سجل تشين الأول (لمَّا ذهب «شانغي» لمناظرة ملك تشين)
المؤلف:
ليو شيانغ
المصدر:
سياسات الدول المتحاربة
الجزء والصفحة:
ص 70 ــ 76
2026-05-31
34
أقدم شانغي على الملك «هوي» حاكم تشين، وقال له: «كنت قد سمعت أحدهم يقول يا مولاي إنه ليس من الفطنة أن يتكلَّم المرء بما لا يفهم، كما إنه ليس من الوفاء والإخلاص أن يدع المرء التكلُّم بما يفقَه من الأمور، أما إنه لا خير في وزيرٍ خائن لسيده ملك الملوك، ولا حياة لمن كتم عن مليكه خبايا الحقائق، وعلى هذا الأساس، فسوف أُفضي لجلالتك بكلِّ ما وعَيت. قد بلغني يا مولاي أن كل ما يقع بين البحور الأربعة سواء من الشمال أو من الجنوب، أي من دولة «يان» إلى دولة «وي» بما في ذلك دولتي «تشو» و«تشي» يقومون بتكتيل عناصر من قوى مُتفرقة في دولة «هانكو» لتوليف حشدٍ يتحرك إلى الغرب لتهديد تشين.
والحق يا مولاي أني عندما علمت بهذه الأنباء ضحكت في نفسي من غفلة أولئك الحمقى الذين لا يُقدِّرون حقائق قوتهم على نحو صحيح.
ومن المقرر أنه لا مفر لأية دولة في العالم كله من التفكك والانهيار في ثلاثة أحوال معلومة بدقَّة، والمؤسف أن الدول والممالك التي ترتِّب للهجوم على تشين، قد وقعت جميعها في تلك الأخطاء الثلاثة القاتلة، ولعلِّي لا أُبالِغ إذا قلت إن تلك قد صارت طبيعة قرارات الدول في زماننا. وقد بلغني يا مولاي أنه إذا هاجمت قوات غير منظمة تنظيمًا عاليًا قوات دولة أخرى شديدة الانضباط، حسنة القيادة، فإنها تُخاطر مخاطرة جسيمة، وإذا أقدمت قوات ذات نوايا عدوانية على الاشتباك بقواتٍ تتحلَّى بأهدافٍ خلقية وصادقة ومشروعة، فهي تعرض نفسها للفناء، وحين لا يكون في عتاد القوات المهاجمة سوى الظلم والبطش والعدوان بمواجهة جيش سلاحه الإيمان بقضية وطنه، فالمُعتدي عندئذٍ هالك لا محالة. والآن، فإني أنظر إلى الإمارات والدول التي تتحداكم بالقتال، فأجد أنها تعاني نقصًا في الادخارات المالية واختلالًا رهيبًا في مخزونها من الحبوب والغلال، وهكذا فإن أي محاولة سواء كانت لإعداد قوات هجومية وفيرة العدد، أو لتعبئة الجماهير، ستجد أمامها عددًا قد انتضى رماحَه، ثم إذا بها لا تملك في أيديها إلا الفئوس والمعاول، وهو ما يعني أنها على موعدٍ مع الفرار والتشتُّت عند أول شرارة للحرب، وساعتئذٍ، لن يملك أحد أن يلوم الشعب على التقاعس عن القتال، ما دام القادة أنفسهم قد عجزوا عن المبادأة الناجحة للقتال. إن أحدًا من الناس لن يرضى بأن تُزهَق روحه عبثًا وهو يرى بعينَيه عجز القيادات عن الاحتفاظ حتى بسلطة الثواب والعقاب، فلا هي كافأت المجتهد ولا عاقبت المقصِّر، وعندما تصدر دولة تشين إعلانًا عن رصد مكافآت سخية للمتطوعِين فيجب أن تراجع جدارة الاستحقاق بدقة، ويمكن القول — بعامة — إن الإنسان العادي الذي لم يشارك في أي قتالٍ منذ نعومة أظفاره لن يتردَّد أمام نداءٍ يطلب منه الدفاع عن أهله وقتال أعدائه إلا أن يُلبي نداء الزحف بغير تردُّد، وقد تبلغ به الجرأة حدَّ الاستهانة برماح العدو المشرعة فيقتحمها بكفَّين مجردتَين، أو يقفز فوق براكين اللهب بقدمَين عاريتَين. والنماذج التي تثبت قولي أكثر من أن تُحصى، أما مدى إصرار المُقاتل على الموت أو على الحياة، فتلك مسألة تتبايَن من فردٍ لآخر، وإن كنت أعرف أن أهل تشين مجبولون على الجرأة أمام المخاطر، وهذا واحد من الأسباب التي تدعو الناس ههنا على الاعتداد بالاندفاع الجريء واعتباره من الخصال النبيلة، وهكذا فإن جنديًّا واحدًا يستطيع أن يهزم عشرة جنود من أعدائه، وعشرة مقاتلين يقدرون على أن يهزموا مائة، ومائة يدحرون ألفًا، وألف يقدرون على عشرة آلاف، وعشرة آلاف يملكون المقدرة على إنزال الهزيمة بعدة جيوش مجتمعة. والآن، إذا نظرنا إلى الظروف الطبيعية لدولة تشين نجد أن أرضها تتميز بالتوازُن بين المرتفعات والمنخفضات، وأن مساحتها كبيرة لا بأس بها، وجيشها من أفضل الجيوش عدة وعتادًا، وأضف إلى كل ذلك ما أصدرته الدولة من إعلان عن المكافآت الكريمة لمن أحسن البلاء في القتال. والخاصية المنيعة لجغرافيتها، فإن كل ذلك يرد العدو عن التفكير في الهجوم، فإذا وضعنا تلك النتيجة بالموازنة مع تطلعات باقي الدول للهيمنة، نجد أن مقدرة تشين على ضمِّ وابتلاع أراضٍ كثيرة للغير، هي التي تمنح فرصًا هائلة لجيش تشين بالهجوم وإنزال الهزيمة الفادحة بالآخرين، وهو ما يعني في وجهة نظرٍ ما، إمكانية السيطرة على مساحاتٍ هائلة من الأراضي واستصلاحها بما يُحقق فوائد جمة، ويدخل ضمن دائرة الإنجازات التاريخية في سجل دولة تشين. أما إذا أُصيبت القوات بالإعياء والتفكُّك وعسرت أمور الحياة على الشعب، ونضب الادخار، وتصحَّرت الأراضي، وأوشك مخزون الغلال على النفاد، وتعنَّتت الدول المجاورة من الجهات الأربع، وذبُلت أصداء المهابة والجاه، فلن يكون هناك سوى سببٍ واحد وراء كل ذلك، ألا وهو تقاعُس المُخطط السياسي عن الوفاء التام لقضية بلاده.»
الجزء الثاني من الفصل نفسه
وواصل «شانغي» كلامه قائلًا: «دعني أقص عليك يا مولاي شيئًا من الحوادث الغابرة، ذلك أن التاريخ يُحدثنا عما أحدثته دولة تشي من تخريبٍ هائل للدول الواقعة على حدودها الجنوبية والشرقية والغربية والشمالية، وهي على التوالي: تشو، وسونغ، وتشين، ويان، وبينما كانت تقوم بشن الغارات على هذه الدول، فقد كانت من جانبٍ آخر تقوم بتحريض حُكام كلٍّ من وي وهان بإرسال حملات تأديبية إلى تشو وتشين، فلمَّا اتسعت مساحتها وزادت قوتها العسكرية، استطاعت أن تُحرز سلسلة من الانتصارات والغزوات الناجحة، وذلك بما أصدرَتْه من أوامر قيادية عُليا تُطالب الدويلات التابعة لها بالاشتراك في المجهود القتالي. وكان ذلك ضروريًّا لتجاوز عقباتٍ جغرافية وعوائق طبيعية كان يُمكن لها أن تقف في طريق الزحف العسكري لو أنها كانت تُحارب بمفردها. وهكذا دخلت دولة تشي خمس معارك كبرى وانتصرت فيها جميعًا. وفي الحق، فقد كان ذلك هو السبب في احتفاظها بهيبتها ونفوذها بين الدول، لأنه كان يَكفيها أن تُصاب بالهزيمة مرةً واحدة فقط حتى تتفكك وتنهار، فمِن ثم، أرى يا مولاي أن الحرب تتصل اتصالًا وثيقًا ببقاء ووجود بلدٍ كبير وقوي مثل بلدكم، ثم إني قد سمعتُ أيضًا قولًا أعجبني مفادُه أن من أراد أن يجتنب الكوارث العاتية، فينبغي عليه اجتثاث المصائب من مَنبتِ جذورها، وقد سجل لنا التاريخ ما قامت به دولة تشين من غزوٍ لدولة تشو في سالف الزمن، وبلغ من بأس قوات تشين أنها تقدَّمت حتى استولت على «إينغ دو» عاصمة تشو، ثم احتلَّت مناطق ذات أهمية سياسية أخرى حتى أرغمت حاكم البلاد على الفرار ناحية الحدود الشرقية والاختفاء في مجاهل مدينة «تشندي»، وكانت الظروف القائمة في ذلك الوقت تُشير إلى أن استمرار توغل القوات في أراضي تشو كان يعني سقوط الدولة بالكامل تحت سيطرة قوات الاحتلال، باكتمال السيطرة على أرضها يتوفر مورِد مُهم من موارد الدولة لتلبية حاجات الناس، وبذلك فإن مجموع المحاصيل الزراعية التي تُنتجها يمكن أن يكفي أكثر المطالب الشعبية إلحاحًا، هذا بالإضافة، طبعًا، إلى أن تشين في ظلِّ هذا الوضع كانت تستطيع أن تعمل على استنزاف طاقة دولتي «تشي» و«يان» إضافة إلى إضعاف النفوذ الأدبي للدول الثلاث: هان، جاو، وي، فإذا ما تمَّت هذه الخطوة، تحقَّقت لدولة تشين الزعامة فوق الممالك، واتجهت إليها الوفود الرسمية لجاراتها من الجهات الأربع، تحمل صكوك الولاء والطاعة، إلا أن شيوخ السياسة والتخطيط عندنا لا يضعون هذه التصوُّرات في حساباتهم، وبالتالي لا يتصرَّفون على النحو الذي ذكرتُه لجلالتكم، بل على العكس تمامًا، يُخططون لسحب القوات وعقد تسوياتٍ سِلمية مع «تشو» وهو ما يعطي الفرصة لهذه الأخيرة، كي تلتقِط أنفاسها، وتُعيد ترتيب أوضاعها الداخلية التي أشرفت على الانهيار، فتستعيد إليها الشاردين والهاربين وراء الحدود، وتستعين بالجميع في تشييد مؤسسات الوطن (الدولة) والسماء (المعابد)، ومن ثم تقوم — من جديد — بإخضاع الممالك المجاورة تحت نفوذها، وهو ما يُعطيها فرصة ذهبية تتمكَّن بها من تهديد تشين التي ستجد نفسها قد صحَتْ فجأة من نومٍ عميق، وقد ضاعت منها مقاليد الزعامة.
ولا بد من الإشارة إلى الميول الواضحة التي تبديها الممالك المختلفة للتحالُف فيما بينها والتي تمخَّضت عن توطين جيشٍ مشترك في منطقة «هوايانغ»، ومع ذلك فإن جلالتكم تستطيع أن تقوم بالقضاء على هذا الجيش المُتمركز هناك باستخدام الحيلة والدهاء، وهو ما يتطلَّب منكم دفع قوات باتجاه مدينة «واليان» لمُحاصرتها عدة أيام، وبعدَها تسقط في أيديكم ثمرةً يانعة، فإذا حدث ذلك، لا بد أن تسقط دولتا وي وجاو، بما يترتَّب على ذلك من آثارٍ وخيمة، أهمُّها وأبرزها وقوع دولة جاو تحت مخاطر هائلة تتهدَّدُها، وعندما يتسلَّط الخطر على عنق جاو تتوارى دولة تشين وراء حِجابٍ من عزلة، وتفقد كلَّ سند، والنتيجة الحتمية لذلك هي إمكانية الوثوب على الجبهة الشمالية والاستيلاء على الدويلتَين «تشي» و«يان»، ثم التحرُّك بعد ذلك إلى المنطقة الوسطى لإعاقة فرَص تطوُّر وازدهار الدول الثلاث: (هان، جاو، وي)، وتلك هي الخطوة التي لو تحقَّقت، لأصبح في يدِكم النفوذ والسلطان والقوة فوق الممالك جميعًا، ومن ثم تأتيكم الوفود من كلِّ صوبٍ لتقديم أسمى آيات الولاء والتبجيل، لكن المُشكلة تكمُن في أن رجال التخطيط لم يأخذوا بهذه الاعتبارات، بل قاموا بسحب القوات وعقدوا الصُّلح مع دولة وي التي استطاعت أن تستغلَّ الفرصة لتنهض ثانيةً من كبوتها فتُشيد معابدها ومؤسساتها بعد أن كانت على وشك الانهيار التام، وهكذا ضاعت — للمرة الثانية — فرصة الترقِّي إلى ذُرا المجد والوثوب إلى مكانة الدولة العظمى، وحتى عندما تولَّى «رانغ هو» رئاسة الوزراء منذ وقت غير بعيد، وأراد القيام بإصلاحات شاملة، فقد نجم عن ذلك أنه تورط في خطأ بالغ الخطورة وهو أنه استخدم قوات جيش واحد لخدمة أغراض بلدين مختلفين (دولة تشين، ودويلة تابعة)، فكانت النتيجة إنهاك القوات تحت ظروف مناخية بالغة الصعوبة خارج الحدود واستهلاك طاقة الجماهير في الداخل بغير جدوى، وهكذا أيضًا ضاعت — للمرة الثالثة — الفرصة في تحقيق مكانة سيادية متميزة لدولة تشين.
الجزء الثالث من الفصل نفسه
لمَّا كانت دولة جاو تقع وسط دولٍ ثلاثٍ هي: تشي، هان، وي، على مساحةٍ من الأرض يشغلها عدد وافر من السكان غير المتجانسين، إذ إنهم أخلاط من شعوب وقبائل شتى، فقد تميزت الحياة الاجتماعية للأهالي هناك بنوع من البساطة والتلقائية وشيء من نزق الطباع الذي يستعصي على الانقياد لسُلطة حاكمة، هذا بالإضافة إلى كثرة تبديل وتغيير اللوائح القانونية، وفقدان الثقة والمصداقية في عدالة الثواب والعقاب. ومن ناحية أخرى، فقد كانت الظروف الجغرافية تحُول دون قيام نظامٍ دفاعي قوي. أما الطبقة الحاكمة فقد عجزت عن أن تُعبئ طاقات الشعب بكاملِه، فلا هي استطاعت أن تُجنِّب البلاد ويلات الانهيار، ولا هي حثَّتِ الناس على توقِّي الخطر، بل قامت باستدعاء أعداد هائلة من الجنود وحشدتهم في مدينة «تشانغ بين»، وذلك تمهيدًا للاستيلاء على قطاع «شانغ وان» — التابع لدولة هان — وهنا يستطيع جلالة الملك أن يستعمل الحيلة والدهاء في تدمير هذا القطاع وإزالته من الوجود تمامًا، بحيث يتمكن من الوثوب إلى مدينة «ووآن» والاستيلاء عليها. وعندئذٍ، يتبدل ما كان بين حاكم جاو ورجاله من وئام، ويدب النزاع بين الأهالي والجنود والإدارة الحكومية. وهو ما سيجعل أهم مدينة عندهم (هان وان) في مهب الريح، دون دفاع متماسك، فإذا ما اقتحمتها جيوش تشين، وقامت بعد ذلك بإعادة تجميع وتعبئة قواتها ثم واصلت الزحف إلى الغرب مُتجاوزة بذلك الحصون المنيعة في «يانغ شانغ»، فسيُمكنها أن تُخضع مقاطعتي «داي» و«شانغ داي» وتتكون داي من ستة وثلاثين إقليمًا، أما شانغ داي فيتبعها سبعة عشر إقليمًا، وهو ما يعني أن تشين ستحصل على غنيمة ثمينة دون أن يرفع جندي سلاحه أو أن يُشمِّر مدني عن ساعده. وهكذا تسقط كلتا المقاطعتين في يد تشين بغير قتال، وتقع كل من مقاطعتي «دونيانغ» — من أرض جاو — و«خوي» في حوزة دولة تشي، وكذلك تئول المناطق الواقعة شمال بحيرة «شونهو» لملكية دولة «يان». وحسبما هو حاصل فإنه إذا تم الهجوم على جاو، فسوف تتعرَّض دولة هان للمخاطر، ونتيجة لذلك تُصبح كلٌّ من وي وتشو في وضع يُعرِّض استقلالهما للمخاطر، وهكذا فإن خطوةً واحدة يقوم بها الملك ستؤدي إلى القضاء على هان، وإيذاء وي، وإخضاع وإضعاف هيبة ونفوذ تشو، وشي، ويان، فإذا أمكن تدمير خزان «بايما» فإن فيضانًا هائلًا سينطلق من عقاله ويُغرق دولة وي عن أسرها، بل يمكن لمِثل تلك الخطة أن تسحق الممالك الثلاث وتحالف قوى الدول الست، وليس على مولاي بعد ذلك سوى أن يجني قطوف المجد، فيعظُم سلطانه فوق الممالك، لكن العقبة تكمُن في عجز خبراء التخطيط عن تصور تلك الترتيبات، بل كما أشرت آنفًا، سارعوا إلى سحب القوات وعقد الصلح مع دولة جاو، مما ضيَّع على الجميع فرصة تحقيق المجد والمكانة العظمى لدولة تشين وملِكِها بين الدول، حتى اهتزَّت صورة بلادكم في عين الجميع وصارت دولةٌ على وشك التفكك والانهيار مثل دولةِ جاو تُوقِع بكم في أحابيلها ودهاليز مكرِها وخداعها، فما كان ممكنًا لكل ذلك أن يتم لولا غفلة المُخطِّطين وجهلهم، هذا من جهة، أما من جهةٍ أخرى، فقد تجلَّت الآن حقيقة على مرأى من الجميع ألا وهي أن دولة جاو التي كان ينبغي لها أن تسقط وتندحِر، قُدِّر لها أن تبقى وتنهض من كبوَتِها، ودولة تشين التي كان من المأمول لها أن تعتلي ذُرا المجد والسطوة، تراجعت وتقهقرت كثيرًا عما كان ينبغي لها أن تبلُغه، فالحاصل أن الجميع أصبح يُدرك مستوى التخطيط المُتدنِّي في تشين. هذه واحدة، ثم إنه لمَّا حدث استنفار للحشود العسكرية للهجوم على مدينة «هان وان»، اتضح عجز القوات عن تحقيق هذا الهدف، ففشل الهجوم، ودبَّت الفوضى وسط الجنود، حتى إن بعضهم نزع دروعه وألقى سلاحه وفرَّ هاربًا من الميدان تحت سمع وبصر الجميع، مما أعطى انطباعًا سيئًا عن مدى الإعداد القتالي لقوات تشين. تلك هي المسألة الثانية، أما المسألة الثالثة فتتمثَّل في أنه بعد أن تقرَّر أن تتمركز القوات المنسحِبة بالقرب من مدينة «لي تشنغ» أصدر جلالة الملك أمره بحشد القوات ثانيةً للقتال وهو ما لم يكن مُمكنًا معه تحقيق أية مكاسب أو انتصارات على أي نحوٍ من الأنحاء، ولمَّا كان الجيشان المُتعاركان قد بلغ بهما الإنهاك مداه، فقد آثر كلاهما الانسحاب. وهكذا برزت أمام الجميع حقائق موقف تعكس الحالة المُزرية التي بلغتها قوة دولة في حجم تشين. إذن ففي الداخل، أدرك الناس جهل الخبراء السياسيين، مِثلما لمسوا في الخارج ضعف المستوى القتالي للجيش؛ فمن ثم أرى أنه ليس بالإمكان مواجهة قوات مُتحالفة تضم عددًا كبيرًا من الممالك، وذلك طبعًا يرجع إلى ما أصاب القوات من ضعفٍ وإنهاك بالإضافة إلى شظَف العيش الذي يُحيط بالأهالي من كل صوب، ونُدرة الادخار، وجفاف الحقول، ونضوب المحاصيل الغذائية. أمَّا على المستوى الخارجي، فقد بلغت عزيمة قوات التحالف حدًّا لا مثيل له من الثبات والصلابة، وهو الأمر الذي يتطلب من جلالة الحاكم إدامة النظر وإمعان الفكر والروية، ثم إني قد سمعتُ يا مولاي بأن توخِّي الحذر مَدعاة لحُسن التصرف، فإذا قرنت الحذر والانضباط دانت لك الممالك، وخضعت تحت سلطانك، ولئن كنتَ في شكٍّ مما أقول فإني أسوق لك شيئًا من وقائع التاريخ القديم؛ ذلك أنه لمَّا كان الملك «دوجوانغ» (حاكم دولة شانغ) وكان طاغية مُستبدًّا، ما زال بعدُ أميرًا حدثًا في السن، لم تعركه الحوادث، فقد خرج قائدًا لجيشٍ جرَّار قوامه ألف ألف مقاتل، وحدث أنَّ قوات المَيسرة ذهبت لتسقي الجياد عند وادي تشي، أمَّا قوات الميمنة فقد قصدت صوب هوان لتروي ظمأها بعد أن أجهدها المَسير، إلا أن المؤسف في ذلك كله أن بئر الوادي قد جفَّت وانقطع مجرى النهر، فلمَّا أقبلت ساعة القتال والتحم الجيشان: جيش الأمير، وقوات الملك «أوو» التي لم يتجاوز عددها الثلاثة آلاف مقاتل يرتدون حللًا عسكرية بيضاء حدادًا على وفاة أحد رجال الدولة، ثم إن القوات صمدت في المعركة التي دامت يومًا واحدًا فقط، واستطاعت أن تقهر جيش الأمير «جوانغ»، بل دخلت أرضه واحتلَّت عاصمة البلاد وألقت القبض عليه شخصيًّا بعد أن احتلَّت بلدَه واستعبدت شعبه، فكانت حالة مُثيرة للرثاء والشفقة بحق، وحدث أيضًا أن «جيبو» (أحد كبار قادة دولة جين) قاد جيوش ثلاث دويلات مُجتمعة ذاهبًا لقتال «جاو شيانزي» (أحد القادة الهاربين من دولة جين)، وقام جيبو بهدم جزءٍ من جدار سدِّ النهر، يريد إغراق طريده، فلمَّا انقضت ثلاث سنوات كاملة، وأصبحت المدينة على وشك السقوط تحت ضربات الهجوم العنيف، وذهب «جاو شيانزي» إلى العرَّافين والكهَّان وكان له اعتقاد شديد بحسابات الحظ ومعادلات الأبراج الفلكية، ثم إذا به يتخيَّر أكثر الأيام والساعات حظًّا في اتخاذ قراراته، وأوفد مُستشاره الشخصي في مهمة سرية خارج أسوار المدينة، فقام هذا الأخير بمهمته على خير وجه، إذ تسلل خفيةً دون أن يشعر به أحد، ولجأ إلى أسلوب الخداع الشهير ﺑ «فانجيان» أي زرع الأوهام والشكوك في قلوب الأعداء، وذلك لتخريب الاتحاد القائم بين هان ووي من ناحية، و«جيبو» من ناحية أخرى واستمال إلى صفِّه أهالي تلك الدولتَين، ليستخدمهم في صد قوات جيبو، بل القبض على جيبو شخصيًّا واعتقاله، مُظهرًا بذلك أعظم آيات الولاء والعرفان ﻟ «جاو شيانزي». وإذا تأمَّلنا حال تشين اليوم، ألفَينا التوازن الرائع في توزيع مساحتها، هذا مع الاتساع الهائل الضارب في آفاق الأرض ووفرة الجنود والمُقاتلين، ومزايا موقعها الجغرافي التي تتمتع بها دون سواها من الممالك والدول، بالإضافة إلى سيادة القانون وعدالة الأحكام والشرائع، فإذا قام التنافُس بين تشين وغيرها من الدول سعيًا للمكانة العُظمى والهيبة والهيمنة، صارت اليد العليا ﻟ «تشين»، ومدَّت سلطانها فوق باقي الدول والأقاليم والممالك. أما وإني قد غامرتُ بحياتي ووضعت رقبتي تحت حد السيف لا لشيء إلَّا رغبةً في لقاء وجهك يا مولاي كي أعرض عليك كيفية نص التحالُف القائم بين الممالك، وضرب دولة جاو، وتدمير هان، وحث كلٍّ من وي وتشو على التسليم والاعتراف بمكانتكم، وأخيرًا، كي أعمل على التقريب بين «تشي» و«يان» لإتمام آخر بندٍ في مشروع إقامة مملكة تشين الكبرى، التي يخضع لنفوذها كل جيرانها من الدول والممالك، وإني لأرجو أن يتفضل مولاي بأن يتَّخذ مما قلتُه آنفًا منهاجًا وخطةً للعمل، وإني على استعداد، إذا ما فشلت هذه الخطة في أن تؤتي ثمارها على النحو الذي أوضحته، بأن يُقطَع رأسي عقابًا رادعًا لجهلي وقلة فطنتي، وما قد أجلُبه من متاعب لجلالتكم بسبب الرعونة والطيش وسوء التدبير.»
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريح الحضارة الصينية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة