دَلَّت الإصلاحات التي أجرها سعيد إذن على أن الباشوية متمسكة بوحدة الوادي وتريد الرفاهية لأهل السودان. ولقد كانت هذه الإصلاحات الإدارية والضريبية وإلغاء الرق وما إلى ذلك إصلاحات بعيدة الغور، لو أُتِيحَت الفرصة لنجاحها لكان ممكنًا معالجة كثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع السوداني والمتعلقة بجهاز الحكم والإدارة، ولأمكن تلافي الأسباب التي أدت بعد ذلك بحوالي ربع القرن من الزمان إلى إشعال الثورة المهدية في السودان.
وكانت أسباب إخفاق هذه الإصلاحات كثيرة؛ منها: بُعْدُ مقر الحكومة الرئيسية للباشوية في القاهرة عن السودان، ومشغولية حكومة القاهرة بالمسائل السياسية المتعلقة بتقوية مسند الباشوية، بل بالمحافظة على الباشوية نفسها؛ وافتقار السودان إلى العناصر الجديدة من موظفي الحكومة والإداريين سواء كانوا من غير السودانيين أم من الزعماء والرؤساء الوطنيين أنفسهم، وهم الذين توقف نجاح الإصلاح من عدمه على مدى إدراكهم جميعًا لأهمية المراسيم الأربعة: مراسيم الخرطوم المعروفة في 26 يناير سنة 1857م. ولقد توقع كثيرون لهذا السبب نفسه إخفاق الإصلاح الإداري اللامركزي، ومنذ 20 مارس سنة 1857م كتب «ساباتيه» القنصل الفرنسي «أنه يخشى أن يكون إدخال اللامركزية على الإدارة وتقسيم السلطة الإدارية عملًا جانبه التوفيق وذا آثار غير حميدة؛ لأن من أسهل الأمور على المرء أن يجد رجلًا واحدًا ذا كفاية من أن يجد في البحث عن أربعة رجال أكفياء». أضف إلى هذا أن الغرض من الإدارة اللامركزية كان وقف طغيان كبار الموظفين في المديريات والأقاليم والحد من استبدادهم بالأهلين وإساءة معاملتهم. ولكن الذي حدث عند إلغاء الحكمدارية وجعل المديرين مسئولين أمام حكومة القاهرة مباشرة أن انتقلت المركزية من الخرطوم إلى القاهرة مما عاد بالضرر على السودان؛ لأن الباشوية من جهة كانت مشغولة — كما عرفنا — بمشكلات كثيرة وخطيرة تجعل متعذرًا عليها أن تتفرغ تمامًا لشئون السودان، وتلك إحدى نتائج تسوية 1840-1841م، ولأن شئون السودان من جهة ثانية صارت بانتقالها إلى القاهرة موزعة بين وزارتي المالية والداخلية. وأما في السودان نفسه فقد أدى تطبيق اللامركزية — بشهادة المعاصرين — إلى إصابة كل جهود السلطان المحلية — ولا سيما الجهود العسكرية لتقرير الأمن والسلام، خصوصًا على الحدود وفي الدواخل — بالشلل في كل المديريات، وانتهى الأمر بإلغاء اللامركزية وإعادة منصب الحكمدارية واسترجاع الحكمدارية لسلطاتها القديمة في مايو 1862م.
وكانت مسألة الرقيق من المسائل التي أخفق «النظام الجديد» في علاجها، ومن أسباب هذا الإخفاق أن الرق كان متغلغلًا في كيان السودان الاجتماعي والاقتصادي من الأزمنة القديمة، وأن مكافحته تتطلب جهودًا عظيمة ومثابرة طويلة، في حين أهمل المديرون وسائر المسئولين أوامر إلغاء الرق التي أصدرها سعيد. ثم إن سعيدًا نفسه كان مسئولًا لدرجة ما عن هذا الإخفاق عندما أراد سنة 1859م تشكيل حرس خاص له من السود، فاتفق لجلب هؤلاء من السودان مع «شركة» السيد موسى العقاد، وهي من أكبر البيوت أو الشركات العربية المشتغلة بتجارة العاج والرقيق في النيل الأبيض.
ومن أهم أسباب إخفاق محاولة إبطال تجارة الرقيق، وأهم الدوافع على زيادة نشاط هذه التجارة، فتح النيل الأبيض للملاحة والتجارة؛ فقد وفد إلى السودان منذ نجاح حملات سليم قبودان المغامرون والرواد والمستكشفون والتجار من الأوروبيين والليفانتيين، الذين انتفعوا من النفوذ الذي صار لقناصل الدول الأوروبية التي اشتركت في تسوية 1840-1841م. ومع أن عباسًا قد نجح في وقف نزوح الأجانب إلى مصر في عهده فقد وجد هؤلاء في السودان ميدانًا لنشاطهم، وكما تدفق على مصر سيل من الأجانب في عهد سعيد، تدفق على السودان جماعة كانوا مثل إخوانهم في مصر من «حثالة القوم» باعتراف معاصريهم من الأوروبيين أنفسهم، أساءوا إلى سمعتهم كما أساءوا إلى سمعة بلادهم؛ لأنهم — كمواطنيهم في مصر — لم يكونوا يهتمون إلا بالوصول إلى الغنى السريع واكتناز المال من أي سبيل، فتاجروا في العاج في مبدأ الأمر. حتى إذا قَلَّ العاج انقلبوا إلى التجارة في الرقيق، فصارت مراكبهم في النيل الأبيض تحمل الرقيق محتمية بأعلام الدول التي كانوا من رعاياها أو تجنسوا بجنسياتها، يؤازرهم في نشاطهم ويقوم بالدفاع عنهم لدى السلطات المحلية قناصلهم في الخرطوم.
وواقع الأمر أن هذا العهد كان عهد القناصل الذهبي في السودان كما كان الحال في مصر، فقد أشرف على مصالح الإنجليز بالخرطوم أحد السوريين هو «خليل شامي»، حتى عُيِّنَ «جون بثريك» (John Petherick) نائب قنصل سنة 1849م، ثم قنصلًا بعد ذلك، وكان أول قنصل للنمسا في الخرطوم هو «البارون ملَّر» (Muller) سنة 1850م، ثم بعده الدكتور «ثيودور فون هوجلين»، ثم خلفه الدكتور «ناترر» (Nattere)، وقد تُوفِّي بالخرطوم سنة 1862م، وتولى منصب القنصل الفرنسي، السيد «تيبو» (Thibaut)؛ وكان لسردينيا قنصل هو المسيو فوديه (Vaudey) الذي قتله مع ستة عشر من أتباعه قبائل الباري حول غندكرو في أبريل 1854م، وكان يتاجر في العاج والرقيق، وتولى القنصلية بعده «بران روليه» (Brun-Rollet)، وقد تُوفِّي سنة 1856م، وشغل منصب قنصل الولايات المتحدة بالخرطوم قبطي هو شنودة «الابن»، ومنذ ديسمبر 1861م قَدَّمَ قنصل إيران في مصر ميرزا أمان خان التماسًا بأن إيران تريد تعيين وكيل لها في السودان لرعاية مصالح رعاياها، ويرجو الاعتراف بالتاجر «الرعية الإيرانية» المقيم بالسودان، جرجس بولص وكيلًا له.
وكان جميع هؤلاء — باستثناء «الدكتور هوجلين» قطعًا. ومن المحتمل كثيرًا المسيو «جون بثريك» — يتاجرون في الرقيق، وبينما كان لا يتجاوز عدد الأجانب من الأوروبيين والليفانتيين المقيمين بالخرطوم خمسة فقط في سنة 1847م، بلغ عددهم بها في سنة 1860م حوالي 25، كانوا من جنسيات مختلفة: الفرنسي، والإيطالي «السرديني»، والمالطي، والأيونياني، والإنجليزي، والنمسوي، وقد وصف البيئة التي عاشوا فيها رَحَّالة فرنسي معاصر، هو «تريمو» (Trémaux) الذي زار السودان وإثيوبيا وأصدر كتاب رحلته في باريس سنة 1862م، فرسم صورة سيئة لحياتهم الأخلاقية والاجتماعية: كتعدد حوادث الطلاق، وزواج المتعة، والزواج المختلط، وإهمال أولادهم … وأكد أن جميعهم اشتغلوا بتجارة الرقيق تحت ستار التجارة في العاج الذي لم يكن إلا ادعاء فحسب، وأن منهم مَنْ كان يسعى كي يستمر نشاطه المشين وفعاله القبيحة (وهي صيد الرقيق) للحصول على منصب قنصل لإحدى الدول الأوروبية التي تكون مهتمة بأن يصبح لها نفوذ كبير في السودان يمكنها من «صيانة مصالح رعاياها» في هذه البلاد البعيدة.
ولا جدال في أن فتح النيل الأبيض للملاحة كان من أهم الأسباب التي جعلت هؤلاء الأوروبيين والليفانتيين يقبلون على صيد الرقيق والتجارة فيه؛ وذلك لأن فتح النيل الأبيض للملاحة الحرة سرعان ما جعل في استطاعة هؤلاء التجار التوغل في أصقاع شاسعة جديدة يصيدون فيها الفيلة ويجمعون العاج من الأهالي السود في أقاليم النيل الأبيض وبحر الجبل وبحر الغزال، ونهر السوباط، ويجنون أموالًا طائلة من هذه التجارة. ولما كانت الحملات أو الغزوات والتجريدات التي يرسلونها لهذه الغاية تتكلف نفقات باهظة، ثم بدأ معين العاج ينضب في هذه الجهات؛ فقد صار التجار يصيدون السود لاستخدامهم كحمالين وخدم في أثناء الحملة، ثم لبيعهم في أسواق الرقيق بعد انتهاء الحملة ومنذ نهاية عام 1854م تقريبًا، صاروا تجار رقيق قبل أي شيء آخر، وتحت ستار التجارة في العاج.
ومن تجار الرقيق المشهورين في هذا العهد: «ديبونو» (Debono)، وقريبه «أمبيلي» (Ambile)، وهما مالطيان، «وقد دافعت الحكومة الإنجليزية عن «ديبونو»؛ لأن جنسيته بريطانية، فادَّعت أنه لا توجد أدلة كافية ضده لاتهامه بالتجارة في الرقيق 1862م»، «وملزاك» (Malzac) وهو فرنسي، وصاحب زرائب كبيرة لجمع العاج وصيد الرقيق من نهر الرهل وفي إقليم بحر الغزال عمومًا، وأشهرها محطة «رمبك» (Rumbek)»؛ و«بارثلمي» (Barthlemy)، «ولافارج» (Lafargue) وهما أيضًا فرنسيان، وكثيرون غير هؤلاء، وكانت الشركات أو البيوت الأجنبية المشهورة في الخرطوم سبعة بيوت؛ أربع شركات لفرنسيين: «بارثلمي»، والأخوان «وبونسيه» (Poncet)، «وفايسيير» (Vayssière)، «وملزاك» (Malzac)؛ واثنتان لإنجليز: «بثريك» (Petherick)، والمالطي «ديبونو»، وواحدة إيطالية: «أنجيلو – بولونيزي – أنطونيولي» (Angelo – Bolognesi – Antognoli)، واختصت هذه بالتجارة الحبشية.
وفي سنة 1860م باع أكثر هؤلاء الأجانب زرائبهم ومحطاتهم إلى التجارة العرب؛ لأنهم وجدوا أن النخاسة قد صارت قوام كل نشاط تجاري في السودان، ولأنهم عجزوا عن منافسة التجار العرب، وأما مَنْ بقي من الأوروبيين والليفانتيين في السودان بعد سنة 1860م يمارسون التجارة في النيل الأبيض والنيل الأعلى فقد كانوا — ما عدا القليل منهم — من تجار الرقيق، فاستمر «ديبونو» في نشاطه، واشتهر الهر فرانز بندر (Franz Binder) من ترنسيلفانيا (أي إنه كان نمسويًّا) الذي ابتاع زريبة «ملزاك» الفرنسي في «رمبك» سنة 1860م، واتخذ رجاله إلى جانب ذلك مقرًّا لهم في «غابة شامبي».
وَأَمَّا العرب الذين أنشئوا في هذا العهد البيوت أو الشركات التجارية، فقد اشتهر لهم في الخرطوم بيوت أربعة تتاجر في الرقيق؛ هي شركات: العقاد، السيد أحمد العقاد وشريكه موسى العقاد. البصيلي: محجوب البصيلي، وعبد الحميد. وأبو عموري: علي أبو عموري، وقد بدأت تجارة هذه الشركات في العاج، ثم صارت تتاجر في الرقيق، ومن تجار الرقيق العرب المعروفين في هذا العهد: محمد خير، وواد إبراهيم، وخليل شامي، وشنودة، وغطاس، وخورشيد أغا، وكوشك علي … إلخ، وتَأَلَّفت من أبو عموري وبصيلي وكوشك علي «ديكتاتورية ثلاثية» استأثرت بكل نفوذ وسلطة حقيقية على السود في إقليم بحر الغزال، في حين تألفت من ديبونو، وشنودة، وخورشيد أغا، ديكتاتورية ثلاثية أخرى، حول غندكرو في إقليم بحر الجبل وجهات النيل العليا.
وكان الغرض من تأليف هذه الشركات أن يساوم أصحابها، من العرب وغيرهم السلطات الحكومية في الخرطوم على احتكار تجارة العاج — وهي التجارة التي اتخذوها شعارًا لإخفاء نشاطهم في النخاسة وتجارة الرقيق — في مناطق شاسعة كانت خارجة عن سلطات الحكومة في الخرطوم، والتي لم تجد الحكومة غضاضة لهذا السبب في إجابتهم إلى ما يريدون، وهذه المناطق كانت تقع جنوب دارفور أو في كردفان أو على جانبَي النيل الأبيض حتى غندكرو، أو في الجنوب، وقد نجم عن تنازل الحكومة عن هذه المناطق لتجار الرقيق أن تلاشى نفوذها وسلطانها تمامًا في هذه الأصقاع الواسعة والبعيدة، وأقامت الشركات التي نالت «امتياز» الاحتكار بها سلطات مستقلة عن حكومة الخرطوم تفرض الضرائب على الأهلين وتعمد إلى توزيع مناطق النفوذ بالاتفاق فيما بينها، وذلك دون أن تستطيع حكومة الخرطوم تحريك أي ساكن لكبح جماح هؤلاء التجار، بل حدث في أواخر سنة 1863م أن دخل كل من محمد خير وواد إبراهيم في مفاوضات مع حكومة الخرطوم، مشفوعة بإرسال الهدايا؛ لإغراء المسئولين على قبول ما يريدان، وهو أن يُعَيَّن محمد خير شيخًا من قبل الحكومة على قبائل الدنكا، ويُعَيِّن واد إبراهيم على قبائل الشلوك، ولم يفسر هذه المفاوضة غير تغيُّر الأحوال عند اعتزام الباشوية بعد انقضاء عهد محمد سعيد أن تسترجع نفوذها وسلطانها في هذه الجهات النائية.
والحقيقة أن جهات بأكملها في حوض النيل الأبيض والنيل الأعلى قد صارت عند وفاة محمد سعيد في يناير 1863م خارجة كلِّيَّةً عن سلطان ونفوذ حكومة الخرطوم البعيدة نتيجة لتغلغل النفوذ الأجنبي في السودان ونشاط تجار الرقيق من الأجانب والعرب على السواء.
وعلى ذلك فقد كانت المسألة الهامة التي واجهت الباشوية بعد 1864م للاحتفاظ بوحدة الوادي السياسية ودعم هذه الوحدة؛ هي ضرورة استرجاع سلطات الباشوية في السودان، بتوطيد نفوذ الحكومة المركزية بالخرطوم، وبسط سلطان الحكومة على الأصقاع البعيدة في جهات النيل الأعلى خصوصًا وعلى حدود السودان. وكان من الواضح أن شيئًا من ذلك لن يتحقق إلا إذا بذلت الباشوية كل ما وسعها من جهد وحيلة للقضاء على النخاسة وتجارة الرقيق.