إنَّ البحث الذي أتينا به هنا في تفسير الآية الكريمة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} خلاصة وجوهرة للكلمات النفيسة والقيّمة لُاستاذنا الجليل سماحة آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله تربته الزكيّة التي طرحها في دروسه التفسيريّة وفي «الميزان في تفسير القرآن».[1]
إنَّ الموضوع الباعث على العجب في الآية الكريمة: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ}، والآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} إلى قوله: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} هو محلّها وموضعها، إذ بالنظر إلى ما بيّناه مفصّلًا في تفسير هذه الآية الكريمة، ودلالتها التامّة الواضحة على الولاية، كيف جاءت في وسط الآية التي تتحدّث عن محرّمات الطعام، وبين جملة المستثنى منه وجملة الاستثناء. ذلك أنَّ صدر الآية هكذا: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والْمُنْخَنِقَةُ والْمَوْقُوذَةُ والْمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ}.
ثمّ ذكرت الآية التي هي موضع بحثنا كاملة على المنوال التالي: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}.
وبعد هذه الآية، جاء الاستثناء الواقع في محرّمات الطعام كالآتي: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
ولو أمعنّا النظر في صدر الآية وذيلها، أعني قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}، وقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ}، نجد كلاماً تامّاً غير متوقّف في تمام معناه وإفادة المراد منه على قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} إلى قوله: {وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}. والآية في إفادة المعنى بعينها كالآيات في سور البقرة، والأنعام، والنحل. وقد بيّنت محرّمات الطعام من حيث جملة المستثنى منه، ومن حيث الجملة الاستثنائيّة.
والآية في سورة البقرة هي: {إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}، والاستثناء فيها هكذا: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.[2]
والآية في سورة الأنعام هكذا: {قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.[3]
والآية في سورة النحل: {إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}، والاستثناء فيها: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.[4]
نرى في هذه الآيات الأربع الواردة في سور (المائدة، والبقرة، والأنعام، والنحل) أنَّ الله عرض محرّمات الطعام بنمط واحد وسياق واحد، وكذلك بيّن جواز أكلها اضطراراً بنسق واحد وسياق واحد. وأنَّ ما أخلّ بسبكها وفصل بين محرّمات الطعام وبين موارد جوازها، هو قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} إلى قوله: {وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} الواردة في سورة المائدة، وفصل بين محرّمات الطعام التي تؤلّف جملة المستثنى منه، وبين مواضع الاضطرار التي تشكّل جملة المستثنى، مع أنَّ هاتين الجملتين: جملة المحرّمات، وجملة مواضع الاضطرار، وهما المستثنى والمستثنى منه، لا حاجة لهما بهذه الجملة المعترضة أبداً من حيث تمام المفاد.
لقد فُصل بين هذه الجمل ليختلط البحث، ويُظَنّ أنَّ المراد من اليوم الذي يئس فيه الكفّار من دين الإسلام، وأنَّ المسلمين يجب أن لا يخشوهم بل يخشوا الله في ذلك اليوم، وأنَّ اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتمّ فيه النعمة على المسلمين، هو يوم ينزل فيه- مثلًا- حكم المتردِّية، والمنخنقة، والموقوذة، والنطيحة، وتُبيّن حرمتها، حتّى تفقد تلك الجمل، ذات المفاد العالي والمحتوي الراقي، النازلة في الولاية بحيث لا يمكن أن تكون في غيرها، أهمّيتها وتسقط في أعين الناس فلا يفكّروا بها، ولا يبحثوا عن محتواها ومفادها، ويخالوا أنَّ آية إكمال الدين وإتمام النعمة التي تعنى عدم النقص في الإسلام، ويليق بها أن يرضي الله ذلك الدين، تحوم حول امور عاديّة لا شأن لها كالتعامل مع الكفّار وحلّيّة طعامهم للمسلمين، وحلّيّة طعام المسلمين لهم وأمثال ذلك.
ومحصّل كلامنا هو أنَّ قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} كلام معترض وجملة معترضة جاءت في وسط الآية، ولأجل إكمال معنى الآية لا يوجد أيّ توقّف على دلالة هذا الكلام، سواء قلنا: إنَّ الآية نازلة في وسط الآية فتخلّلت بين جملة المحرّمات وجملة الجواز عند الضرورة من أوّل ما نزلت، أو قلنا: إنَّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله هو الذي أمر كتّاب الوحي بوضع الآية في هذا الموضع مع فرض انفصال الآيتين واختلافهما نزولًا، وبُعد هذا الاحتمال في غاية البعد، أو قلنا: إنَّها موضوعة في موضعها الذي هي فيه عند تأليف القرآن من غير أن تصاحبها نزولًا.
على أيّ حال، أنَّ قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ} كلام مستقلّ، وقد حافظ على استقلاله أيضاً حتّى مع ملاحظة صدر الآية وذيلها، ووروده في هذا الموضع، ووقوعه في هذا الموقع لن يستدعي تغيير معناه.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبيّ، قال: نزل على النبيّ صلّى الله عليه و آله وسلّم هذه الآية وهو بعرفة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة، قال: وكان جبرئيل يعلّمه كيف ينسك.[5]
وعلى هذا يمكن أن تكون هذه الآية قد وضعها جامعو القرآن في موضعها بعد النبيّ، بالأخصّ أنَّ الروايات الواردة عن طريق العامّة في نزول الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يوم عرفة- كما قلنا- تنتهي إلى عمر، ومعاوية، وسمرة بن جندب، وعليّ بن أبي طالب. ووضع معاوية وسمرة بن جندب لا يخفى على أحد ولا يستهدف الرواة من إلصاق هذه الرواية بالإمام عليّ عليه السلام إلّا تشويه معالم القضيّة. صلّى الله عليك يا أبا الحسن ورحمة الله وبركاته.
[1] «الميزان في تفسير القرآن» ج 5، ص 179 إلي 194، وص 208 إلي 213.
[2] الآية 173، من السورة 2: البقرة.
[3] الآية 145، من السورة 6: الأنعام.
[4] الآية 115، من السورة 16: النحل.
[5] (1 و2)- «الدرّ المنثور» ج 2، ص 258.