واجهت الباشوية المصرية بعد سنة 1863م المشكلة نفسها في الأدوار السابقة، والتي ترتبت على التسوية التي وُضعت للمسألة المصرية (1840-1841م)، ونعني بذلك ضرورة تقوية مسند الباشوية بتعديل نظام الوراثة وتوسيع دائرة الاستقلال الداخلي، وذلك في نطاق الإمبراطورية العثمانية، طالما أن الدول — ولا سيما المشتركة في تسوية 1840-1841م — لا تريد أن تنال مصر استقلالها وأن تنفصل عن تركيا.
ولقد شاهدنا كيف أن العمل لتحقيق هذه الغاية قد اقترن بمسعى معين من جانب الباشوية، أوَّلًا فيما يتعلق بتحرير الباشوية من النفوذ الأجنبي والقنصلي، وثانيًا فيما يحفظ وحدة وادي النيل السياسية، بإنشاء الحكومة القوية الصالحة في السودان. ولكن هذا المسعى أخفق في ناحيتيه، بحيث لاحظنا عند نهاية الدور السابق في سنة 1863م أن النفوذ الأجنبي والقنصلي صار متغلغلًا في مصر والسودان معًا، مما أدى في مصر إلى بداية ظهور المصاعب من ناحية، وإلى افتئات المحاكم القنصلية على سلطان الحكومة والحد عمليًّا من سيادة الباشوية الداخلية من ناحيةٍ أخرى. ومما أدى في السودان إلى خروج مناطق بأكملها من نفوذ حكومة الخرطوم، وخضوعها لسيطرة النخاسين وتجار الرقيق، وبالتالي إلى انتشار الرق والنخاسة في السودان. ولقد كان من نتائج ضعف أو زوال نفوذ حكومة الخرطوم من الأقاليم البعيدة عن مقر هذه الحكومة أن تعرضت أطراف السودان لغارات القبائل الحبشية والفوارية والقبائل السود الواقعة على حدود السودان الشرقية والغربية والجنوبية بالتوالي.
ووقع على كاهل الباشوية في هذا الدور (1863–1879م) معالجة كل هذه المشكلات، ونهضت الباشوية بهذا العبء خلال الست عشرة سنة التي تولى زمام الأمور خلالها إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي الذي خلف محمد سعيد في يناير 1863م، ولا جدال في أن الجهود التي بذلتها الباشوية في هذه الفترة لمعالجة المشكلات السالفة الذكر، قد جعلت هذا الدور من أهم الأدوار في تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، وذلك من حيث نجاح الباشوية في علاج بعض المشكلات وإخفاقها في البعض الآخر، ثم من حيث النتائج التي ترتبت في آخر الأمر على هذا النجاح والإخفاق كليهما.
ففي هذا الدور استكملت مصر سيادتها الداخلية أو استقلالها الداخلي، بعد أن عجزت بسبب تدخل الدول، وعلى نحو ما حدث في الأدوار السابقة، عن الظفر باستقلالها الكامل والانفصال عن تركيا، وقد حصل هذا الاستكمال على أساس تغيير نظام الوراثة وجعلها صُلبية، ثم توسيع دائرة الاستقلال الداخلي وقد رمز إلى تقوية مسند الباشوية بهذه الصورة لقب «الخديوية» الذي نالته مصر، ولو أنه مما يجب التنبيه إليه فورًا أن هذا اللقب لم يكن يحمل معه معاني أو امتيازات غير تلك التي تضمَّنتها وأتت بها الفرمانات التي أُعطيت للباشوية سواء عند وضع تسوية 1840-1841م، أم عند صدور فرمانات 1866م و1867م؛ أي الفرمانات التي جعلت الباشوية ثم الخديوية من بعد ذلك تخضع لسيادة الباب العالي الشرعية، ولا سبيل لها إلى الانفكاك من هذه التبعية، وذلك بالإضافة إلى أن «الوضع» المُعَدَّل الذي قامت عليه الخديوية، في عامَي 1866م و1867م قد نال موافقة الدول التي اشتركت في تسوية 1840-1841م، فلا تزال بموجب هذه الموافقة الوصاية الدولية قائمة على الخديوية.
وفي هذا الدور تدعمت وحدة الوادي السياسية؛ لأن كلًّا من القطرين مصر والسودان قد صار متممًا للآخر وجزءًا لا يتجزأ منه، وذلك بفضل الفرمانات التي أنشأت الخديوية وجعلت نظام الوراثة الجديد الوراثة المباشرة والصُّلبية منطبقًا في السودان انطباقه في مصر، فتأسست من ثَمَّ ما يصح تسميته «خديوية وادي النيل». وفي هذه الدولة التي اكتمل تكوينها السياسي قانونًا في إطار الخديوية، استقرت خصائص السيادة في موئل السلطة الفعلية، في مصر، مع استمرار التبعية لتركيا صاحبة السيادة الشرعية في مصر و«ملحقاتها». ولو أن هذه التبعية قد استحالت اسمية فحسب.
ولأنه أمكن استرجاع المناطق الشاسعة التي كانت قد خرجت في السودان عن سلطان حكومة الخرطوم، وقد اقتضى استرجاع هذه المناطق الدخول في نضال شديد، أو حرب حقيقية، مع النخاسين وتجار الرقيق لاستنقاذ هذه المناطق منهم. وكان من مقتضيات هذا الكفاح محاولة القضاء على الرق والنخاسة في مواطنها الأساسية وإغلاق المنافذ التي يجري فيها تصدير الرقيق إلى الخارج؛ الأمر الذي استتبع التوسع المصري في الجنوب، بضم مديرية خط الاستواء. وفي الشرق والجنوب الشرقي، بضم بوغوص، وهرر، وتاجورا، وزيلع، وبربرة، وفي الغرب، بضم دارفور، وقد أدى هذا التوسع في السودان الشرقي إلى قيام الحرب «الحبشية-المصرية (1876م)» من جهة، وإلى عقد معاهدة إلغاء الرقيق مع إنجلترا في 4 أغسطس 1877م، ثم إبرام المعاهدة «البريطانية-المصرية» «بخصوص ساحل الصومال» في 7 سبتمبر 1877م، من جهة أخرى.
على أن الخديوية قد عجزت عن تحرير البلاد من ربقة الوصاية الدولية التي فرضتها عليها تسوية 1840-1841م، فكان بعد عناء شديد أن استطاعت الخديوية إدخال الإصلاح القضائي الذي أوجد المحاكم المختلطة في مصر، وهي التي بدأت عملها في فبراير 1876م، وكان إصلاحًا حقق عدة مبادئ جديدة في تاريخ القضاء المصري، لعل من أهمها استقلال القضاء عن الإدارة على أساس الفصل التام بين القضاء والسلطة التنفيذية، وهذا إلى جانب أنه وضع حدًّا للاغتصاب المالي عن طريق التعويضات الباهظة التي أُرغمت مصر على دفعها تحت الضغط القنصلي، أضف إلى هذا أن الإصلاح قد كفل للخديوية استقلالًا ذاتيًّا تامًّا، عندما اعترفت الفرمانات المعطاة لهذه الخديوية — وخصوصًا الفرمان الشامل في 1873م — بحق الدخول مباشرة في مفاوضات مع الدول؛ أي الاعتراف بسلطة الحكومة المصرية في التصرف طبقًا للقانون الدولي، ولقد نالت مصر بفضل الاتفاق الذي أسفر عنه إنشاء المحاكم المختلطة مركزًا ممتازًا في تقدير الدول التي نزلت لمصر، بمقتضى هذا الاتفاق، عن مباشرة حق القضاء «القنصلي»، الناشئ عن الامتيازات الأجنبية — ولو أنه كان تنازلًا جزئيًّا — كما أن مصر قد نالت هذا المركز الممتاز نفسه في تقدير السلطان صاحب السيادة الشرعية عليها، حيث كان واضحًا أن الدول لم تتنازل عن هذا «الحق» لمصلحته، وإنما لمصلحة الخديوي الذي أُسند باسمه القضاء إلى المحاكم الجديدة.
حقيقة تلك كانت مزايا لا يستهان بها، ولكن مع ذلك كله، فإنه سرعان ما ترتب على إنشاء المحاكم المختلطة إضعاف مسند الخديوية نفسه؛ وذلك لأن اختصاصات هذه المحاكم قد قُيِّدت في النزاعات المدنية والتجارية وكذلك الجزائية أو الجنائية، فاستُثني الأجانب من قضائها في حالات معينة بقي الفصل فيها للقضاء القنصلي، على خلاف ما كان يتوخاه الخديوي أصلًا من الإصلاح القضائي؛ وفضلًا عن ذلك فقد أُعطيت المحاكم المختلطة حق إخضاع الحكومة ومصالحها والدوائر الخديوية وأعضاء الأسرة المالكة لأحكامها في الدعاوى التي تقوم بينهم جميعًا وبين الأجانب؛ الأمر الذي وصفه أحد الكُتَّاب الذين تناولوا تاريخ الخديوية «بأنه لا نظير له في أي دولة متمدينة.»
فلقد كان أخطر ما تعرضت له الخديوية بسبب هذا الإصلاح القضائي أن آزرت المحاكم المختلطة الدائنين الأجانب ضد الحكومة المصرية إبان اشتداد الأزمة المالية، حيث أوجب الاتفاق ليس فقط خضوع الخديوي لأحكام المحاكم، بل تنفيذ الأحكام الصادرة ضده كذلك.
ولقد كان عجز الخديوية عن حل المشكلة المالية التي ظهرت بوادرها في صورة الديون التي خلفها محمد سعيد، من سائرة وثابتة، ثم لم تلبث أن استحكمت في عهد إسماعيل لأسباب سوف يأتي ذكرها في موضعها؛ من العوامل التي أفضت إلى انهيار هذه الخديوية نفسها في النهاية؛ ليس في مصر وحدها، بل في السودان كذلك؛ ففي مصر فقدت الخديوية كل هيبة لها بعد خلع الخديوي إسماعيل ونفيه من البلاد بسبب تدخل الدول الأوروبية، فمهدت الخديوية الضعيفة المتخاذلة بعد ذلك للاحتلال البريطاني ودعم أركانه في مصر؛ وفي السودان أضعف انهيار مسند الخديوية في مصر حكومة «الحكمدارية» في الخرطوم بحيث عجزت هذه عن قمع الثورة المهدية وهي لا تزال في بدايتها، فاستفحل شر هذه الثورة حتى أنذرت بتحطيم وحدة الوادي وأسفرت عن فقد السودان لعدة سنوات.