حديث الغدير والحقائق الناصعة
كثيرة هي الأحاديث الصحيحة والمعتبرة الواردة عن الرسول الأكرم [صلى الله عليه وآله] في مكانة وفضل ومقام الإمام علي [عليه السلام]، والتي تدل دلالة واضحة على أهليته للإمامة والخلافة بعد رسول الله، ومكانته المتميزة والعظيمة.
والحقيقة الناصعة باعتراف جميع المحدّثين والحفّاظ والمحقّقين أنّه ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله من الفضائل والمناقب - وبطرق صحيحة ومعتبرة - كما جاء في فضل الإمام علي ومكانته ومقامه العظيم.
وقد اختير الإمام علي ليكون الوصي والخليفة من بعد رسول الله بأمر من الله تعالى، كما في محكم كتابه العزيز ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، ولأنّه كان يمتلك مؤهلات القيادة والإمامة، وتتوافر فيه صفات الإمام المفترض الطاعة، والتي أبرزها: العصمة، والعلم، والكمال... وقد أوضح الرسول الكريم الوصي من بعده في واقعة الغدير المشهورة.
وتعتبر واقعة الغدير من الحقائق الثابتة التي لا يمكن إنكارها، وقد وثق (حديث الغدير) أئمّة الحديث من الفريقين، حيث قال الرسول الأكرم في غدير خم: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار» (1).
وقد بلغ رواة حديث الغدير من الصحابة مئة وعشرة صحابياً، ومن التابعين أربعة وثمانون تابعياً، وبلغ طبقات رواة حديث الغدير من أئمة الحديث وحفاظه ثلاث مئة وستون عالماً ومحدثاً؛ وهذا يؤكّد أنّ حديث الغدير من أوثق الأحاديث المتواترة، وقد بلغ من الصحة والتواتر وقوة السند وسلامة المتن بما لا يمكن لباحث موضوعي أن ينكره.
وقد أطلق الرسول الأعظم اسم الوصي على الإمام علي منذ اليوم الأول لميلاد الإسلام، عندما أندر عشيرته الأقربين، وقال لهم وهو آخذ بيد الإمام علي: «إنّ هذا أخي ووصيي، ووزيري وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا» (2).
وكان عليّ وصي رسول الله ووزيره، ولمّا آخى بين أصحابه وتركه قال: «يا رسول الله قد بقيت لا أخ لي».
فقال: «إنّما أخّرتك لنفسي، أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأنت وصيّي وخليفتي من بعدي، وخير من أخلف من أهل بيتي، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي» (3).
وظل الرسول الأكرم يكرر هذا القول المرة تلو المرة، ويؤكّد عليه فعلاً وقولاً وتقريراً، والأحاديث في ذلك كثيرة جداً، فالإمام علي هو أول من سمّي بالوصي، وقد سمّاه بذلك الرسول الكريم.
وأوّل من أطلق عليه (إمام) في الإسلام هو الإمام علي، والمقصود بالإمام هنا: إمام المسلمين الذي يجب الاقتداء بأقواله وأفعاله، فالإمامة مرادفة للخلافة، وهو قائد المسلمين وإمامهم بعد الرسول الأكرم.
وقد لقّب الرسول الأكرم الإمام علياً بلقب (أمير المؤمنين) في حياته الشريفة، وهو أول من أطلق عليه هذا اللقب، فإذا قيل: أمير المؤمنين، ينصرف الذهن إلى الإمام علي بن أبي طالب.
فقد روي عن الرسول الأعظم أنّه قال لعلي: «أنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وقائد العز المحجّلين، وحجّة الله بعدي على الخلق أجمعين، وسيّد الوصيّين، ووصي سيد النبيّين» (4).
وقال أيضاً في الإمام علي: «إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، ومولاهم بعدي علي بن أبي طالب» (5).
وثمّة نقطة ينغي الانتباه لها جيداً وهي كثرة الأحاديث الواردة عن النبي الأكرم في حق أمير المؤمنين ومقامه وفضله؛ كإشارته إلى أنّ الإمام علياً هو نفس النبي، فقد روى عمرو بن العاص قال: لمّا قدمت من غزوة ذات السلاسل وكنت أظنّ أن ليس أحد أحب إلى رسول الله منّي فقلت: يا رسول الله، أيّ الناس أحبّ إليك؟ فذكر أناساً، قلت: يا رسول الله، فأين علي؟ فالتفت النبي إلى أصحابه، فقال: «إنّ هذا يسألني عن النفس» (6).
وقوله أنّه والإمام علي من شجرة واحدة حيث قال ما نصّه: «أنا وعلي من شجرة واحدة، والناس من أشجار شتّى» (7).
ومن المعروف بين الصحابة أنّ علامة المنافق بغض علي، وأن حبه إيمان وتقوى، وبغضه نفاق ومعصية كما ورد في العديد من الروايات؛ فقد قال علي: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأميّ إليّ ألّا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق» (8).
وروى المساور الحميري عن أُمّه قالت: دخلت على اُمّ سلمة فسمعتها تقول: كان رسول الله يقول: «لا يحبّ عليّاً منافق، ولا يبغضه مؤمن» (9).
وأصبح من الشائع بين الصحابة معرفة المؤمن بحب الإمام علي، والمنافق ببغضه له، يقول الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري: «ما كنّا نعرف المنافقين إلّا بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلّف عن الصلوات، والبغض لعلي بن أبي طالب» (10).
وقال الصحابي المعروف جابر بن عبد الله الأنصاري: «ما كنّا نعرف المنافقين إلّا ببغض علي بن أبي طالب» (11).
ويعود الكثير ممّا وقع في طول التاريخ الإسلاميّ من أحداث مؤلمة في الأصل إلى الاختلاف بين المسلمين وانقسامهم إلى قسمين حول فضية الغدير، ولو التزم المسلمون بوصيّة الرسول الأعظم لما وقع ببين المسلمين ما وقع بينهم، من أحداث ومآسٍ تاريخيّة كثيرة، وباقي الأسباب مجرّد تفريعات عن هذا الأصل.
وفي ذكرى الغدير علينا جميعاً الالتزام بنهج ومنهاج الإمام علي [عليه السلام] قولاً وفعلاً وسلوكاً، والسير على نهجه، والالتزام بأوامر الشرع المقدّس، والابتعاد عن كلّ ما يخالف الدين، والعمل الدؤوب من أجل خدمة الإسلام والمسلمين كما كان يفعل أمير المؤمنين *.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) دعائم الإسلام، القاضي المغربي، ج1، ص 20.
(2) الأمالي، الشيخ الطوسي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1430هـ - 2009م، ص 447، رقم 1206.
(3) المناقب والمثالب، القاضي المغربي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الأولى 1423هـ- 2002م، ص 207.
(4) التحصين، ابن طاووس، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم، الطبعة الأولى 1413هـ، ص 563.
(5) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج8، ص 22، رقم 14.
(6) كنز العمال، ج 13، ص 143، رقم 36446.
(7) بحار الأنوار، ج 38، ص 309.
(8) صحيح مسلم، ج 1، ص 61.
(9) كنز العمال، ج 11، ص 599، رقم 32882. تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، 42، ص 280.
(10) فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج 2، ص 208.
(11) بحار الأنوار، ج 29، ص 644، رقم 66.
*المصدر: الموقع الرسمي للشيخ عبد الله اليوسف حفظه الله.
1

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)