تمهيد
سيطرت التسوية التي وُضعت للمسألة المصرية (1840-1841م) على توجيه السياسة المصرية بحيث تشكلت الحوادث في السنوات التالية في مصر بالصورة التي درسناها بين عامَي 1848م و1863م. ولقد استمرت هذه التسوية بفضل ما ترتب عليها من نتائج متلاحقة؛ تحكم السياسة المصرية حتى نهاية العصر الذي ندرسه لا في مصر وحدها فحسب بل في السودان كذلك.
وفي هذا القسم من الدراسة سوف يكون كلامنا مقصورًا على الأثر الذي أحدثته التسوية على سير الأمور في السودان في الفترة نفسها التي درست فيها آثار هذه التسوية في مصر.
والذي نود أن نلفت النظر إليه هو أن هذه «التسوية» كانت ذات آثار «سلبية» و«إيجابية» — إذا جاز لنا هذا التعبير — على السياسة التي اتُّبِعَتْ وقتئذٍ في السودان.
«فالسلبية» مبعثها أن المسائل التي أوجدتها «التسوية» (أي أزمة التنظيمات العثمانية، ومسعى الولاة لتقوية مسند الباشوية، عن طريقَي تغيير نظام الوراثة، وتوسيع الاستقلال الداخلي، وتغلغل النفوذ القنصلي) جعلت من المتعذر التفرغ لشئون السودان إلا بالقدر الذي يوجبه الاحتفاظ بوحدة الوادي.
وأما «الإيجابية» فكانت من شقين؛ أحدهما: مبعثه أن الاحتفاظ بوحدة الوادي كان الهدف الذي حددته «التسوية» لما يجب أن تتجه لتحقيقه السياسة المصرية في السودان، فرسمت (أي التسوية) معالم الطريق الذي يجب أن تسير فيه السياسة المصرية لتحقيق هذه الغاية، وعلى ذلك فقد تألفت الإيجابية من كل تلك المسائل التي صارت موضع عناية الباشوية في شطر الوادي الجنوبي؛ سواء أكان نجاحها (أي الباشوية ) في ذلك ملحوظًا، أم عجزت عن إدراك مبتغاها، وأهم هذه المسائل: إقامة الحكومة الموطدة والقوية في الخرطوم والتي تذود عن حدود السودان، وتنشر الأمن والسلام في ربوعه؛ وتعليم أبناء السودان وإنعاش اقتصاديات البلاد؛ ودعم أركان الحكم الذاتي.
وأما شق الإيجابية الآخر فكان مبعثه أن «التسوية» التي فرضت على الباشوية المصرية تلك «الوصاية الدولية» التي كان من أهم آثارها على الشئون الداخلية في مصر تغلغل النفوذ القنصلي والأجنبي، خصوصًا أيام سعيد باشا؛ قد فرضت هذه الوصاية الدولية نفسها على السودان كذلك، من حيث سريان المعاهدات والاتفاقات المبرمة والتي تُبرم بين الباب العالي والدول في السودان، كسريانها في مصر بموجب الفرمانات؛ ومن هذه المعاهدات — كما عرفنا — معاهدات الامتيازات الأجنبية التي استند عليها النفوذ القنصلي في مصر؛ ومن حيث تعذر تعديل أو تغيير «الوضع» الذي حددته الفرمانات للسودان، من غير موافقة الدول. ولقد ذكرنا فيما تقدم أن السودان — منذ الفرمان الصادر إلى إبراهيم في أغسطس 1848م — قد اعتبرته الدولة العثمانية، وبموافقة الدول، من «توابع أو ملحقات» الباشوية المصرية.
ومثلما تغلغل النفوذ الأجنبي والقنصلي في مصر تغلغل في السودان، ولكن مع فروق هامة؛ أولها: أن الأجانب قد بدءوا يفدون بكثرة زائدة على السودان، بوقت مبكر على نزوحهم إلى مصر. ولذلك أسباب منها ما رأيناه متعلقًا بموقف حكومة القاهرة من الأجانب الذين لم يلقوا تشجيعًا على المجيء إلى مصر بعد انقضاء عهد محمد علي إلا من أواسط 1854م، ومنها ما سوف يأتي ذكره في موضعه.
وثاني هذه الفروق: أن تغلغل النفوذ الأجنبي والقنصلي في مصر عندما حدث بين عامَي 1854م و1863م — وقد استمر كما سنرى بعد 1863م — قد ترتب عليه أن تقيدت أو نقصت لدرجة معينة ممارسة أو مباشرة حقوق السيادة الداخلية التي للباشوية المصرية، حيث تقلصت ولايتها القضائية في داخل حدودها بسبب المحاكم القنصلية التي أوجدتها الامتيازات الأجنبية؛ وقد أخرجت هذه من ولاية القضاء الوطني — إلى جانب السكان الأجانب الخاضعين للقضاء القنصلي — فريقًا من الرعايا الوطنيين أنفسهم؛ بل نظر القضاء القنصلي في الدعاوى التي صار يقيمها أجانب على الحكومة ذاتها. وبجوار هذا الانتقاص الظاهر من حقوق «السيادة العليا» في داخل «الدولة» كان الأثر الذي أحدثه التغلغل القنصلي والأجنبي من هذه الناحية، وهو إرهاق الخزانة المصرية بالتعويضات الجسيمة، وإرباك مالية البلاد، والتمهيد للأزمة المالية التي استحكمت حلقاتها في السنوات التالية.
ولكن الأمر في السودان كان أكثر خطورة، لسبب جوهري؛ هو أن النفوذ القنصلي هناك، ومقره الخرطوم، قد اتخذ لنفسه ميدانًا غير المطالبة بالتعويضات المالية الجسيمة، وأما هذا الميدان فكان مؤازرة تجارة العاج لاستدرار الأرباح الوفيرة منها؛ ثم مؤازرة تجارة الرقيق والانغماس فيها — عندما نضب مَعِين تجارة العاج — فكان من ثم أن تأسست على أيدي المغامرين الأوروبيين والليفانتيين: «الزرائب» أو المحطات المسلحة التي كانت مستودعات للذخائر والأسلحة والرقيق، واغتصب تجار الرقيق السلطة تدريجًا من حكومة الخرطوم في أصقاع شاسعة من السودان، حتى إنه لم يعد باقيًا للحكومة أي نفوذ خارج الخرطوم والجهات القوية منها؛ وصار السودان في نهاية هذا العهد مهددًا بالضياع تمامًا من الباشوية المصرية، وصار من الواجب — إذا شاءت الباشوية استبقاء السودان والاحتفاظ بوحدة الوادي السياسية — أن تشرع من جديد في استرجاعه، وأن تعمل لاستخلاصه وإنقاذه من قبضة تجار الرقيق الأجانب، والوطنيين الذين حذوا حذوهم وصار لهم شأن في هذه التجارة.
ولقد برزت في نهاية الفترة التي ندرسها (1848–1863م) مشكلة تجارة الرقيق بالصورة التي جعلت التفكير في وسائل القضاء عليها أمرًا ضروريًّا ومحتمًا، إذا أرادت الباشوية استبقاء السودان والمحافظة على وحدة الوادي السياسية. ولقد حاول المعاصرون تفسير انتشار تجارة الرقيق في السودان. وحاول الكُتَّاب المحدثون أن يفعلوا ذلك، وأسفرت هذه المحاولات، ضمن أشياء أخرى، عن إلصاق اتهامات معينة بالحكم المصري في السودان في هذه الفترة (1848–1863م)، والادعاء عليه بجملة ادعاءات يعنينا منها: أوَّلًا ما يتصل بطبيعة الحكم المصري وقتئذٍ، وثانيًا ما يتصل بوحدة الوادي السياسية، أما تشويه الحكم المصري فقد كان باتهامه بأنه لا يبغي من إدارة السودان سوى استغلال موارده لمصلحة الحكومة القائمة فحسب، واتخاذه منفى للمغضوب عليهم والمشردين من مصر؛ ثم الادعاء على الباشوية بأنها — وقد هالها ما وصل إليه سوء الحال في السودان — قد أرادت التخلي عن السودان (في 1857م) والتفريط في وحدة الوادي، بدلًا من البحث عن الحلول التي تحسم بها المشكلات التي واجهتها في الجنوب.
ولكن لا يلبث أن ينكشف مدى صحة هذه الاتهامات والادعاءات عند دراسة السياسة التي سارت عليها الباشوية في السودان؛ وهي السياسة التي كانت تخضع اتجاهاتها لتوجيه تسوية 1840-1841م.