كتابات الفلاسفة والمفكرين القدماء، وقد دلت التنقيبات والبقايا الأثرية للحضارات العراقية والمصرية القديمة وحضارات الصين والهند على اهتمام هذه الأمم بعدد السكان ومعرفة الشباب منهم على وجه الخصوص ولربما حصـل هـذا الاهتمام لأغراض حربية ولمعرفة القوى القادرة على العمل والبناء والإنتاج إذ أن معرفتها تقود إلى إمكانية حساب الغلال الزراعية وتقديرها ومن ثم تحديد الضرائب .
كانت الرغبة السائدة لدى جميع الأمم قديما هي في الزيادة في عدد السكان، كما يشير إلى ذلك تراث المعرفة الإنسانية، حتى شاعت الأفكار بأن الزيادة في السكان خير وبركة وإنها عامل على البقاء والقوة والتقدم وأن من ينجب أطفالاً عديدين يقدم خدمة جليلة للمجتمع وهو أكثر نفعاً من الأعزب الذي يخشى الزواج خوفاً من كثرة النسل، وأكثر نفعاً من المتزوج الذي لا ينجب أطفالاً، وبالتالي لا يخلق أثراً يفيد به المجتمع ولا زالت آثار هذا الموقف التاريخي تخلق عقدة صعبة، عقدة نفسية، وضعفاً نفسياً لدى غير القادرين على الإنجاب أمام الناس رغم التطور الحضاري الذي حصل والذي يفترض منه تبدل النظرة إلى موضوع الإنجاب نسبياً. ولا تزال كثرة النسل والزواج المبكر من الأمور المرغوبة لدى غالبية أمم العالم إلى اليوم ما عدا التحول الذي حصل لدى أمم القارة الأوروبية وأمم أمريكا الشمالية وأستراليا بفعل التحولات الاقتصادية الاجتماعية التي مرت بها خلال تاريخها منذ الثورة الصناعية لقد تبـدل مـوقف الإنسان الأوروبي من الإنجاب والتناسل تماماً منذ القرن التاسع عشر تقريباً وعلى وجه الخصوص موقف إنسان المدينة فـقـد أصبح الكثير من الأوروبيين يخشون كثرة النسل ويقلقون منه باعتبارها تقود إلى فقدان نسبة كبيرة من الرفاه، أو تؤدي بهم إلى الفقر وإلى الكثير من المشاكل، الأمر الذي شجع على ظهور موانع الحمل ومجمل القول أن الفكر الإنساني بشكل عام يعد التناسل أمراً طبيعياً بل واجباً مقدساً ليس للإنسان الحق أن يناقش أو يشك فيه وهذا دون شك موقف صحيح إذ أن التناسل هو الأساس في حركة تجديد الأجيال واستمرار المجتمع البشري على البقاء.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في جغرافية السكان
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة