قال ابن بسطام " كان جعفر بن محمّد يطعم حتى لا يبقى لعياله شيء "[1].
" وقد كان إذا صلى العشاء وذهب من الليل شطره أخذ جراباً فيه خبز ولحم ودراهم فحمله على عنقه ، ثم ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسمه فيهم ولا يعرفونه فلما مات وفقدوا ذلك عرفوه "[2].
قال معلّى بن خنيس " خرج أبو عبد الله عليه السّلام في ليلة قد رشت السماء وهو يريد ظلة بني ساعدة فاتبعته فإذا هو قد سقط منه شيء فقال : بسم الله اللهم ردّه علينا ، قال : فأتيته فسلمت عليه فقال : أنت معلّى ؟ قلت : نعم جعلت فداك ، فقال لي : التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه إلي قال : فإذا أنا بخبز منتثر ، فجعلت أدفع اليه ما وجدت ، فإذا أنا بجراب من خبز فقلت : جعلت فداك أحمله عنك ؟ فقال : لا ، أنا أولى به منك ولكن امض معي ، قال : فأتينا ظلة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام فجعل يدسّ الرغيف والرغيفين تحت ثوب كل واحد منهم حتى أتى على آخرهم ثم انصرفنا فقلت : جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق ؟ فقال لو عرفوا لواسيناهم بالدقّة - والدقّة هي الملح - إن الله لم يخلق شيئاً إلاّ وله خازن يخزنه إلاّ الصدقة فان الرب تبارك وتعالى يليها بنفسه ، وكان أبي إذا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ثم أرتدّه منه فقبله وشمه ثم رده في يد السائل ، وذلك أنها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل ، فأحببت أن أناول ما وليها الله تعالى ، إنّ صدقة الليل تطفئ غضب الرب وتمحو الذنب العظيم وتهون الحساب ، وصدقة النهار تثمر المال ، وتزيد في العمر ، إن عيسى بن مريم عليه السّلام لما أن مر على شاطئ البحر ألقى بقرص من قوته في الماء ، فقال له بعض الحواريين : يا روح الله وكلمته لم فعلت هذا ؟ فإنما هو من قوتك ، قال : فعلت هذا لتأكله دابة من دواب الماء وثوابه عند الله عزّوجل لعظيم "[3].
قال هشام بن سالم : " كان أبو عبد الله عليه السّلام إذا اعتم وذهب من الليل شطره ، أخذ جراباً فيه خبز ولحم ودراهم فحمله على عنقه ثم ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسمه فيهم ولا يعرفونه ، فلما مضى أبو عبد الله عليه السّلام فقدوا ذلك فعلموا أنه كان أبا عبد الله "[4].
قال مفضل بن قيس بن رمّانة : " دخلت على أبي عبد الله عليه السّلام فشكوت اليه بعض حالي وسألته الدعاء ، فقال : يا جارية ، هاتي الكيس الذي وصلنا به ، أبو جعفر فجاء بكيس ، فقال : هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به ، قال : قلت : لا والله جعلت فداك ما أردت هذا ولكن أردت الدعاء لي ، فقال لي : ولا ادع الدعاء ولكن لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم "[5].
قال محمّد بن زيد الشحام : " رآني أبو عبد الله عليه السّلام وأنا أصلي فأرسل إلي ودعاني فقال لي : من أين أنت ؟ قلت : من مواليك ، قال : فأي موالي ؟
قلت : من الكوفة ، فقال : من تعرف من الكوفة ؟ قلت : بشير النبال وشجرة ، قال : وكيف صنيعتهما إليك ؟ فقلت : ما أحسن صنيعتهما إلي ، قال : خير المسلمين من وصل وأعان ونفع ، ما بتّ ليلة قط ولله في مالي حق يسألنيه ، ثم قال : أيّ شيء معكم من النفقة ؟ قلت : عندي مائتا درهم ، قال : أرنيها ! فأتيته بها فزادني فيها ثلاثين درهماً ودينارين ، ثم قال : تعشّ عندي ! فجئت فتعشيت عنده ، قال : فلما كان من القابلة لم أذهب اليه ، فأرسل إليّ فدعاني من غده فقال : مالك لم تأتني البارحة قد شفقت عليّ ؟ فقلت : لم يجئني رسولك ، قال : فأنا رسول نفسي إليك ما دمت مقيماً في هذه البلدة ، أي شيء تشتهي من الطعام ؟ قلت : اللبن ، قال : فاشترى من أجلي شاة لبونا ، قال : فقلت له علمني دعاءً ! ! قال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، يا من أرجوه لكل خير وآمن سخطه عند كلّ عثرة ، يا من يعطي الكثير بالقليل ، ويا من أعطى من سأله تحنناً منه ورحمة ، يا من أعطى من لم يسأله ولم يعرفه ، صل على محمّد وأهل بيته ، وأعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة ، فإنّه غير منقوص ما أعطيت وزدني من سعة فضلك يا كريم ، ثم رفع يديه ، فقال يا ذا المنّ والطول يا ذا الجلال والاكرام يا ذا النعماء والجود حرّم شيبتي على النار ، ثم وضع يده على لحيته ولم يرفعها إلاّ وقد امتلأ ظهر كفه دموعاً "[6].
قال أبو عبد الله عليه السّلام لمحمّد ابنه : " يا بني كم فضل معك من تلك النفقة ؟ قال : أربعون ديناراً ، قال : أخرج فتصدق بها ، قال : انه لم يبق معي غيرها ، قال : تصدق بها فان الله عزّوجل يخلفها ، أما علمت أن لكل شيء مفتاحاً ومفتاح الرزق الصدقة ، فتصدق بها ، ففعل ، فما لبث أبو عبد الله عليه السّلام عشرة أيام
حتى جاءه من موضع أربعة آلاف دينار فقال : يا بني أعطينا لله أربعين ديناراً فأعطانا الله أربعة آلاف دينار "[7].
روى يونس عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السّلام " أنه كان يتصدق بالسكر ، فقيل له : أتتصدق بالسكر ؟ فقال : نعم ، انه ليس شيء أحب إلي منه ، فأنا أحب أن أتصدّق بأحب الأشياء إليّ "[8].
قال الفضل بن أبي قرّة : " كان أبو عبد الله عليه السّلام يبسط رداءه وفيه صرر الدنانير فيقول للرسول : اذهب بها إلى فلان وفلان ، من أهل بيته ، وقل لهم : هذه بعث بها إليكم من العراق . قال : فيذهب بها الرسول إليهم فيقول ما قال فيقولون أما أنت فجزاك الله خيراً بصلتك قرابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأما جعفر فحكم الله بيننا وبينه ، قال : فخر أبو عبد الله عليه السّلام ساجداً ويقول : اللهم أذلّ رقبتي لولد أبي "[9].
" وإن فقيراً سأله فقال لعبده : ما عندك ؟ قال : أربعمائة درهم ، فقال : أعطه إياها فأعطاه ، فأخذها وولى شاكراً ، فقال لعبده : أرجعه ، فقال يا سيّدي سئلت فأعطيت فماذا بعد العطاء ؟ فقال له : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : خير الصدقة ما أبقت غنىً وإنا لم نغنك ، فخذ هذا الخاتم فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم فإذا احتجت فبعه بهذه القيمة "[10].
قال إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب : " كنت عند أبي عبد الله عليه السّلام وعنده المعلّى بن خنيس إذ دخل عليه رجل من أهل خراسان ، فقال : يا ابن رسول الله أنا من مواليكم أهل البيت ، وبيني وبينكم شقّة بعيدة وقد قل ذات يدي ، ولا أقدر أن أتوجه إلى أهلي إلاّ أن تعينني قال : فنظر أبو عبد الله عليه السّلام يمينا وشمالا ، وقال : ألا تسمعون ما يقول أخوكم ؟ انما المعروف ابتداء ، فأما ما أعطيت بعد ما سأل فإنما هو مكافأة لما بذل لك من ماء وجهه ، ثم قال : فيبيت ليلته متأرّقاً متململا بين اليأس والرجاء لا يدري أين يتوجه بحاجته ، فيعزم على القصد إليك ، فأتاك وقلبه يجب وفرائصه ترتعد ، وقد نزل دمه في وجهه ، وبعد هذا فلا يدري أينصرف من عندك بكآبة الرّد أم بسرور النجح ، فان أعطيته رأيت أنك قد وصلته وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وبعثني بالحق نبياً لما يتجشم من مسألة إياك أعظم مما ناله من معروفك . قال : فجمعوا للخراساني خمسة آلاف درهم ، ودفعوها إليه "[11].
[1] حلية الأولياء ج 3 ص 194 .
[2] أعيان الشيعة ج 4 ق 2 ص 31 .
[3] ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص 173 رقم 2 .
[4] الفروع من الكافي ج 4 ص 8 رقم 1 .
[5] اختيار معرفة الرجال ص 184 رقم 322 .
[6] اختيار معرفة الرجال ص 369 رقم 689 .
[7] الفروع من الكافي ج 4 ص 9 رقم 3 .
[8] فروع الكافي ج 4 ص 61 رقم 3 .
[9] بحار الأنوار ج 47 ص 60 رقم 114 .
[10] مشارق أنوار اليقين للحافظ البرسي ص 93 .
[11] بحار الأنوار ج 47 ص 61 رقم 118 .