إن الثقة بين الإدارة الضريبية والمكلف حجر الزاوية في أي نظام ضريبي فعال، فهي أساس الامتثال الطوعي الذي يعزز من كفاءة تحصيل الإيرادات ويحد من الحاجة إلى إجراءات رقابية قسرية. في العراق، يمثل انعدام الثقة إحدى الإشكاليات العملية الكبرى التي تواجه الهيئة العامة للضرائب، إذ يؤدي ضعف الشفافية، وممارسات الفساد الإداري، وغموض الإجراءات القانونية، إلى تراجع التزام المكلفين وإحجامهم عن التعاون مع الإدارة الضريبية. إن العلاقة بين المكلف والسلطة المالية لا يمكن أن تقوم على الطاعة المجرّدة، بل يجب أن ترتكز على شعور المكلف بأن حقوقه محفوظة وأن واجباته يتم التعامل معها بإنصاف وعدالة. أن مفهوم "الثقة" في السياق الضريبي يعني أكثر من مجرد توقع نزاهة الإدارة الضريبية؛ فهو يعكس إدراك المكلف لمصداقية الإدارة وعدالتها في تطبيق القوانين، وكفاءتها في استخدام الموارد العامة والشفافية في تعاملاتها.
حين يشعر المكلف بأن القوانين تُطبق بصورة منصفة، وأن خدمات الإدارة الضريبية تقدم بكفاءة واحتراف، ترتفع لديه دافعية الامتثال طوعاً وتسقط لديه دوافع التهرب. وقد أظهرت دراسة تجريبية أن ثقة المكلف في سلطة الضرائب تعد عاملاً جوهرياً في تشكيل سلوك الامتثال الطوعي، خصوصاً لدى من يتميزون بمستوى وعي ضريبي منخفض. بالمقابل حين تفتقر الإدارة إلى العدالة الضريبية ومن الشفافية وعدم المساواة في التعامل، وضمان حقوق المكلفين، ينشأ شعور بالظلم، ما يدفع بعض المكلفين نحو التملص من الواجب الضريبي، أو تقديم بيانات غير دقيقة، أو اللجوء إلى التهرب. وقد أكدت دراسات في إطار الحوكمة الضريبية أن تطبيق مبادئ الشفافية والعدالة يعزز الثقة ويُقلّل من ظاهرة التهرب (1). بناءً على ذلك، لا تُعدّ الثقة مجرد عامل نفسي بل عنصر مؤسسي إذ بغيابها تتفكك علاقة التعاون بين المكلف والإدارة، وتتدهور قيمة الالتزام وتتآكل العدالة الضريبية. ولهذا، فإن تعزيز الشفافية، وضمان الحوكمة وتحسين جودة الخدمات الضريبية، ورفع كفاءة الإدارة، هي أساس لأي مشروع إصلاحي يهدف إلى رفع الامتثال الطوعي وخفض التهرب الضريبي (2).
في العراق يواجه المكلفون صعوبة في التحقق من نزاهة الإجراءات الضريبية، خصوصا فيما يتعلق بالتقديرات مما يخلق فجوة معرفية وسلوكية تزيد من إحجامهم عن الالتزام الطوعي وتيقنهم بان ما يدفعونه سيؤول في جيب الفساد لا للنفع العام وتشير تقارير ديوان الرقابة المالية إلى أن الفساد والبيروقراطية المستفحلة في بعض دوائر الضرائب تؤدي إلى إحباط المكلفين، سواء من الأفراد أو الشركات الكبرى، الذين يجدون أن بعض المسؤولين يستخدمون سلطاتهم لتحقيق مكاسب شخصية(3). هذا الأمر يخلق شعورًا بأن الامتثال الضريبي ليس خيارًا عادلاً، بل وسيلة للوقوع تحت سلطات الإدارة. يعاني النظام الضريبي العراقي من ضعف الشفافية في نشر المعلومات المتعلقة بكيفية استخدام الإيرادات ونتائج الرقابة المالية، ما يؤدي إلى فقدان الثقة بين المكلف والإدارة الضريبية وعليه، يشعر المكلف أن دفع الضريبة قد لا يُترجم إلى خدمات عامة ملموسة (4).
ومن بين المشاكل التي تواجه النظام الضريبي العراقي هو أن بعض القوانين العراقية تشتمل على نصوص غير واضحة أو متضاربة، كما أن الاجتهادات الإدارية غير الموحدة في تفسير القانون تؤدي إلى عدم اليقين لدى المكلفين (5).
هذا الغموض يجعل المكلف يخشى الغرامات أو القرارات العقابية، وبالتالي يلجأ أحيانًا إلى التهرب الجزئي أو الكامل، وأيضا من المشاكل والصعوبات التي يعانيها الجهاز الضريبي هو افتقار بعض دوائر الضرائب إلى الموظفين المؤهلين بشكل كامل، وإلى التدريب الكافي على التعامل مع المكلفين وشرح حقوقهم وواجباتهم، مما يضخم شعور انعدام العدالة (6).
ومن نتائج ضعف الثقة سيأخذ التهرب الضريبي الدور البارز في الحياة الضريبية، خصوصا بين كبار المكلفين من شركات النفط الاتصالات والمصارف، حيث يستخدمون ثغرات قانونية وإدارية لتقليل الالتزامات الضريبية(7). وأيضا نتيجة لانعدام الثقة، يلجأ المكلفون إلى الطعن في القرارات الضريبية أمام المحاكم الإدارية، مما يضاعف الضغط على النظام ويزيد من التكاليف الإدارية وانخفاض الامتثال الطوعي الذي يؤدي مباشرة إلى تقلص الحصيلة الضريبية، مما يضاعف ويقلص من قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والمشاريع التنموية (8) . وهناك من التطبيقات والامثلة العملية الواقعية من كبار المكلفين مثل قطاع النفط وهي شركات نفطية كبيرة تعاني أحيانًا من إجراءات تقدير ضريبي غير واضحة، ما يؤدي إلى نزاعات مستمرة مع الهيئة العامة للضرائب، ويعكس ضعف الثقة في العدالة الإدارية (9).
وكذلك نجد ان شركات الاتصالات العراقية ايضا تواجه تحديات في فهم التزاماتها الضريبية بسبب تعدد الرسوم والضرائب المحلية، مما يولد إحباطا ومخاطر تهرب جزئية (10) بالنسبة للقطاع المصرفي فان بعض البنوك الخاصة تتخذ موقفا تحفظيًا تجاه دفع الضرائب نتيجة الخوف من اجتهادات غير موحدة في تفسير القوانين هذه الاجتهادات قد تؤدي لخسائر وكوارث مالية لا يحمد عقباها والسبب في ذلك هو انعدام الثقة بالإدارة الضريبية.
ونرى فيما نراه أن انعدام الثقة بين الإدارة الضريبية والمكلف يُعد من أهم الإشكاليات العملية التي تعوق تطوير النظام الضريبي العراقي. فالمشكلة ليست قانونية فحسب، بل هي ثقافية وسلوكية وإدارية. ومن دون إصلاح متكامل يشمل الشفافية العدالة التدريب المستمر، والتواصل الفعال مع المكلفين سيظل الامتثال الطوعي محدودًا، وستبقى آثار التهرب الضريبي مرتفعة، مع استمرار النزاعات الإدارية والقضائية بناء ثقافة الثقة يحتاج إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تضع حقوق المكلفين ومصالح الدولة في قلب العملية الضريبية.
__________
1- فیلد، لارس، وفري، برونو الثقة تولد الثقة: كيف يتم التعامل مع المكلفين بالضرائب، مجلة اقتصاد الحوكمة، المجلد 3، العدد 2 2002، 87-99
2- مازن الحسني، سلوك المكلف الضريبي في الاقتصاد الريعي مجلة البحوث الاقتصادية، جامعة الموصل، العدد 22، لسنة 2021 ، ص 22
3- ديوان الرقابة المالية الاتحادي، تقرير النزاهة المالية للقطاع العام، بغداد، 2021، ص 12.
4- د. محمد الكبيسي، الإدارة الضريبية في العراق: دراسة تحليلية، دار العلوم للطباعة، بغداد، 2022، ص 80.
5- د. محمد عبد الكريم حسين، التقدير الذاتي للضريبة بين النظرية والتطبيق، مجلة العلوم القانونية، جامعة بغداد، المجلد 45، العدد 2 ، 2022، ص 53.
6- زينب علي عبدي، وأحمد سليمان الصفار، المشكلات الإدارية والقانونية والمالية في النظام الضريبي العراقي، مجلة العلوم الإنسانية - جامعة زاخو، المجلد 11، العدد 2 يونيو 2023، ص 293.
7- نوال العزاوي، التهرب الضريبي لدى كبار المكلفين رسالة ماجستير، جامعة النهرين، 2022، ص88
8- Hussein, Ghassan. (2021). Taxpayer Disputes and Administrative Courts in Iraq. Baghdad University Press, p. 42.
9- وزارة النفط تقرير شركات النفط الكبرى لعام 2022، بغداد، ص 15
10- هيئة الاتصالات العراقية، التقارير السنوية لشركات الاتصالات الخاصة بغداد، 2023، ص 22