0

بمختلف الألوان
إلى وقت قريب كان الجميع يعتقد أنَّ التكنلوجيا وتقنية البرامجيات الحديثة أصبح بيدها مفتاح سحري لحلِّ أيِّ شيء حتى وإن كان معضلاً! نعم... أحدثت التقنية طفرات نوعية على الصُعد كافة، ولكنها- وفي الوقت نفسه- تخفق أمام بعض التحديات. بل المدهش أنها تقف عاجزة عن تقديم حلول ناجعة لبعض المشكلات التي تسببها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
ما بعد عشرين عاماً من الفراق [قصة قصيرة]

منذ اسبوعين
في 2026/10/06م
عدد المشاهدات :499
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز الرابعة من عمره. كان صغيراً إلى حدٍّ لا تصل معه يده إلى مقبض الباب، لكنّ عينيه كانتا أكبر منه بكثير؛ عينان رأتا ما لا يُرى في ذلك العمر، ثم أغلقتا عليه ولم تقولا شيئاً.
قالوا للأستاذ إن عائلته كلّها ذهبت في انفجار، وإن الصغير خرج من بين الركام وحده، بلا اسمٍ يُنادى به، ولا ورقةٍ تقول من يكون. سمّوه «سيف»، كأنما أرادوا أن يضعوا في يده شيئاً يحميه به من العالم.
انحنى الأستاذ هشام حتى صار بمستوى عينيه، ومدّ إليه كفّه. تردّد الصغير لحظة، ثم وضع أصابعه الدقيقة في تلك الكفّ، فكانت تلك أول معاهدةٍ بينهما، ولم تحتج إلى توقيع.
لم يكن سيف يملك جنسية، ولا شهادة ميلاد، ولا وطناً على الورق. فقضى الأستاذ هشام شهوراً يطرق الأبواب ويصعد الدرجات ويملأ الاستمارات، حتى صار للولد اسمٌ في السجلات ووطنٌ في الأوراق. ثم أخذ بيده إلى المدرسة، وجلس خلفه في الليالي الطويلة، حتى حمل شهادة المرحلة المتوسطة، وكان الأستاذ يومها أشدّ فرحاً منه.
وحين بلغ سيف الثامنة عشرة، قال له بهدوء من يعرف أن الأبوّة الحقّة هي أن تُعلِّم من تحبّ كيف يستغني عنك: «الآن عليك أن تعتمد على نفسك يا بنيّ».
فعمل في مخزنٍ للأدوية نهاره كلّه، وحين يعود إلى الدار يتطوّع في رعاية المسنّين، يسقي هذا شاياً ويقرأ لتلك رسائل قديمة. كان يسكن بينهم، فتعلّم منهم أن العمر بيتٌ كبير فيه غرفٌ كثيرة، وأن الوحدة ليست شيئاً يُخيف إذا وُجد من يشاركك الجلوس في صمتها.
وهكذا مرّت عشرون سنة، كنخلةٍ تكبر بصمت. وكبر سيف تحت عين الأستاذ هشام، من طفلٍ يتشبّث بكفّ إلى رجلٍ يحمل الدار على كتفيه.
ثم جاء يوم لم يكن في الحسبان.
صوّر مرتضى إبن الاستاذ هشام سيف بعفوية وهو يحكي قصته مع الدار؛ لا تمثيل فيها ولا تجميل، كلماتٌ بسيطة كخبز البيوت. ونُشر المقطع على مواقع التواصل، فطار كما تطير الأوراق في ريح الخريف، من شاشةٍ إلى شاشة، ومن قلبٍ إلى قلب، حتى وقع على هاتف شابٍّ في إحدى المحافظات القريبة من العاصمة اسمه أيمن.
حدّق أيمن في الوجه الذي على الشاشة طويلاً. لم يكن وجهاً غريباً. كان وجهه هو، ولكن بعد أن عاش حياةً أخرى.
كتب إليهم بأصابع ترتجف:
«اسمه ليس سيف.. اسمه أيسر، وهو أخي التوأم!»
ثم حكى لهم ما قالته أمه ذات مساءٍ قبل أن تُغمض عينيها للمرة الأخيرة، وكأنها كانت تعرف أن الأيام لن تمهلها:
«أخوك يعيش في بغداد، في إحدى دور الرعاية.. لن أقول لك اسمه ولا مكانه بالضبط. إن وجدته بالصدفة فهو أخوك، وإلا فالله يحفظه.»
لقد أودعت الأمُّ الأمرَ عند الله، وكان الله أرحم من أن يُضيع وديعةً كهذه.
ركب أيمن مع خالته وفي الطريق كان كلّ كيلومترٍ يمرّ كأنه عمرٌ كامل. وحين وصلا إلى الدار، لم يكن في الحديث متّسعٌ للكلام الكثير.
كانت هناك علامتان قالت الأمّ عنهما ما قالت: شامةٌ في ظهر ابنها، وجهازٌ طبيٌّ صغير بجانب رأسه. وما إن رآهما أيمن حتى امتلأ المكان صمتاً مهيباً. أما الشبه الذي بين الوجهين، فكان شهادةً لا تحتاج إلى مُوثِّق.
ولكنّ الخالة هي من حسمت الأمر دون أن تنطق. فقد وقعت عيناها على الجهاز بجانب رأسه، فتعرفت عليه كما تتعرّف الأرض على المطر بعد قحطٍ طويل، وانهارت باكيةً وهي تضمّه.
كان لقاءً من تلك التي نظنّ أنها لا تحدث إلا في الأفلام، وها هي تحدث ، بين جدرانٍ تعوّدت على الدعاء أكثر مما تعوّدت على المعجزات.
عشرون عاماً من الفراق، انتهت في لحظةٍ واحدة.
غادر أيسر الدار وعاد مع أهله . وقف على عتبة الباب الذي ظلّ ينتظره طوال عمره دون أن يدري، وكان إلى جانبه توأمه، الذي كان نصفه الآخر الضائع.
أما الأستاذ هشام، فوقف عند باب الدار يلوّح له، وفي عينيه ذلك الدمع الذي يعرفه كل من ربّى ابناً ثم رآه يرحل إلى حيث ينبغي. لم يكن حزنه حزن الفقد، بل كان فرحة من أدّى الأمانة كاملة.
ثم عاد إلى الداخل. ففي الدار أطفالٌ جدد وشبابٌ ينتظرون من يمدّ لهم كفّاً، وفي الصدر مكانٌ لا يضيق مهما اتّسع الحنين. فتح قلبه من جديد، وبدأ مع كل واحدٍ منهم رحلةً جديدة من العطاء والرعاية.
وهكذا عاش سيف عشرين عاماً باسمٍ ليس له، وعاش أيسر شقيقاً ضائعاً لا يعلم أنه موجود. ثم التقى الاسمان في وجهٍ واحد.
سبحان من جمع القلوب بعد طول الفراق، وجعل للصدفة أسباباً لا نحسبها نحن.

اعضاء معجبون بهذا

الحجاب… حين يُصبح التمسّك بالعفّة سببًا للحرمان من التعليم
بقلم الكاتب : علي جبار الماجدي
تتداول منصّات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لطالباتٍ شيعيات في أذربيجان، قيل إنهن مُنعن من دخول مدارسهن بسبب تمسّكهن بارتداء الحجاب، في مشهدٍ يفتح بابًا واسعًا للتساؤل عن حرية الإنسان في اختيار ما ينسجم مع قناعاته الدينية، وحقّه الأساسي في تلقّي العلم دون مساومةٍ على هويته. إنّ التعليم حقٌّ إنسانيّ... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ 5 ايام
2026/10/14
يعد الحمض النووي للورم الموجود في الدم (Circulating Tumor DNA-ctDNA) من المؤشرات الحيوية التي...
منذ 7 ايام
2026/10/12
التوتر النفسي ليس مجرد شعور بالقلق أو الخوف، بل هو استجابة كيميائية وعصبية...
منذ 7 ايام
2026/10/12
علي حسين عريبي ‏كل دولة تريد أن تكون عظمى في مختلف المجالات عليها أن تدرك أن...