فيما نزل في عروة بن مسعود الثقفي
قال تعالى : {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 31، 32].
قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « أنه عروة بن مسعود الثقفي ، وكان عاقلا لبيبا ، وهو الذي أنزل اللّه تعالى فيه : {وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }« 1 ».
وقال علي بن إبراهيم : ثم حكى اللّه عزّ وجل قول قريش : {وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ} يعني هلا نزل القرآن{ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} ؟ وهو عروة بن مسعود ، والقريتين : مكة والطائف ، وكان جزاهم بما يحتمل الديات ، وكان عم المغيرة بن شعبة ، فرد اللّه عليهم ، فقال : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ }، يعني النبوة والقرآن حين قالوا : لم لم ينزل على عروة بن مسعود ، ثم قال تعالى : {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ يعني في المال والبنين لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
وهذا من أعظم دلالة اللّه على التوحيد ، لأنه خالف بين هيئاتهم وتشابههم ودلالاتهم وإراداتهم وأهوائهم ، ليستعين بعضهم على بعض ، لأن أحدهم لا يقوم بنفسه لنفسه ، والملوك والخلفاء لا يستغنون عن الناس ، وبهذا قامت الدنيا والخلق المأمورون المنهيّون المكلفون ، ولو احتاج كل إنسان أن يكون بناء لنفسه وخياطا لنفسه وحجاما لنفسه وجميع الصناعات التي يحتاج إليها ، لما قام العالم طرفة عين ، لأنه لو طلب كل إنسان العلم ، ما دامت الدنيا ، ولكنه عز وجل خالف بين هيئاتهم ، وذلك من أعظم الدلالة على التوحيد « 2 ».
وقال الإمام الحسن بن علي عليهما السّلام : « قلت لأبي علي بن محمد عليهما السّلام :
فهل كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يناظرهم إذا عانتوه ويحاجّهم ؟ قال : بلى ، مرارا كثيرة ، منها ما حكى اللّه من قولهم : { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان: 7، 8] ، وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ، وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله : {كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} [الإسراء: 93] ، ثم قيل له في آخر ذلك : لو كنت نبيا كموسى لنزلت علينا لصاعقة في مساءلتنا إياك ، لأن مساءلتنا أشد من مساءلة قوم موسى لموسى .
وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان قاعدا ذات يوم بمكة ، بفناء الكعبة ، إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش ، منهم : الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأبو البختري بن هشام ، وأبو جهل بن هشام ، والعاص بن وائل السهمي ، وعبد اللّه بن أبي أمية ، وجمع ممن يليهم كثير ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في نفر من أصحابه ، يقرأ عليهم كتاب اللّه ، ويذكرهم عن اللّه أمره ونهيه ، فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمد ، وعظم خطبه ، تعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه ، وإبطال ما جاء به ، ليهون خطبه على أصحابه ، ويصغر قدره عندهم ، فلعله أن ينزع عما هو فيه من غيّه وباطله وتمرده وطغيانه ، فإن انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر.
قال أبو جهل : فمن ذا الذي يلي كلامه ومحاورته ؟ فقال عبد اللّه بن أبي أمية المخزومي : أنا لذلك ، أفما ترضاني قرنا حسيبا ، ومجادلا كفيّا ؟ قال أبو جهل : بلى . فأتوه بأجمعهم ، فابتدأ عبد اللّه بن أبي أمية ، فقال : يا محمد - وذكر طلبه من محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وما أجابه به - فقال : وأما قولك : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ، الوليد بن المغيرة بمكة ، أو عروة بن مسعود بالطائف ، فإن اللّه تعالى ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ، ولا خطر له عنده كما كان له عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة ماء ، وليس قسمة رحمة اللّه إليك ، بل اللّه القاسم للرحمة ، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه ، وليس هو عزّ وجل ممن يخاف أحدا كما تخافه لماله أو لحاله فتعرفه بالنبوة لذلك ، ولا ممن يطمع في أحد في ماله وحاله كما تطمع فتخصه بالنبوّة لذلك ، ولا ممن يحب أحدا محبة الهوى كما تحب فتقدم من لا يستحق التقديم ، وإنما معاملته بالعدل ، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين وجلاله ، إلا الأفضل في طاعته ، والآخذ في خدمته ، وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وجلاله ، إلا أشدهم تباطؤا عن طاعته ، وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال ، بل هذا المال والحال من فضله ، وليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب .
فلا يقال له : إذا تفضلت بالمال على عبد ، فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوّة أيضا ، لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ، ولا إلزامه تفضّلا ، لأنه تفضل قبله بنعمة ، ألا ترى - يا عبد اللّه - كيف أغنى واحدا وقبح صورته ؟
وكيف حسّن صورة واحد وأفقره ؟ وكيف شرف واحدا وأفقره ؟ وكيف أغنى واحدا ووضعه ؟ ثم ليس لهذا الغني أن يقول : هلا أضيف إلى يساري جمال فلان ؟ ولا للجميل أن يقول : هلا أضيف إلى جمالي مال فلان ؟ ولا للشريف أن يقول : هلا أضيف إلى شرفي مال فلان ؟ ولا للوضيع أن يقول : هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان ؟ ولكن الحكم للّه يقسم كيف يشاء ، ويفعل ما يشاء ، وهو حكيم في أفعاله ، محمود في أعماله ، وذلك قوله تعالى : {وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }.
قال اللّه تعالى : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يا محمد نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} فأحوجنا بعضا إلى بعض ، أحوجنا هذا إلى مال ذاك ، وأحوجنا ذاك إلى سلعة هذا وإلى خدمته ، فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب ، إما سلعة معه ليست معه ، وإما خدمة يصلح لها ؛ لا يتهيأ لذلك الملك إلا أن يستعين به ، وإما باب من العلم والحكم هو فقير أن يستفيدها من هذا الفقير ، وهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني ، وذلك الملك يحتاج إلى علم ذلك الفقير أو رأيه أو معرفته ، ثم ليس للملك أن يقول : هلا أجمع إلى ملكي ومالي علمه ورأيه ؟ ولا لذلك الفقير أن يقول : هلا أجمع إلى رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الغني ؟ ثم قال تعالى : {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} ، ثم قال : يا محمد {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} يجمعه هؤلاء من أموال الدنيا » « 3 ».
_________________
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 310 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 283 .
( 3 ) تفسير الإمام العسكري عليه السّلام : ص 500 ، ح 314 .