دور الأنظمة والتعليمات في تنظيم ضريبة الدخل في العراق
المؤلف:
علي هاشم جواد نصر الله
المصدر:
التقدير الذاتي للضريبة واثره في فاعلية النظام الضريبي في العراق
الجزء والصفحة:
ص 51-54
2026-06-01
17
إن أول ما نلاحظ عند دراسة الأساس القانوني للتقدير الذاتي في العراق، نجد أن هذا النظام يستمد مشروعيته من صلب النصوص الدستورية. فقد نص دستور 2005 النافذ على أنه ( لا تفرض الضرائب والرسوم، ولا تعدل، ولا تجبى، ولا يعفى منها إلا بقانون) (1) ، وهو ما يضع قاعدة عامة ملزمة تقضي بأن كل ما يتعلق بالضريبة لا يمكن تنظيمه إلا بتشريع صادر عن السلطة التشريعية، وهذا النص يُعدّ الضمانة الدستورية الأساسية التي منعت السلطة التنفيذية من الانفراد بفرض أو تعديل الضريبة، بل قصرت دورها على تنفيذ ما يصدر عن البرلمان في صورة قوانين ، وبناءً على هذا المبدأ، فإن التقدير الذاتي لم يكن ليجد مكانه في التطبيق لولا وجود سند قانوني هو قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 المعدل، والذي يمثل الاساس التشريعي الأولي للضرائب المباشرة في العراق. فقد نصت مواده على التزامات المكلف بتقديم إقراره الضريبي السنوي خلال المدة المحددة، وعلى آليات الإدارة في التدقيق والمراجعة، وهو ما فتح المجال أمام تطوير مفهوم التقدير الذاتي في التطبيق العملي (2). الا أن القانون وحده لم يكن كافيًا لتنظيم التفاصيل الفنية والكيفية الإجرائية، لذلك تتدخل السلطة التنفيذية وعبر وزارة المالية والهيئة العامة للضرائب لإصدار التعليمات والانظمة والتي تترجم التشريع النيابي الى واقع عملي عن طريق الأنظمة والتعليمات. ومن أبرز هذه التعليمات تلك الصادرة سنة 2014 بشأن اعتماد أسلوب التقدير الذاتي لكبار المكلفين، والتي استندت إلى أحكام قانون ضريبة الدخل والى الصلاحيات الممنوحة للوزارة بموجب الدستور والقانون (3).
إن هذا التدرج بين الدستور والقانون والتعليمات التنفيذية يجسد مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة (47) من دستور 2005، حيث يقوم البرلمان بوضع القواعد العامة في شكل قوانين، فيما تضطلع الحكومة بتفصيل الإجراءات عبر الأنظمة والتعليمات، وتحتفظ السلطة القضائية بدورها في الرقابة على سلامة التطبيق (4).
إن التطبيق الفعلي للتقدير الذاتي في العراق لم يكن ليأخذ مداه لولا صدور التعليمات التنفيذية التي أصدرتها وزارة المالية عبر الهيئة العامة للضرائب. فقد كان القانون الضريبي رقم 113 لسنة 1982 المعدل بمثابة الإطار العام، لكن طبيعة الضريبة، وما تتطلبه من إجراءات محاسبية وفنية معقدة، أوجبت وجود أنظمة وتعليمات تفسر النصوص وتحدد خطوات التنفيذ بدقة. لقد اعتمدت وزارة المالية، استنادا إلى الصلاحيات الممنوحة لها بموجب قانون ضريبة الدخل والدستور، جملة من التعليمات التي تعد مكملة للنصوص التشريعية. ومن أبرز هذه التعليمات تلك المتعلقة بكبار المكلفين، والتي صدرت عام 2014، إذ نصت على إلزام المكلفين بتقديم إقراراتهم الضريبية بشكل دوري على وفق جداول محددة، مع إرفاق البيانات المالية المدققة. كما بينت التعليمات دور الإدارة الضريبية في التدقيق اللاحق لهذه الإقرارات، مما يعكس ثنائية تقوم على ثقة الدولة بالمكلف من جهة، وممارسة الرقابة من جهة أخرى (5).
وتظهر هذه التعليمات أن المشرع العراقي قد تبنى مبدأ المرونة الإدارية، إذ منح وزارة المالية صلاحيات واسعة لإصدار أنظمة وتعليمات ما دامت لا تتعارض مع أحكام الدستور أو القوانين النافذة. فالتقدير الذاتي ليس نظامًا مغلقا، بل هو إطار قابل للتطوير بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة وتطور الأدوات المحاسبية والإلكترونية. وقد جاء هذا الانفتاح استجابة لتوصيات المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي شددت على ضرورة تحديث الإدارة الضريبية لتقليل حالات التهرب وتعزيز الشفافية (6) .
إضافة إلى ذلك، تبرز أهمية التعليمات التنفيذية في أنها وضعت أسا لمواكبة التطور التكنولوجي في الإدارة الضريبية. فمع إدخال النظم الإلكترونية لتقديم الإقرارات، أصبحت عملية التقدير الذاتي أكثر دقة وأسرع في الإنجاز، وهو ما يخفف العبء على الإدارة الضريبية، ويعزز ثقة المكلف في عدالة النظام. كما أن هذه التعليمات أسهمت في توحيد الإجراءات بين مكاتب الهيئة في المحافظات المختلفة، وهو ما كان يمثل تحديا سابقا بسبب غياب آلية موحدة (7).
من ناحية أخرى، فإن الدور المحوري لوزارة المالية لا يقتصر على إصدار التعليمات، بل يمتد إلى متابعة تنفيذها عبر لجان رقابية متخصصة. وقد أظهرت التجربة أن نجاح التقدير الذاتي يتوقف بدرجة كبيرة على كفاءة هذه اللجان، ومدى قدرتها على الموازنة بين تسهيل الإجراءات والرقابة الصارمة على المكلفين. وهذا التوازن ضروري ، لأن الإفراط في التشدد قد يؤدي إلى عزوف المستثمرين والمنتجين، بينما يؤدي التراخي إلى فقدان جزء من الإيرادات العامة للدولة (8).
ويلاحظ أن التعليمات الخاصة بالتقدير الذاتي في العراق لم تقتصر على كبار المكلفين فقط، بل تم التوسع تدريجيًا في اعتمادها لشرائح أوسع، بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة. وهذا التوسع يُعدّ خطوة مهمة في اتجاه تحقيق العدالة الضريبية، إذ يضمن شمول مختلف شرائح المجتمع المختلفة بنظام موحد، ويقلل من التفاوت في المعاملة الضريبية (9).
إن الدراسة الدقيقة لهذه التعليمات تكشف عن دور مزدوج لها فهي من جهة أداة لتفسير النصوص القانونية وتبسيطها، ومن جهة أخرى وسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية للدولة. ولذلك، فإن الأساس القانوني للتقدير الذاتي في العراق لا يمكن فهمه بمعزل عن هذه التعليمات التي تشكل الامتداد العملي للقانون والدستور معاً. وبالرغم من أن التقدير الذاتي يمنح المكلف دوراً رئيسياً في تحديد التزاماته الضريبية، فإن النظام القانوني العراقي يضع ضوابط صارمة لضمان عدم إساءة استخدام هذا النظام. ويأتي دور القضاء هنا بوصفه صمام أمان لحماية حقوق المكلفين وضمان التزام الإدارة الضريبية بالقانون والدستور. فقد نص الدستور العراقي لسنة 2005 في المادة 28 والمادة 19 على أن فرض الضرائب والرسوم أو تعديلها أو إعفائها لا يتم إلا وفق القانون، وهو ما يتيح للمكلف الطعن أمام القضاء في حال شعوره بضرر ناجم عن تطبيق القانون أو التعليمات التنفيذية.
وبالرغم من كل هذه الضوابط القانونية والدستورية، فأن أسلوب التقدير الذاتي قد واجه صعوبات كثيرة منها غموض بعض التعريفات القانونية لمصطلحات الدخل والمكلف وعدم توفر آليات تحقق إلكترونية متقدمة لضمان دقة البيانات المقدمة، بالإضافة إلى تأخر صدور التعليمات التنفيذية المكملة للقانون. كل هذه العوامل قد تؤدي إلى تفاوت في تطبيق النظام بين المكلفين، وهو ما يشكل مخاطرة محتملة على تحقيق العدالة الضريبية (10) ، ولكن مع ذلك، فأن الأنظمة والتعليمات الحديثة، وخاصة تلك الصادرة عام 2014 ، توفر فرصاً لتعزيز فعالية التقدير الذاتي من خلال إدخال النظم الإلكترونية للتقديم والمراجعة، وتوحيد الإجراءات بين مكاتب الهيئة في المحافظات المختلفة. كما أن هذه التطورات تتيح لوزارة المالية الموازنة بين تسهيل الإجراءات على المكلفين والحفاظ على حقوق الدولة في تحصيل الإيرادات، ما يجعل التقدير الذاتي أسلوبا متطور يواكب ويتماشى مع متغيرات الاقتصاد والمجتمع (11). وبرأينا فأن هذه الصعوبات والتحديات القائمة ستدفع السلطات المالية على ضرورة تطوير المزيد من التعليمات التنفيذية والتشريعات المصاحبة التي تحدد معايير الإعفاءات والخصومات وتوضح التعريفات، ما يسهم في الحد من التهرب الضريبي وضمان التوزيع العادل للعبء الضريبي بين شرائح المجتمع المختلفة (12).
___________
1- دستور جمهورية العراق لسنة 2005، المادة 28/ أولا، منشور في الوقائع العراقية، العدد 4012 في 2005/12/28.
2- قانون ضريبة الدخل العراقي رقم 113 لسنة 1982 المعدل، منشور في الوقائع العراقية، العدد 2883 في 1982/12/20
3- وزارة المالية، تعليمات اعتماد أسلوب التقدير الذاتي لكبار المكلفين، بغداد، 2014، ص2.
4- عبد الستار القيسي، القانون المالي والضريبي، مكتبة السنهوري، بغداد، 2016، ص 185.
5- وزارة المالية، التعليمات الخاصة باعتماد أسلوب التقدير الذاتي لكبار المكلفين، بغداد 2014.
6- البنك الدولي، إصلاحات النظام الضريبي في الدول النامية حالة العراق واشنطن، 2015، ص 42.
7- الهيئة العامة للضرائب، التقرير السنوي للإدارة الضريبية، بغداد، 2016، ص 77.
8- د. عبد الكريم خلف النظام المالي في العراق: دراسة تحليلية، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، 2018، ص 201.
9- د. قاسم محمد حسن التقدير الذاتي وأثره على العدالة الضريبية، أطروحة دكتوراه، كلية القانون - جامعة بغداد 2019، ص 134
10- د. محمد حسين علي، النظام الضريبي في العراق - دراسة تحليلية، دار الثقافة عمان 2014، ص 210-212
11 - وزارة المالية، تعليمات اعتماد أسلوب التقدير الذاتي لكبار المكلفين، بغداد، 2014، ص 5-7
12- سیروان عدنان ميرز الزهاوي الرقابة المالية على تنفيذ الموازنة العامة في القانون العراقي رسالة ماجستير، جامعة صلاح الدين، كلية القانون أربيل، 2008 ، ص 35-37
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة