0

بمختلف الألوان
يُحرِّكُ القلوبَ نحوَ معشوقِها شوقُ اللِّقاءِ، فيدنُو مِن أبصارِهِم كأنْ لا بينَ بينَهُما! وتُصبحُ الدقائقُ خانقةً عندَما تهيجُ صبَابةُ التائقِ في طريقِ الوِصالِ، فيُسَعِّرُ البعدُ نارَ الوَجدِ شوقاً وحنيناً وأنيناً.. أنّى أُحدِثُكَ عَنِ العَاشقين ... رِحلةٌ لا يُدرِكُ سِرّها إلّا مَن شَهِدَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
فضل صدقة الليل والنهار وآثارها

منذ 4 اسابيع
في 2026/09/03م
عدد المشاهدات :265

حسن الهاشمي
لم يجعل الإسلام المال غايةً تستعبد الإنسان، وإنما جعله وسيلةً للخير والعطاء، وطريقًا إلى التكافل والتراحم وبناء المجتمع الصالح، ومن أجمل صور هذا العطاء الصدقة؛ فهي عبادةٌ تجمع بين تزكية النفس، ومواساة المحتاج، وشكر الله تعالى على نعمه، وقد أولت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الصدقة عنايةً كبيرة، وبيّنت فضلها وآثارها في الدنيا والآخرة، سواء أكانت في الليل أم في النهار، في السر أم في العلانية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى شمول الإنفاق لأوقات الإنسان المختلفة، فقال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة: 274. فالآية ترسم صورةً للمؤمن الذي لا يحصر الخير في وقتٍ دون وقت، ولا يجعل العطاء مرتبطًا بمناسبة عابرة، بل يكون الإنفاق عنده سلوكًا مستمرًا، في الليل والنهار، وفي السر والعلن، والنموذج الأكمل والقدوة الأزهى لهذه الآية وكما يذكر ابن عباس في قوله تعالى: "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار...": أنها (نزلت في علي بن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهما وبالنهار درهما، وسرا درهما وعلانية درهما) الدر المنثور للسيوطي: ٢ / 100.
وتكشف الآية عن منزلة عظيمة للمنفقين؛ إذ جعلت لهم الأجر عند ربهم، ثم أتبعت ذلك بالأمن من الخوف والحزن، وكأن الصدقة لا تنفع المحتاج وحده، بل تعود آثارها على صاحبها، فتمنحه طمأنينة القلب، وتخفف عنه أثقال الأنانية والتعلق المفرط بالدنيا.
وفي روايات أهل البيت (عليهم السلام) تأكيدٌ بالغ على أثر الصدقة في دفع البلاء واستنزال الرزق وتطهير المال والنفس، فالصدقة ليست مجرد إخراج مقدار من المال، وإنما هي موقف إيماني يعلن فيه الإنسان أن ما في يده من فضل الله، وأنه مسؤول عن توجيه هذا الفضل في وجوه الخير.
ومن هنا تبرز صدقة الليل بصورة خاصة؛ فالليل موطن السكون والخفاء، ولذلك يكون العطاء فيه أبعد عن طلب الشهرة والرياء، وأقرب إلى الإخلاص، ولعل هذا المعنى يتجلى بأروع صوره في سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فقد كان يتعاهد الفقراء ليلًا، ويحمل الطعام على ظهره إلى بيوت المحتاجين، حتى كان أهل المدينة يفتقدون ما يأتيهم من العطاء بعد وفاته، فعرفوا أن صاحب الجراب الذي كان يأتيهم ليلًا قد غاب عنهم.
لقد كان ذلك درسًا عمليًا في أن الصدقة ليست استعراضًا للغنى، وإنما هي سترٌ لحاجة الفقير وحفظٌ لكرامته، فكلما ابتعدت الصدقة عن أعين الناس، اقتربت من معنى الإخلاص، وصار العطاء فيها تعبيرًا عن علاقة العبد بربه أكثر من كونه علاقةً بالمجتمع.
أما صدقة النهار فلها فضلها كذلك؛ لأنها تجعل الخير حاضرًا في حركة الحياة اليومية، وتتيح للإنسان أن يلتقط فرص العطاء أينما وجدها، فقد يمرّ الإنسان بمحتاج، أو يرى مريضًا، أو يلتقي بأسرة متعففة، أو يجد مشروعًا نافعًا للمجتمع، فيبادر إلى الإحسان، وهكذا تصبح الصدقة ممارسةً يومية لا تنفصل عن حياة المؤمن.
ولا يعني التفريق بين الليل والنهار أن أحدهما يلغي فضل الآخر، بل إن الآية الكريمة جمعت بينهما لتؤكد دوام روح الإنفاق، فالمؤمن لا ينتظر وقتًا مثاليًا حتى يفعل الخير؛ لأن أبواب الخير مفتوحة في كل ساعة، ومن أراد أن يجعل حياته صدقةً مستمرة، وجد في كل يوم فرصةً جديدة للعطاء.
ومن آثار الصدقة أنها تطهر النفس من الشح؛ فالإنسان بطبيعته قد يميل إلى الإمساك بما في يده، فإذا اعتاد أن يعطي، تحرر شيئًا فشيئًا من سلطان المال، ولهذا قال تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر: 9. فالصدقة ليست معالجةً لفقر الآخرين فحسب، وإنما هي علاجٌ لفقر الروح أيضًا.
ومن آثارها كذلك تقوية أواصر المجتمع؛ إذ يشعر الغني بحاجة الفقير، ويشعر الفقير أن المجتمع لم يتخلَّ عنه، وبذلك تنتقل الصدقة من كونها علاقةً فردية بين المتصدق والمحتاج إلى وسيلة لبناء مجتمع متراحم، تتراجع فيه الفوارق القاسية، وتتعزز فيه قيم التكافل والمسؤولية.
كما أن الصدقة تعلّم الإنسان أن النعمة أمانة، وأن المال الذي بين يديه ليس ملكيةً مطلقة تنفصل عن المسؤولية، ولذلك فإن أجمل الصدقات هي التي تحفظ كرامة المحتاج، وتصل إلى مستحقها، وتكون من مال حلال، ولا يتبعها منٌّ ولا أذى.
إن صدقة الليل والنهار في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليست مجرد عمل مالي، بل هي منهج حياة: عطاء في الليل حين يسكن الناس، وعطاء في النهار حين تتحرك الحياة؛ عطاء في السر طلبًا للإخلاص، وعطاء في العلن حين يكون في إظهاره تشجيعٌ للآخرين على الخير.
وهكذا يبقى المؤمن في حركة دائمة بين الأخذ والعطاء؛ يشكر الله على ما أعطاه بأن يعطي من فضله، ويجعل من ماله جسرًا يصل به إلى المحتاجين، فالمال الذي يُنفق في سبيل الله لا يضيع، واليد التي تمتد إلى الفقير لا تعود خائبة؛ لأن وراء الصدقة وعدًا إلهيًا بالأجر، وبركةً في النفس والمجتمع، ورصيدًا يدّخره الإنسان ليومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون.
وفي عالمٍ تتسع فيه حاجات الناس وتتعاظم فيه المسؤوليات الاجتماعية، تظل الصدقة رسالةً إنسانية وإيمانية قادرة على أن تجعل من المال وسيلةً للرحمة، ومن الغنى مسؤولية، ومن العطاء عبادة، وما أجمل أن يكون للإنسان صدقةٌ في ليله، وصدقةٌ في نهاره، وخيرٌ لا ينقطع ما دام في قلبه إيمانٌ وفي يده قدرةٌ على الإحسان.
يوكد الإمام الصادق (عليه السلام) على هذه الحقائق بقوله: (إن صدقة الليل تطفئ غضب الرب، وتمحو الذنب العظيم، وتهون الحساب، وصدقة النهار تثمر المال، وتزيد في العمر) بحار الانوار للمجلسي: ٩٦ / ١٢٥ / ٣٩. يمكن تلخيص دلالات الرواية بما يلي:
أولًا: "صدقة الليل تطفئ غضب الرب" في الليل تكون الصدقة أبعد عن أعين الناس، وأقرب إلى الإخلاص، ولذلك يمكن أن تكون سببًا في استجلاب الرحمة الإلهية ودفع أسباب السخط، وهي تربي الإنسان على أن يفعل الخير لا طلبًا لمدح الناس، وإنما ابتغاءً لوجه الله تعالى.
ثانيًا: "وتمحو الذنب العظيم" في ذلك إشارة إلى أثر الصدقة في تطهير صحيفة الإنسان من آثار الذنوب، ولا سيما إذا اقترنت بالتوبة والندم والإقلاع عن المعصية، فالصدقة لا ينبغي أن تُفهم على أنها بديل عن التوبة والحقوق الواجبة، وإنما هي من أبواب الرحمة والتكفير عن السيئات.
ثالثًا: "وتهوّن الحساب" الحساب يوم القيامة من المواطن التي تستوقف الإنسان، ولذلك جاءت الصدقة بوصفها عملًا يخفف عنه ذلك الموقف، فالمال الذي أنفقه الإنسان في حياته في وجوه الخير يتحول إلى رصيدٍ له في الآخرة، بدل أن يكون مجرد متاعٍ دنيوي يفنى بانتهاء الحياة.
رابعًا: "وصدقة النهار تثمر المال" ليس المقصود بالضرورة أن كل صدقة تؤدي إلى زيادة مالية مباشرة، وإنما أن الصدقة من أسباب البركة في المال، وقد عبّرت الروايات عن هذه البركة بالنماء والثمر، فالإنسان حين يخرج من ماله لله لا يخسر في المنظور الإيماني، بل يفتح لنفسه بابًا من أبواب البركة.
خامسًا: "وتزيد في العمر" ورد في تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) أن بعض أعمال البر تكون سببًا في زيادة العمر، والصدقة من أبرزها، ويمكن فهم ذلك في إطار ما ورد في الروايات من ارتباط بعض الأعمال بالبركة في العمر ودفع أسباب البلاء، مع الإيمان بأن كل ذلك داخل في علم الله وتقديره.
واللافت في الرواية أنها لا تفضّل أحد الوقتين على الآخر تفضيلًا يلغي الآخر، وإنما توزع آثار الصدقة بين الليل والنهار؛ فالليل ميدان الخفاء والإخلاص، والنهار ميدان الحركة والعمل وظهور آثار البركة في الحياة، وهذا ينسجم مع قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ البقرة: 274.
فالمؤمن في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا يجعل الصدقة عملًا موسميًا أو مرتبطًا بوقت محدد، بل يجعل الليل والنهار مجالين مفتوحين للعطاء؛ يعطي في الليل طلبًا للإخلاص، ويعطي في النهار طلبًا للبركة، وفي الحالين يبتغي وجه الله تعالى، ومن أجمل ما يستخلص من الرواية: أن الصدقة تعالج علاقة الإنسان بالمال في الدنيا، كما تعالج علاقته بالحساب في الآخرة؛ فهي بركةٌ في الحياة، وأمانٌ في المآل.
الإسلام لم يكتف بذلك بل جعل صدقة الليل والنهار جنة من النحس والبلاء والمصائب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إذا أصبحت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس ذلك اليوم، وإذا أمسيت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس تلك الليلة) بحار الانوار للمجلسي: ٩٦ / ١٧٦ / ٣. هذه الرواية تفتح معنى لطيفًا في أثر الصدقة في دفع البلاء والنحس، فهي تحثّ الإنسان على أن يستقبل يومه وليلته بالإحسان، وكأن الصدقة جُنّةٌ روحية يستظل بها المؤمن من مكاره ما قد يعترضه.
وهذا المعنى تؤكده روايات كثيرة في تراث أهل البيت (عليهم السلام)، حيث جعلت الصدقة من أسباب دفع البلاء، ولذلك لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إعانة مادية للفقير، بل هي أيضًا عبادةٌ وقائية تعود آثارها على المتصدق نفسه.
فالمال الذي يخرج من يد الإنسان صدقةً قد يكون سببًا في حفظه من مكروه، أو دفع بلاء، أو جلب بركة، أو تفريج كربة إنسان، وكل ذلك داخل في مشيئة الله تعالى وحكمته.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 5 ايام
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...